سياسة

سوريا: سبعٌ عجاف ودكتاتورٌ محنط!

حصاد 2017

 

عمار رجب تباب- اسطنبول- مجلة ميم 

شبيهةً بأعداد ضحاياها، متأسيةً بهدوئهم، مصبوغةً بذات الألوان التي تصبغ أعناقهم، وجوههم، أشلاءهم، تتقلب السنوات واحدةً تلو الأخرى إلى أن تحولت مجردَ أرقام شبيهة بأسمائهم، وأسماءِ أولئك الذين لا تزال مصائرهم مجهولةً في أقبية ظلامٍ لمن سمَّته عبثيةُ الأحداث نظاماً.

تشيخُ الثورة في عامها السابع قبل أن تبلغ حُلمها، وقبل أن يأذن المنادي بعامٍ فيه يغاث الناسُ وفيه يعصرون، بل على العكس تماماً، فيه يبادُ الناس وفيه يحاصرون.

لقد استقبل السوريون عامهم الذي تقرع أجراص رحيله الآن، بخارطة متشحةٍ بالسواد في غالب أجزائها، ولا يُجمل وجهها القبيح ألواناً ليست أقل من السواد سوداويةً ولن تكون.

بين رايةٍ سوداء تحاكي ظلامية الدولة التي تحمله، والضبابية في حيثيات ظهورها واختفائها، وراية حمراء تحاكي الدماء التي تلطخت بها يد حامل الراية الذي سموه نظاماً، وأخرى صفراء يقبع الموت في معالم رايتها التي زاد غبار التهجير اصفرارها، ولون أخضر متلاشٍ تلاشي آمال الناس بالتغيير.

 

 

التنظيم بين التلاشي والزوال

طالما أثار ظهور تنظيم الدولة الإسلامية تساؤلات واستفسارات في جميع دوائر الاستخبارات العالمية ومراكز الدراسات الاستراتيجية، قبل العقول البسيطة، فيما يتعلق بكيفية قدرته على الانتشار السريع في كل من سوريا والعراق وغيرها، وسيطرته على مساحات جغرافية واسعة واسقاطه قطاعات عسكرية كبيرة في تلك الدول بأدوات بسيطة (من الناحية العسكرية)..

تساؤلات ظلت ترافق مسيرة التنظيم إلى الوقت الراهن وهو يكاد يختفي من جغرافية المنطقة بعد خسارته الجزء الأكبر من دولته في العراق التي أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، أنها باتت خالية من التنظيم ومحررة بشكل كامل من الإرهاب. وكذا في سوريا التي بات التنظيم يصارع  فيها على البقاء في جيوب صغيرة في ريف دير الزور الشرقي وريف الحسكة الجنوبي الشرقي وجيب صغير في ريف حماة وحوران بمحافظة درعا.

من القائم على الحدود العراقية شرقاً إلى القريتين وصولاً إلى جرود عرسال على الحدود اللبنانية غرباً، ومن الباب شمالاً إلى السويداء حدود الجولان جنوباً، بدأت ما يسمى الدولة الاسلامية سنتها المنصرمة بعد أن استطاعت تثبيت حكمها في الذهنية الاجتماعية والرأي العام الدولي قبل تثبيتها على الأرض التي استولت عليها من قوى الثورة السورية، بعد انسحاب النظام منها إلى مراكز المدن الكبرى قبيل التدخل الروسي الذي كان مغيراً لمسار الأحداث على الخارطة التي كان يرسمها الأخير وكأنه يكتب على لوح القدر.

ومع بداية العام، بدأت الدولة بتغيير مواقعها على الخارطة التي بدأت الانسحاب منها مع نهاية العام الأسبق إبَّان الحملة التركية داخل الأراضي السورية التي سميت بدرع الفرات، والتي انتهت بتثبيت الأخيرة مواقع لها في شمال حلب، وبعيداً عن الدرع بدأت خارطة الدولة بالانحسار لصالح النظام حيناً والقوى الكردية حيناً آخر، في الشمال بدأ التنظيم بالانحسار لصالح قوات سوريا الديمقراطية، التي كانت تستهدف حجب الدور التركي وكفَّ يده عن التوغل في الداخل السوري بحجة القضاء على إرهاب الدولة الاسلامية، خصوصاً بعد فشل محاولة الانقلاب الذي اتهمت به – ولو على سبيل الاشارة والتلميح – قوىً دولية كانت ولا تزال داعمةً للوجود الكردي كحركة انفصاليةٍ تؤذن بتفكيك الدول المحيطة إلى دويلات بل وربما حارات.

ومن جانب آخر ليس بالبعيد، بدأت لعبة الكرِّ والفرِّ تبدو ظاهرة بين عناصر التنظيم من جهة، وعناصر النظام من جهة أخرى، كرّ يمنح النظام انتعاشاً على المستوى الدولي كضامنٍ أساسي وشريكٍ رئيسي في الحرب على الارهاب، وفرٍّ يمنح التنظيم السلاح والعتاد الضامن لبقاء حربه ضدَّ العناصر الثورية أينما وجدت، كخطوةٍ سابقةٍ لتطهير المكان من الارهاب بعد حقنه به، الأمر الذي بدا واضحاً في المعارك الأخيرة، خلال نقل عناصر التنظيم تحت أعين النظام من الشرق السوري إلى شمال حماة وجنوب محافظة إدلب التي تعتبر إلى الآن الملاذ الأخير لعناصر الثورة المسلحة.

