مجتمع

فقدت النطقَ والسمع والذاكرة في حادثة .. غزّاويّة صارعت الواقع لتصنع “مستقبلاً حُلواً” ” بـ”عجينة سُكَّر”

 حنان محمد- غزة- مجلة ميم 

 

نحيفة كسيقان البراعم، بيضاء كنور القمر، تبتسم الزّهور الحمراء على شفتيها، وتُداعب نسمات الهواء خصلات شعرِها، فينسدل على كتفيها بهدوء كما لو أنها الدّمية “باربي”، تعجن الرمل والماء برفقة صديقاتِها، ثم تصنع بأناملِها بيوتاً وحجارةً وأشجاراً، فتبني أسواراً ومدينة.. إنها مدينة الحب و”الأمل” الذي لولاه لما صارت “آياتٍ” فاخرةً.

 

حصانٌ من بعيد يقترب، لم يكن هادئاً كحصان “باربي” الأبيض المسحور، بل هائجاً كرياحٍ غاضِبة، صاهِلاً بصوتٍ مخيف، أفلَت من صاحِبِه وانطلَق يركض بلا نظَر!

 

هدم مدينة الرّمل والأسوارَ والشّجر.. داس “آياتٍ” وخطى بعربتِه على جسدِها، فارتمَت مغشياً عليها.. كدميةٍ بلا روح.. أو فرع ٍ طريٍّ من شجرةِ توتٍ، وما زالت عجينة الرَمل في كفَها.

تجمهرَ الغزيّون في الشارع وعلت أصواتُهم وازداد الصّخب، فطرَق قلب أمها من داخل البيت، وإحساسٌ داخلُها يقول:” اركضي، إنها آيات، هناك مكروهٌ أصابَها”.

نفضَت يديها من ماء الغسيل وهرعت للشارع، ليكون أوَل ما يقع عليه بصرُها “آيات”، محمولةً بين يدي جارتِها والدم ينزف من فمِها وأنفها!

تمنّت لو أن تفيق من كابوس، أو أن تعود لعشر دقائق سابقات فترفض طلب “آيات” حين سألتها أن تخرج لتلعب بالرمل مع جاراتِها، أو أن يخبرها أحدٌ أنّ ما تراه أمامها مجرّد خيال! صرخت.. فاخترق صوتُها الفضاءَ الواسع، لتتأكَد بعدها أنها بين أنياب الواقع.

 

آيات شيف

 

ما زالت حيّة!

لم تمُت الصغيرة، كما ظنّ كلّ من رآها، بل فقدت الذاكرة، والنطق، والسّمَع، إلا أنّ خطواتِ الحصان ظلت تطرق ذاكِرتها، وصوت صهيلِه يدوي بأذنيها، فيعيدها لتلك المدينة الرملية المهدومة.

كوليدةٍ ترى النور لأول مرة، استيقظَت في المشفى، تنظر حولَها ولا تشعر بشيء غير تلك العتمة التي وشّحت ملامح والديها، يا لهم من حَزَانَى “تُرى ما الذي حلّ بأولئك الناس فباتوا كالبؤساء؟!”.. تتساءل وهي لا تدري أنَّ حُبَّها هو السبب.. مرّت أيامٌ ثلاثة قبل أن تعود لها الذّاكِرة، فتحتضن والدتَها كعائدةٍ من بلاد الغُربة وتنام في حضنِها ليلة طويلة.

الشابة آيات مطير -34 عاماً- صبيّةٌ بقوّة “ثَورة”، ناضجةٌ كمخزنِ “ثَروة”، لم تترك الواقع يغلبُها، فصارعتْه حتى جعلت منه “عبرة”، والفضل يرجع لوالديها اللذان لم يقبلا أن يكون القدرُ أحد أسباب ضعفِها رغم كثرة العقبات.

