ثقافة

الكتابة عن سجن تدمر.. صرخات من الجحيم

ماتوا أو جُنّوا أو عجزوا عن التعامل مع المجتمع وبعضهم أصبحوا متطرفين

أصبح سجن تدمر، في الكتابات الإبداعية، مجهرا لاكتشاف جزء من ظلم النظام السوري واستبداده، ووحشية السجّان ولا إنسانيته.. ذلك المعتقل الذي حشر فيه الآلاف، وقتل منهم الكثير.. ومَن نجا، فلطول عمره.

دخلته طاقات إبداعية في شتى المجالات، بعضها هزم، فإمّا جُنّ أو مات، وبعضها عاش ليروي لنا خفايا وهول ما أصابه في المهاجع والباحات وغرف التحقيق السرية.

صدرت كتب وروايات تروي تفاصيل الظلم والقهر داخل سجن تدمر الصحراوي، وتحكي ويلات العذابات، أغلب أصحابها ليسوا من الشعراء أو الأدباء، ولكن أحيانا يصبح السجن مصدرا للغة ومنتجا قويا لها.

خيانات اللغة والصمت

أصبح الشاعر فرج بيرقدار مطلوبا رسميا لدى الأمن السوري في 1984، بسبب ارتباطه بحزب العمل الشيوعي المعارض في سوريا، وبعد أن انتخب عضوا لمكتبه السياسي،

اعتقل سنة 1987 في مخيم بدمشق، وخلال التحقيق رفض المساومات والعروض فنقلوه إلى جولات التعذيب اليومية.

وصف بداية الاعتقال ومجريات التحقيق، كاشفا حقد النظام على أبناء الشعب الذي برز من خلال أساليب التعذيب. يقول أحد أصدقائه “يريد السجان أن ينسي السجين، ليس فقط اسمه، بل حتى الحليب الذي رضعه”.

ينادَى السجين، خلال التحقيق الأوّلي، برقمه لا باسمه بقصد إهانة كرامته. يقول الشاعر في شهادته: “إذا وضعوه في زنزانة منفردة ينادونه برقمها، أما إذا كان في مهجع فينادى برقم آخر. وبالصدفة دخلت الزنزانة 13، وفي كل مرة أذهب فيها للتحقيق تتم الإشارة إليّ بالرقم 13”.

كان أول متنفس لفرج الذي خرج فيه من عقدة السجين هي عندما دخل المستشفى بعد تعذيب طويل فأطلق عليه الطبيب اسما حركيّا “سيف أحمد”.

عندما نقل من التحقيق إلى السجن وبدأ المساجين يتحسسون طول الطريق مع بلوغ الطريق الصحراوي. قال أحد الشعراء الذي يرافقه: “تدمراه”. بصرخة رهيبة، “صرخة الذاهب إلى الجحيم”.

وفي تدمر أصبح الشاعر ينادى “أبو البيجامة البنية”، يقول فرج:” في تدمر يصادرون الاسم والرقم والملامح حتى، أنت تحت محاولة حثيثة لفقدان معناك”.

أكثر من 30 وسيلة للتعذيب، تعتمد من قبل السجان ويصعب تخيلها أو تصور طاقة تحملها، حيث نجد “الكرسي الألماني” الذي يسميه فرج “الكرسي النازي”.

كما يروي قصة رجل مسنّ، أجبره أحد العساكر على لعق حذائه ومسحه له بلباسه البالي، وفي الأثناء يصفعه السجان ويركله، ويصور لنا الكاتب أيضا مشهد عناصر يمسكون السجين ويلوحون به إلى الأعلى ليتركوه يهوي أرضا.

وصورة السجان الذي أجبر أحد النزلاء على ابتلاع فأر، عاكسا اللحظة الروحية التي عاشها الضحية أمام بطش السجان، علاوة على ضرب الكرابيج والصفع.. “تدمر يبتلع السجناء بالآلاف، والنقل إلى صيدناية نصف أفراج، ففي تدمر لا يسمع عنك أحد ولا يراك أحد”. حسب تعبير الكاتب.

لم يقبل فرج تعيين محام للدفاع عنه، وكتب مرافعته التي قدمها أمام محكمة أمن الدولة العليا في دمشق بنفسه سنة 1993، نص ترجم إلى أكثر من لغة عنوانه: “باسم الحرية المغدورة في بلادي”، قامت المناضلة الجزائرية لويزة حنون، بترجمته ونشرته في الأوساط الفرنسية، وصولا إلى الرئيس الفرنسي جاك شيراك في تلك الفترة، الذي طالب بالكشف عن مكان بيرقدار والإفراج عنه.

يقول فرج: “رغم بؤس الحال، وضعنا كان أفضل من وضع الإخوان أو سجناء بعث العراق”.

سنة تعادل 15 عاما

درس ياسن الحاج صالح الطب 3 سنوات في الجامعة، قبل أن يتم اعتقاله بسبب انتمائه للحزب الشيوعي السوري. أمضى 16 سنة في السجون السورية وكانت التجربة الأكثر قسوة هي تجربة “عام في سجن تدمر”.

في سنة 1996 دخل هذا السجن وقال إنه “أسوأ مكان في العالم في الثمانينات والتسعينات”. وأكد أنّ “سنة واحدة في تدمر تعادل 15 سنة في ما سواها”.، يصفه الحاج صالح بالمروع والعشوائي، الذي صمم من أجل كسر أعين السجناء.

“كنا نعيش في الخوف والجوع، نشعر بالبرد في الشتاء ونختنق من الحر في الصيف”.

التلذّذ بتعذيب الناس والتفنن فيه جعله يقول كان “التعذيب للتعذيب مثل ما نقول الفن للفن، وجدار الخوف في سوريا بني عن طريق تدمر”

يروي الكاتب في كتابه “بالخلاص يا شباب، 16 سنة في السجون السورية”، عن معسكر اعتقال الغرض منه إذلال المعتقلين، “لا نحتاج لسبب معين والغرض منها ترويع السوريين”.

لكل مهجع باحة تعكس الرعب.. كنّا نزحف على الأكواع والركب مغمضي الأعين، وإذا جرح أحد يمنع عليه أن يقول دم بل عليه القول: “مرق بندورة”.

كثيرون دُمّروا، وفقدوا القدرة على التعامل مع المجتمع، وبعضهم أصبحوا متطرفين، علاوة على المساجين الذين ماتوا، أو جُنوا.

وفي سجون أخرى بإمكان النزيل الكتابة أو قراءة الكتب أحيانا، أو الحوار مع العناصر الأخرى، وحدّ أدنى من التفاعل الإنساني أو من خلال الرشوة أيضا، أما في تدمر لا يمكن الحديث مع السجّان أو رفع العينين أمامه.

ويبيّن الكاتب أن معاملة اليساريين كانت أفضل بكثير من الإسلاميين، “سقف الاستقبال لليساريين 100 جلدة في حين يتضاعف ذلك إلى 500 جلدة للإسلاميين”.

يسمعون حسيسها

كتب أيمن العتوم رواية “يا صاحبي السجن ” التي تنضوي ضمن “أدب السجون” من خلال تجربته الشخصية، ورواية “اسمه أحمد”، وفي “يسمعون حسيسها” وصف نوعا آخر من العذاب المسلّط على أحد نزلاء سجن تدمر الصحراوي.

روى العتوم قصة الدكتور “إياد” الذي اتهم بانضمامه للإخوان المسلمين، ليتم اعتقاله وإرساله لسجن العذابات والمعاناة، وقضى فيه 17 سنة. وتميز عن غيره بكونه ناقلا للأحداث عن طريق شخص آخر ولم يكن هو معايشا لها.

استفز العتوم ما قاله “الحاج صالح” بأن “تجربة الإسلاميين كانت أقسى من تجربة الشيوعيين في السجن ولكنهم لم يكتبوا عن تجربتهم لأنهم ليسوا أصحاب قلم”.

يقول “استفزتني العبارة وبحثت عن أحد المعتقلين السابقين في سجن تدمر موجود في الأراضي الأردنية، واهتديت الى اياد أسعد فكان ذلك سبب كتابتي لها”.

كان إياد أسعد يمثل وضعيات التعذيب ومتفاعلا مع الكاتب، علاوة على الإصغاء إلى ما يقوله.

تجربة الدكتور إياد أثرت في الكاتب الأردني الذي صور المشاهد بشكل مأساوي ومقرف أحيانا، مبرزا بشاعة النظام السوري. مشاهد تتقاطع أغلبها مع الصور التي عكسها مصطفى خليفة في رواية “القوقعة”، التي يقول عنها أيمن العتوم إنها: “مدهشة وكاتبها دارس للإخراج، فكان كمن يحمل كاميرا فيديو، ويتنقل بين المهاجع أو ينظر من خلال عدسة الثقب الذي قوقع نفسه فيه”.

وفي تعليقه على الانتقادات في تشابه الروايتين وتكراره للأحداث يقول: “نحن في سباق روائي حول أدب السجون في سوريا وتحديدا في سجن تدمر”.

وصنفت “يسمعون حسيسها” في المرتبة 38، باعتبارها أفضل مائة رواية صدرت في القرن الواحد والعشرين.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.