ولو عجزنا عن اثبات اتحاد القيادة وغرف العلميات، فإنه وأسوةً باتحاد الجذر اللغوي لكل من النظام والتنظيم، تتحدُ الغايات بل وربما الخطط، في وأد الحراك الجماهيري، الذي لم تتح له الظروف أن يتكون جنينياً إلا في أقبيةٍ أو نعوش.

 

قواعد البلد المنهار .. وتحنيط الديكتاتور

 طالما حدثنا علماء العمارة عن التناسب الطردي بين عدد القواعد للبناء ومتانته، إلا أن الحديث عن القواعد في سوريا أمرٌ مختلفٌ تماماً من حيث المنطلقات أو حتى النتائج.

عشرات القواعد العسكرية، والرقم في هذا السياق لا يقصد به التحديد بقدر ما يُقصد به إباحة الزيادة وفق قرار منفرد تحكمه القوة وتساهم في تبريره أخبار التنظيم سيء الصيت.

ومن جانب آخر لا تمثل الاعداد المشار إليها أي جانبٍ من أمان مفترضٍ بوجودها، بل تضع المتابع أمام الحقيقة بوجهها الصريح، الحقيقة التي تقول بأننا أمام بلد منهارٍ مباحٍ للقوى الدولية على اختلاف مشاربها وجهاتها ومصالحها.

إننا لا نفشي سرّاً إذا تحدثنا عن عشر قواعد عسكرية أمريكية على امتداد الخارطة السورية تتركز في غالبها بالمناطق الخاضعة لما يسمى بقوات سوريا الديمقراطية، رميلان والمبروكة وخراب عشق وتل أبيض وتل بيدر وتل تامر و عين عيسى وعين عرب وصرين والشدادي، أسماء لقرى كانت سوريةً قبل أن تتحول لقواعد عسكرية أمريكية ليس للسوريين فيها نصيب.

إننا لا نفشي سرَّاً إذا تحدثنا عن قواعد روسية، رأس الوعر وحميميم وكويرس وطياس والشعيرات، أسماء لمناطق وقرى كانت سوريةً قبل أن تتحول لقواعد عسكرية أمريكية ليس للسوريين فيها نصيب.

إننا لا نفشي سراً إذا تحدثنا عن قواعد عسكرية بريطانية في التنف، ولا عن قواعد عسكرية تركية في جرابلس واعزاز وأخترين، وإيرانية في الست زينب وجبل عزان ومطار دمشق الدولي، وأخرى تابعة لحزب الله في القصير والزبداني وسرغايا وجبال القلمون.

 

 

إننا لا نفشي سراً إذا تحدثنا عن وطنٍ مباح، حاله حال الدماء التي تراق به ليلاً ونهاراً تحت مرأى المجتمع الدولي الذي يصادق على عمليات القتل والتهجير ببيانات متلفزةٍ تستهدف قتل الشعور الانساني الذي أصبح هيكلاً لا يحملُ ولا يُحمل عليه. وبعيداً عن التلفزة والرأي العام يصادق المجتمع الدولي على هذه الدماء بصواريخه التي تتعاقب على رؤوس الناس مع براميل النظام المحشوة كرهاً وحقداً قبل أن تُحشى باروداً متفجراً يزهق الأرواح.

بين كلِّ هذه المسامير المزروعة في جسد الخارطة السورية، وأخرى تحاول القوى الدولية اقتلاعها بحجة وجود الارهاب في إدلب أو ما سواها، والمتمثل بهيئة تحرير الشام، التي تعتبر جبهة النصرة أهم مكوناتها، الأمر الذي تمت المصادقة عليه في أروقة مجلس الأمن ومن ثمَّ في الأستانة وجنيف وربما سوتشي في المستقبل القريب، يبقى المسمار الأوحد الذي لا تقربه يدُ المجتمع الدولي بل وتقطع كلَّ يدٍّ تمتد إليه هو الأكثر ثباتاً. إنه مسمار ما سُمِّيَ النظام المتمثل برأسه في الدرجة الأولى وأجهزته الأمنية من ورائه، والتي تطال المجتمع بمختلف وسائل الارهاب والترهيب قتلاً ونفياً وتهجيراً.

إلا أن الحديث عن ثبات المسمار لا يبعث به الحياة بل يدلِّل على موته، الأمر الذي يستهدف المجتمع الدولي إنكاره من خلال عملية تحنيطٍ تمت هندستها من خلال اجتماعات ثنائية وثلاثية ورباعية أو تزيد بين عناصره دوليةً كانت أو إقليمية، هذا التحنيط الذي حول ما يسمى رئيس دولةٍ إلى عريفٍ أو مجندٍ يراوح مكانه حال قدوم سيِّده ليحرق بلداً طالما توعد بإحراقه بعد أن ذبح أبناءه واستحيى نساءه، فكان فرعوناً ولكن بعد تحنيط، ليكون في جسده آيةً لكل ِّمن استعان على قريب بغريب، ولتكون سيرته آيةً للناس بأن السيادة والثورة لا مموِل لهما فإن كان، كانوا هباءً.

هكذا تتقلب السنوات على السوريين دون أحداثٍ تصلح أن تؤرشَف في خانة الذكريات التي لطَّخت صفحاتها الدماءُ ولا تزال.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.