في بيتِها الأنيق، استقبلتنا وكانت قد أعدّت قطع البسكويت بالشكولاتة اللذيذة، كواحدة من بين عدد كبير من أنواع الحلوى التي تتقنها وتتفنّن في صنعِها، إلى جانب فنجان قهوةٍ كانت مُرّة المذاق، حلوةُ التأثير في ذلك الصباح، وهناك سردت حكايتها “لميم” والابتسامة لم تكن تغادر شفتيها، فقد منحَها الله “ثقةً وعزّةَ” انعكست على شخصيتها وهِيئتها “أناقة ورقياً”.

 

تقول: “دخلت مرحلة طويلةً من العلاج، انتهت بتركيب “سماعة” الأذن”، لم أكن أسمع جيداً، أما النطق فكان ثقيلاً للغاية وغير سليم ما سبب لي إحراجاً وأذىً نفسياً لم أستطِع تحمّله”.

أيام الدراسة

درسَتْ آيات في مدرسةٍ عادية، ككل البنات من جيلِها، وأمضت فيها أربع سنواتٍ قبل أن تقرّر أنها لن تعود لها أبداً، فالطالبات

من حولِها يسخرنَ من لفظِها تارةً ويستغربنَ أخرى، ويضحكن ثالثةً ويسألنها في أحيان كثيرة:” لماذا لا تتحدثين مثلنا؟” أما الأصعب على الإطلاق فكان غضب بعض المُعلمات منها وضربها مِراراً وتكراراً.

لم تحتمل، كانت تعود للبيتِ هزيلةٍ باكيةً، فتقوم والدتُها بدورِها الحنون في تهدئتها وتطبيبِ ألمِ نفسِها، وتعِدُها بأنها ذات يومٍ ستكبر وتتفوّق على كل أقرانِها.

تتابع آيات:” لم ألتفت لكلماتِ أمّي، فكلّ همّي كان آنذاك التّخلص من تلك المدرسة اللعينة التي لا مكان فيها للفنّ ولا الحلم”، إنَّ عجينةً بالماء والرّمل بجوار البيت كانت تشكّل فيها آياتُ حياة البساتين والزهور أروع ألف مرةٍ من دفترٍ وقلمٍ ومسطرة تارةً تكون للتسطير وأخرى للتهديد.

 

مرحلة فارقة

عامان كاملان أمضتهما بين جدران البيت، كانت فيهما هي كل تفكير والديها، إلى أن اهتديا لجمعية أطفالنا للصمِّ، في عمرها الحادي عشر لتكون تلك المرحلةُ فارقةً في حياتِها حتى اليوم.. “في البداية كنت أرفض الذهاب، لم أكن أريد التعلّم ولا مشاركة أحدٍ، فالخوف يتملكني وذكريات المدرسة القديمة تلاحقني، إلى أن شعرت باختلافٍ كبير، الكل من حولي مثلي، إنهم لا يتحدثون، بل يشيرون، لا أحد يسخر من أحد أو ينظر إليه باستغراب، وكانت المديرة تجبرني على التعلم وتقول لي: “لا أريدك أن تنطقي أو تسمعي، المهم أن تفهمي الأشياء وتتعلمي”.. تروي لـ “ميم” بابتسامة، وتضيف: “بدأت بتعلّم لغة الإشارة فكانت أسهل مما توقّعت، وكأن روحي تعود لي من جديد، باتت الأشياء أمامي سهلة مرنة جميلة”.

وتتابع:” أمسكت الورقة والقلم وتعرّفت على الألوان، فتلوّنت الحياة أمامي بألوان قوس قزح، صرت أعود للبيت والفرح يتملكني، تعلمت كل ما يتعلمه الأطفال في المدرسة دون سخريةٍ أو تهكّم، لقد وجدتُ نفسي بعد أن كانت تائهة”.

تميّزت آيات بنباهتِها وسرعة تعلّمها، فتمّ اختيارها لتكون مساعدة معلّمة، تروي والدتها أم أشرف مطير: “كانت صغيرةً في عمر الثالثة عشر، حين عرضوا عليّ ذلك، فاستغربت الأمر لأنها ما تزال طفلة”، تضحك وتقول: “حتى أنهم طلبوا مني أن أغيّر من نظام ملابسها فأساعدها في ارتداء ملابس تجعلها تبدو أكبر سناً”.

