سياسة

رضا السعيدي المستشار برئاسة الحكومة التونسية: لن يتحقق الإقلاع الاقتصادي دون العمل وعودة الإنتاج

السعيدي لـ"ميم": هناك تمشّ متوسط المدى يقوم على التقليص من حجم التداين

شدّد رضا السعيدي، المستشار لدى رئيس الحكومة التونسية المكلف بالمشاريع الكبرى، على أنّ اللجوء إلى التداين الخارجي لم يكن اختيارا، بل هو اضطرار دفع إليه واقع تعطل الإنتاج في عديد القطاعات، بعد الثورة، وتنامي المطلبية الاجتماعية وارتفاع كتلة الأجور في القطاع العمومي وتنامى حجم دعم المحروقات.

وأشار السعيدي في حوار مع مجلة “ميم”، إلى أنّ الحكومة سجلت بعض المؤشرات الإيجابية للاقتصاد التونسي سنة 2017، وذلك بعودة النشاط في القطاع المنجمي وانتعاش القطاعين السياحي والفلاحي. وكانت هذه النتائج مدخلا أساسيا اعتمدته الحكومة لبناء برنامجها الاقتصادي لسنة 2018.

وعُيّن السعيدي منذ 2 جانفي/كانون الثاني 2017 في خطة مستشار مكلف بالمشاريع الكبرى لدى رئيس الحكومة، كما شغل في الفترة بين 2011 و2014 منصب وزير معتمد لدى رئيس الحكومة مكلف بالشؤون الاقتصادية.

 

ما هو تقييمكم للوضع الاقتصادي التونسي لسنة 2017؟

تدل كل المؤشرات والأرقام  على تحسن الوضع الاقتصادي خلال سنة 2017، مقارنة بالسنوات الأخيرة التي بلغت فيها نسبة النمو الاقتصادي 0.8 بالمائة، خلال سنة 2015 وقرابة 1 بالمائة سنة 2016.

وقد ظهرت بعض المؤشرات الإيجابية للاقتصاد التونسي، سنة 2017، وذلك بعودة النشاط في القطاع المنجمي وانتعاش القطاع السياحي الذي سجل ارتفاعا وصل 16 بالمائة مقارنة بسنة 2016، بعد أن توافد على البلاد التونسية حوالي 6 ملايين و750 ألف زائر خلال سنة 2017، لتتحسن بذلك نسب المداخيل من القطاع السياحي، حيث بلغت عائدات القطاع حوالي  2700 مليون دينار تونسي.  

كما شهدت سنة 2017 انتعاشة في القطاع الفلاحي، حيث سجل الاستثمار في هذا القطاع نموا قدر بـ76.5 بالمائة، وإرتفعت نسب الإنتاج في بعض المواد الفلاحية على غرار التمور والقوارص وزيت الزيتون، حيث ستصدّر البلاد التونسية قرابة 200 ألف طن من زيت الزيتون، وهو ما يساعد على تحسن الميزان التجاري.

وتعتبر هذه المؤشرات الإيجابية للاقتصاد خلال سنة 2017، مدخلا أساسيا ستعتمده الحكومة لبناء برنامجها الاقتصادي لسنة 2018 والذي سيرتكز على محركين اثنين: وهما محرك الاستثمار ومحرك التصدير. ويبرز ذلك من خلال الإجراءات التي تم اتخاذها في قانون المالية لسنة 2018 والتي تشجع على الصادرات ودعم صندوق دعم الصادرات.

إلى أيّ مدى ساهمت  الاستثمارات الخارجية في تحقيق النموّ اقتصادي؟

سجلت البلاد التونسية سنة 2017 نموا في الاستثمارات الخارجية بلغت نسبته 12 بالمائة، والذي يمثل مؤشرا إيجابيا مهما، حيث وفر قرابة 1800 مليون دينار من الاستثمارات الخارجية، مما ساهم في خلق مواطن شغل والترفيع في احتياطي العملة الصعبة.

وماذا عن الاستثمارات العمومية والخاصة؟

سيركز برنامج الحكومة سنة 2018 على الاستثمار العمومي وعلى الشراكة بين القطاع الخاص والعام وذلك من خلال إنجاز ثلاثة مشاريع كبرى تقدر تكلفتها المالية بحوالي 520 مليون دينار سيتم إنجازها في إطار الشراكة بين القطاعين.

أما فيما يخص قطاع الطاقات المتجددة، فقد انطلق طلب العروض بين وزارة الطاقة والشركة التونسية للكهرباء والغاز لـ1000 ميجاوات في قطاع الطاقات المتجددة وحوله 69 عرضا، أغلبها من الشركات الأجنبية، ليتواصل نفس الرقم (1000 ميجاوات) لسنة 2018، وسيتم تركيز هذه المشاريع في المناطق الداخلية.

ومن جانب آخر، هناك اهتمام بالمشاريع العمومية داخل الجهات، وذلك في عدة قطاعات كالبنية الأساسية والقطاع الفلاحي والمستشفيات، حيث سيتم إنجاز 12 مستشفى عموميا جديدا ومستشفيات متعددة الاختصاص داخل عدة ولايات كالقيروان وباجة وصفاقس.

وهناك مشاريع في قطاع تحلية مياه البحر، باعتبار أن تونس تعد من بين الدول التي تعاني من فقر مائي، في حدود 460 مترا مكعبا مخزونا لكل فرد في السنة، في حين أنّ معدل الاستهلاك الفردي العالمي هو 1000 متر مكعب، ومعدل الاستهلاك في خط الفقر 500 متر مكعب، بما يعني أن تونس تحت خط الفقر بقليل.

ولذلك سيتم تعويض المناطق التي عانت من الجفاف في السنوات الأخيرة بتحلية مياه البحر، حيث تم إحداث محطات تحلية المياه مثل محطة مدينة جربة التي ستنطلق فعليا في بداية سنة 2018، ومحطة أخرى قدرت تكلفتها قرابة ألف مليار ومشروع آخر في سوسة وقابس.

هل سترى جل هذه المشاريع النور خلال سنة 2018 أم أن هناك عوائق تحول دون تنفيذ المشاريع التنموية في تونس؟

هناك عدة عوائق، وخاصة العقارية، حالت دون تنفيذ مشاريع تنموية كبرى، فعلى سبيل المثال نجد مشاريع الطرقات السيارة التي تمر بأراضي ملك خاص، وهي معطلة بسبب إشكاليات في الانتزاع والمفاوضات حول قيمة الأرض المنتزعة، كالطريق السيارة بولاية قابس، التي تعطل تقدم إنجازها، ونفس الشيء بالنسبة إلى الطريق السيارة بولاية باجة.

هذا بالإضافة إلى بعض المشاريع التنموية داخل الجهات التي تواجه إشكاليات عقارية وإشكاليات متعلقة بمؤسسات التنفيذ من ناحية المقاولات والتزود، وفي ظل هذه الصعوبات تم تركيز لجنة وطنية على مستوى رئاسة الحكومة تضم جميع الوزرات، وتختص هذه اللجنة في فض إشكاليات المشاريع المعطلة التي انطلقت في نهاية سنة 2016 وبداية 2017.

كما تم إحداث منظومة “إنجاز” في ماي 2017، وهي المنظومة الوطنية لمتابعة وتقييم المشاريع والبرامج العمومية، وهي أول منظومة معلوماتية كان قد أطلقها المركز الوطني للإعلامية بالتعاون مع رئاسة الحكومة. وتقوم بمتابعة المشاريع الخاصة والصعوبات المرتبطة بالتمويل وبالتراخيص وبالحصول على إجازات والبطء في معالجة الملفات وغيرها من المشاكل.

ماهي رهانات الحكومة التونسية في ظل انهيار الدينار التونسي وفي ظل الديون المتخلدة بذمتها؟

بالنسبة إلى الديون، فهي لم تكن اختيارا، بل هي اضطرار، فبعد الثورة تعطل الإنتاج في عديد القطاعات وتنامت المطلبية الاجتماعية وكتلة الأجور في القطاع العمومي، وتنامى حجم دعم المحروقات وهو ما أدى إلى إرتفاع حجم النفقات مقابل تقلص الموارد وتراجع النمو الاقتصادي، وجميع هذه العوامل أجبرت الدولة على الاستدانة حتى تُحقق توازناتها المالية.

وتتم الاستدانة وفق خيارات، إما بالخروج للسوق المالية باسعار مشطة أو الاستعانة بالشركاء الماليين مثل النقد الدولي والبنك العالمي، لاقتراض ديون بنسب ضعيفة وطرق مُيسرة، تلتزم من خلالها البلاد التونسية بجملة من الإصلاحات، كالإصلاح المالي والجبائي وإصلاح منظومة المؤسسات العمومية وعديد الإصلاحات الأخرى التي ستجعل الدولة قادرة على مواجهة استحقاقاتها المالية وتحقق أهدافها، دون أن تكون هناك اختلالات في توازناتها.

وأمام هذا التحدي هناك تمشّ متوسط المدى يقوم على التقليص من حجم التداين، والتقليص من حجم عجز الميزانية الذي قدر بـ6.1 بالمائة سنة 2017، ليبلغ 4.9 بالمائة سنة 2018 وليصل في حدود 3 بالمائة سنة 2020، ونفس التمشي بالنسبة إلى المديونية التي ستبقى مرتفعة في السنوات المقبلة، لكن سيتم التحكم فيها بنسبة أقل من 70 بالمائة من الناتج الداخلي الخام، وهو ما قد يرفع نسب النمو المرتقبة إلى حدود 5 بالمائة.

ولن يتحقق كل ذلك إلا بالعمل وعودة الإنتاج ونمو القطاعات الاقتصادية، حتى تنجح تونس في تحقيق التوازنات المالية العمومية وتحقيق نمو اقتصادي أعلى بحلول سنة 2020، إلى جانب تنويع مصادر التمويل باعتماد تقنية الصكوك الإسلامية التي سيتم إدراجها ضمن آليات تمويل ميزانية الدولة، بالإضافة إلى تقنية الشراكة بين القطاعين الخاص والعام التي ستخفف العبء على الدولة.

 

الوسوم

Thoraya Kassmi

عضو فريق مجلة ميم التحريري تختص في القضايا الإجتماعية والإقتصادية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.