مدونات

“2017” منّيتني فلوّيتِ ما منّيتني

 

وجدته بالأمس مفجوعا يودّعها وهي تجرّ أمتعتها، كانت لا تزال في أرضه تعبث بأعصابه وتنثر دخانها في رئتيه، لم يحن بعد موعد رحلتها الأبدية إلى التاريخ لتلتحق بسابقاتها اللواتي لعبن بمشاعره.

كان يعتقد أنّها بحلولها ستكون الأجمل والأطهر وستجعله يفرح أخيرا، كان صادقا وهو يفتح لها باب حياته لأوّل مرّة، كان مخلصا وهو يلقي أمنيته الصغيرة أمامها، كان جادا وهو يقطع وعوده لها عندما وصلت إلى عالمه الحسّاس فبذل لها نفسه، كان يحملها على ظهره كلّما سقطت بأمنياته أمامه، كان يشفق عليها بالصبر، لكنّه ما عاد يقدر، هي لم تكن لتعطيه، كانت فقط تمنّيه وها هي ذي ترحل.

بالأمس فقط رأيته يخرج من عقله، كان يعتب عليها ويوبّخ قلبه الذي رسم له بالأمل أحلاما فيها، وجدته يذوّب الأمل الأخير في إناء الشهر الأخير، فبضعة أيّام ضيّقة يستحيل أن تفي بوعد سنة. وجدته ملقى بقارعة فؤاده المكسور، لا شيء يستجمعه سوى الأسى، وجدته جاثما عند بوابة أحلامه المسدودة تمزّقه الخيبة.

وجدته كحجر إيليا الصغير يشكو، وجدته كالعبد الذليل، بل وجدته مثل جميل يردّد قائلا: “منّيتني فلوّيتِ ما منّيتني وجعلتِ عاجل ما وعدتِ كآجل”، كأنّه لم يحفظ من الأدب كلّه وقصيدة بن معمر هذه سوى هذا البيت أو ربّما لم يتبقّ في ذاكرته شيء سواه.

سألته باستحياء: “من التي منّتك؟”، قال: “السنة”، ضحكت في البداية، ضحكت رغم الضنى، خلتها فتاة من المراهقات، لم أكن أعلم أنّه يواعد السنوات منذ زمن ويعتب عليها في كلّ نهاية، فيا لها من سنوات ويا لها من نهايات، كنت أعلم أن لكلّ بداية نهاية، لكن ما كنت أتصور أن لكلّ بداية نهاية تشبهها حتى تعرّفت عليه. كان إنسانا واحدا بعدّة أمنيات وجدته في كلّ مكان.

كان يتمنّى أن تصدق تنبّؤات برجه الفلكي ولو لمرّة، لكنّه لم يكن يدرك أن النجوم والأجرام السماوية لا تعلم شيئا وأن 2017 سنة شحيحة كغيرها من السنوات التي أفلت. كان يتمنّى أن يجتاز امتحانه وأن يستقرّ في وظيفة يعيل بها نفسه وأسرته، لكّنها مضت دون أن يتحقّق نجاحه حتى أنه نجح واستبدلوا اسمه باسم آخر أكثر ثقلا وهيبة.

كان يتمنى أن يحظى بسكن يجمع فيه نفسه المرهقة من الإيجار ومن ضغط البيت الكبير الذي لا يتّسع لأسرة جديدة، كان يتمنّى أن يجد امرأة أحلامه ويسكن إليها، كان يتمنّى أن يزدان فراشه بطفل يناغيه “بابا” أو طفلة تهمس في أذنيه “بابا”، لكنّه ظلّ ينتظر، “فالمعيشة صعبة” ولا بدّ من تقشّف بشري، كان يتمنى أن يشفى من مرضه وأن يجمع في هذه السنة مالاً يسمح له بإجراء عملية جراحية تبث فيه الحياة، لكنّه مات دون أن تخالف 2017 غيرها من السنوات، كان يتمناه عاما بكل بساطة لكنّها أصرّت أن تكون سنة وألّا تستجيب لأمنية.

كان يتمنى أن تخفّف المحكمة عقوبته وأن يُصدر عفو جديد أو يعود العدل لوطنه ويطلق السجّان سراحه ليجدّد حياته ويشمّ نسيم الحريّة، لكنّ 2017 لم تكن كما تمنّى، ها هي ذي تحزم أمتعتها ولا يزال في زنزانته المظلمة يستحضر طفولته. كان يتمنّى أن يكون شتاؤها ماطرا وزرعها وفيرا، لكنّ شتاءها كان كالشتاء السابق جافا. كان يتمنى فيها ثوبا جديدا، خبزا طريّا، تفاحة لذيذة، طبقا ساخنا، بطانية دافئة يلحّف فيها جسده المتجمّد، خيمة تستر عوراته، وطنا مشفقا ومنصفا، كان يتمنى قلوبا جديدة، قلوبا طيبة تنظر إليه بعين الرحمة، غير أنّ 2017 عرفته فقيرا وتركته كذلك.