 

رسم وحرق على الخشب

تقول أم أشرف: “رغم تعجبي من الأمر إلا أنني كنت سعيدة لأجلها، فنبوءتي بأنها ستتميز عن أقرانها بدأت تظهر”، ومنذ ذلك اليوم انطلقت آيات في القيام بدورها مساعدةً لمعلمة رغم صغر سنّها، لا تُفوّت إشارةً أو معلومةً، كانت ترى كل جديدٍ أمامها كنزاً فتخزنه في عقلها.

 

 

انتهت مرحلة الألم تماماً، وبدأت الثقة تنغرس في آيات وبها تتشكّل شخصيتُها، وراحت تكشف عن تميّزها في فنّ الرّسم، إلى جانب الحرق على الخشب، فذلك الحصان الذي خطف منها النطق والسمع لم يسرق منها الموهبةَ والقدرة على تنمية ذاتها وتطوير قدراتها المخزونة،  فلوحات عديدة رسمتها آيات وتفنّنت في خطوطها، وشاركت بها في معارض كثيرة، من بينها لوحة علّقتها على جدار بيتها، رسمت فيها الحياة البدائية للإنسان ، تعبّر: “تلك اللوحة تشعرني بالسعادة كلما نظرتُ إليها لذلك وضعتها في صدر البيت”.

 

 

وعلى الجدار الآخر علّقت آيات صورة والدِها المتوفَّى في بروازٍ قامت بصناعتِه بيديها لترسل له عبرها رسائل الامتنان لشدة ما كان حنوناً عليها، ولتقول له كل صباح: “صباح الخير يا أبتِ، فأنت من كان لي خير عونٍ وقت المِحَن”.

 

برواز من صنع يديها بصورة والدها

 

معلّمة صُمّ

كبرت آيات وتألّقت، لتحظى بدور معلّمة للأطفال الصُمّ بعد أن كانت مساعدة معلمة، احتضنتهم بحنانِها، وعطفِها ومحبتِها، فهي تعلم ما قد يمرّ به الأطفال الصمّ في مجتمعٍ لا يعطي الأولوية لفئتهم، تقول: “كلما جاء طفلٌ جديد أتذكر نفسي وحالتي حين جئت للمدرسة وكيف كانت مشاعري آنذاك، لذلك أحاول تبسيط الأمر لهم وتشجيعهم على المواصلة واحتواءهم”.

التقت “ميم” بماندي سرحان مسؤولة شؤون الموظفين في جمعية أطفالنا للصم، والتي كانت وسيطاً في توصيل معلومة آيات لنا إذا ما صعب عليها الأمرُ شيئاً كونها تتقن لغة الصم واللغة العادية فيما يصعب على آيات المواصلة في النطق، فأخبرتنا أن الجمعية تقدم خدمات تعليمية ومهنية للصم منذ عام 1992، حيث توجد بها مدرسة متخصصة لتعليم الصم وبرامج مهنية متعددة مثل النجارة والحياكة والتطريز وصناعة الفخار والخزف والمشاريع المُدرَّة للدخل للصم.

 

ماندي سرداح مسؤولة شؤون الموظفين

 

حلوى بلمسات فنية

بالعودة لآيات، فمن بعد التدريس التحقت بدورات تعلم “فن صناعة الحلويات”، كانت مترجمةً للفريق المشارِك في الجمعية، فتشرّبت “الصنعة”، وباتت بعينها الناقدة وأناملها الفنانة صانعةً مميزةً للحلوى، ومدربةً أيضاً للطلبة الصمّ على صناعة الحلوى، بل تنافس أكثر صناع الحلوى تميزا، حتى لم تعد قادرة على الردّ على طلبات الزبائن عبر صفحتها الخاصة على فيس بوك التي أسمتها “سويتس لاند” sweets land

 

آيات تعلم الفتيات الصم صناعة الحلوى

 

تعلق آيات: “لا أقتنع بصناعة الحلوى التقليدية، فلا بد من نقطة مميزة أسعى للتفرد فيها في كل صنف حلوى”، لقد ساعدتها قدرتها على الرسم أن تتميز في صناعة الحلوى ووضع لمساتها الفنية عليها.

 

 

العنيدة المبهرة

تهتم ابنة أختها عودة مطير بالتسويق واستقبال الطلبات والردود على الزوّار، فهي أقدر على التواصل معهم من آيات التي تشعر بارتياح أكثر في استخدام لغة الإشارة.

تقول عودة:” آيات هي خالتي الصغيرة، لكنها أيضاً صديقتي الصدوقة، إنني لا أستمتع بتذوق أي قطعة حلوى من يدي أحدٍ غيرها، إنها مبهرة وعنيدة”.

تضحك وتوضح: “أقترح عليها إضافة شيء ما للكيك أو الحلوى لكنها ترفض ولا تفعل إلا بما يمليه عليها قلبُها وأناملُها، وفي أحيان أخرى نجدها تضيف أشياء نظن أنه يستحيل أن تنجح لو أضافتها، لكنها تفاجئنا بطعمٍ خيالي”.

 

عودة مطير

أجواء وديّة

أما ابنة عمها وزوجة أخيها أماني مطير، فلا توفر جهداً في مساعدة آيات، لكنها لا تجرؤ على المساس بالنقاط الجوهرية في صنعها للكيك والحلوى، تعبر مبتسمة: “أحاول التخفيف عنها ومساعدتها بالأشياء غير الدقيقة مثل جلي الأطباق وتحريك الأشياء التي تطلبها مني وتسخين الماء مثلاً أو التجهيز لصنع عجينة السكر”.

وتقول:” كثيراً ما نسهر سويةً نتناول الحلوى ونشرب القهوة ونقضي أوقاتاً جميلة مع العائلة بعد قضاء يومٍ مرهق في العمل”.

تزوّجت آيات وأنجبت توأمين هما محمد وعبد الكريم، لكن القدر لم يمنحها فرصة البقاء مع زوجِها،  الذي انتقل للعيش خارج غزّة بعد وقوع الطلاق، تاركاً لها طفلين رائعين حنونين. تقول آيات: “هما كل ما أملك في الحياة، إنهما سر سعادتي والطاقة التي تتفجّر داخلي، سأربيهما أفضل تربية برفقة والدتي الحنون”.

 

أماني مطير

 

 

تبتسم والدتها أم أشرف وتقول:” هؤلاء أحبّ الحبايب لقلبي في الأحفاد، أحتضنهما وأقصّ لهما الحكايات، فهما لا ينامان إلا في غرفتي”.

الجدة أم أشرف مع حفيديها

 

محمد وعبد الكريم فهما حكاية أمهما، فباتا يفتخران بها، واليوم يحاولان تعلّم لغة الإشارة منها، وكل الفنون الأخرى التي تتقنها، وأكثر ما يحبان تلك الأجواء التي تزورهم فيها صديقات والدتِها ويبدأْن بالحديث بحركات اليدين والشفاه، يقول محمد: “أحاول فهم كل حركة، وكثيراً ما أسأل أمي عن بعض الحركات فتجيبني عن معناها بلفظها الجميل”.

 

سويتس لاند إهداء من ابن أخيها الصغير

 

تقضي آيات يومها كاملاً في العمل، صباحاً مُدرسةً في الجمعية، وبعد الظهر “شيف حلويات” في أحد المطاعم الفاخرة في غزة، ومساءً صانعةً للحلويات في بيتِها لتلبية طلبات الزبائن.

فالتميز لا يكون بدون تحدٍ وعملٍ وكدّ، تلك الصفات التي كانت وما زالت زادَ ومتعة حياة “آيات”، التي لولاها لما كانت اليوم واحدة من أصحاب التميز الذين تلتقيهم “ميم”. 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.