 

كان يحلم أن يرتسم الأخضر في قريته من جديد وترقص أشجار الجوز والسرو هناك في الغوطة الشرقية، وأن يصل عبير التوت والدراق إلى تلّ الصالحية وأن ينعم العنب الدوماني فيها بالحريّة.

 

استيقظ في صباحها الأوّل، أطلّ من نافذة دار العجز البعيدة باسما يتمنى أن يشاهد ابنه متّجها نحوه ليقبّل يديه ورجليه ورأسه ويسأله الغفران. لم يكن يرجو أن يغادر دار العجز بقدر ما كان يتمنى أن يغادر حضن ابنه إلى أحضانه وتدوس شفتاه خدّيه بلهفة ثمّ يرحل بعدها للأبد، لكنّ 2017 جاءت لتأخذه معها وظلّ ذاك الحضن فارغا إلى يوم يبعثون.

لحّف وجهه بكوفيته الطاهرة وقبّل جبين أمّه ويديها وسألها ألّا تحزن، كان يسأل 2017 أن تلحقه بأخيه الشهيد، كم تمنّى أن ينتهي شهيدا لكّنها فضّلت أن يكون أسيرا، ولا يزال أسيرا.

منّته 2017 بالعودة إلى أرضه ولقاء أهله، كانت تلك الأنوار الساطعة ليلة استقبالها وتلك التهاني المتناثرة هنا وهناك وتلك الأماني المرسلة إلى السماء تمنّيه وتبعث فيه أمل العودة لكنّه لم يعد وظلّت تلك السنة ترفس أحلامه يوميّا كأنّ طريق العودة قد طوي للأبد لولا رحمة الله، ولا زال يحلم.

كان يحلم أن تشرق الشمس فعلا فيها من الشرق، كان يحلم أن يرتسم الأخضر في قريته من جديد وترقص أشجار الجوز والسرو هناك في الغوطة الشرقية، وأن يصل عبير التوت والدراق إلى تلّ الصالحية وأن ينعم العنب الدوماني فيها بالحريّة، كان يحلم أن يعود ليلقى داريا ويمسح دموعها والرماد من وجه مساجدها القديمة ودورها وأن يسمع صوت البائع الجوّال ذائعا في أحيائها وأن يمرّ بسوق عجم يزيل عن زواياه الألم، لكن من ذا يعمّر داريا والغوطة الشرقية وحلب في بضعة أيام ويغسل وجه ريف دمشق الرمادي؟

كان يحلم أن يعود إلى الموصل ويجوب بسلام شارع النجفي القديم ويقتني أجزاء أخرى من تلك الكتب التي تركها خلفه فاحترقت، كان يتمنى ألّا تمرّ 2017 إلّا وقد تركتها فيحاء وخضراء وبيضاء، فإذا بها شهباء. كان يتمنّى أن ترتاح اليمن ويعود ليلقاها من جديد ترتشف الشاي العدني على أنغام أغنية صنعانية في الأسواق الشعبية غير بعيد عن باب اليمن العتيق حيث يجتمع السيّاح حول أطفال يرقصون البرع في صنعاء القديمة، وأن يتناول الفحسة من يدي أمّه التي امتصّها الوباء فغادرته للأبد. كان يتمنى أن تلوّن 2017 النوافذ من جديد وأن تعيد اليمن السعيد، لكّنها تلاشت ولم تفعل.

كان يتمنى أن يبتهج نهر إيراوادي وأن ينصف العالم ومنظمات الإنسان أهل أركان ويعودوا إلى ديارهم معزّزين مكرّمين، لكنّ 2017 فضّلت أن تزيد عدد اللاجئين والمشرّدين والمعذبّين. كان يتمنّى ألّا يقرأ في الصحف أنباء عن اشتباكات في جنوب السودان والصومال وأفغانستان ولا عن مجاعة وأميّة ودمار.

كان يتمنى أن يتحّد الوطن الإسلامي ويناضل لتحرير فلسطين، لم يكن يتمنّى أن يتفرّق إلى هذا الحدّ وأن تنتهي 2017 وقد تركت بعدها وحشا يغتصب القدس ويدمي جراحه، فكيف أصبّره؟.

حياة بن بادة

كاتبة جزائرية ومترجمة وأخصائية في علم النفس ومهتمة بالشأن الإنساني

الوسوم

حياة بن بادة

- كاتبة جزائرية ومترجمة وأخصائية في علم النفس ومهتمة بالشأن الإنساني

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق