ثقافة

النهــــــد في المخيلة العربية بين شهوة الذكر ومعوله

ثقافة

 

 

لطالما اعتبر نهد المرأة من رموز جمالها وعلامة نضجها وبلوغها، كتب حوله الشعراء وتغنى به المغنون وأبدع في رسمه الرسامون، لقد كان النهد هاجسهم وعشقهم، فُطِموا عن حليبه ولم يُفطموا عن حبّه والولع به، إنّه أهمّ هواماتهم الجنسية.

لماذا يحبّ الرجل نهدي المرأة.. ونحن نلاحظ كيف تثب عيناه إلى منطقة الصدر بحثا عن أيّ علامة تبرز حجمهما وشكلهما، في هذا الصدد نستحضر مقطعا من فيلم “عصفور سطح” للمخرج فريد بوغدير عندما نقل الطفل المتلصص سيرة نهود صبايا الحيّ للشباب المتلهف، إجاص وبطيخ وتفاح، لقد تعرّقت وجوه الشباب وارتبكت أوصالهم وهم يتخيلون نهود فتيات حيّهم، لماذا يثير فيهم كلّ هذا الخوف والطمع والنشوة والدهشة؟

 

 

 

حول السؤال الأخير أجاب المؤلفان لاري يونغ وبراين أليكساندر في كتابهما “الكيمياء بيننا – الحبّ والجنس وعلم الانجذاب” عن ولع الرجال بأثداء النساء، وأكدّا أنّ هذا  الانجذاب في الحقيقة هو طبيعة واهتمام بيولوجي مترسخ في عقولهم منذ الطفولة، في عملية الرضاعة تمّ إفراز هرمون “الأوكسيتوسين” الذي يقوي العلاقة بين الأمّ وطفلها وفيما بعد العلاقة ما بين العشاق، إذا فالوله بالنهد شيء طبيعي ومترسخ في وجدان كل الرجال مهما اختلفت جنسياتهم ومراتبهم، فهل أنّ الرجل العربي يحبّ النهود أم أنّ طبعه الجاف يعجزه عن التعبير؟

 

كغيرها من الحضارات الإنسانية، احتفت الثقافة العربية بثدي المرأة واعتبرته من سمات الجمال، لاسيّما إن برز وارتفع في إشارة واضحة إلى خصوبة المرأة وأنوثتها.

 

كما أطلق على الثدي أسماء أخرى في سياق المجاز. في هذا السياق نقل كتاب “ألفاظ الحضارة عند أبي حيّان التوحيدي” لصاحبه حسن إسماعيل، أن ّ النهد عرف بـ”الرمانة” (معنى الرمان الذي هو في الأصل شجر مثمر له ثمرة مستديرة تدعى رمانة فانتقل اللفظ إلى ثدي المرأة لاستدارته).

 

 

كما رتبّ العرب مراحل نموه ما بين كاعب وناهد ومعصر وخود، وشاع لفظ الرمان والعاج تشبيها لثدي المرأة، وشبه أيضا بحق العاج في إشارة إلى بياضه وبالمرمر لنعومته.

 

كما لم تغفل المدونة الشعرية العربية عن التغزل بجمال المرأة، وكان النهد من بين أهمّ العلامات المميزة والمحددة لجمال النساء، وكان الشعر الجاهلي رائدا في التغزل بنهدي المرأة، إذ يقول في هذا السياق الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم في معلقته التي كان يحفظها صغار وكبار بني تغلب، القبيلة التي ينتمي لها عمرو بن كلثوم.

 

تُريـكَ إذا دخلْـتَ على خــلاءٍ

وقد أمِنَتْ عيونَ الكاشِحينـا

ذراعي عَيْطلٍ أدمــــــــاءَ بكرٍ

هَجانِ اللون لم تقرأ جنينـــا

وثديًا مثل حُق العـاج رخصـًا

حصانًا من أكفِّ اللامسينـــا

وَإِنَّ غَـداً وإِنَّ الْيَــوْمَ رَهْــــنٌ

وَبَـعْـدَ غَـدٍ بِمـا لا تَعْلَـمِـيـنــا

 

نشير إلى أنّ حضور النهد لم ينته بعد دخول الإسلام، فقد انتشرت قصائد الشعراء التي عبرت عن فتنتهم به.

 

 

 النهد في الشعر الحديث

كان نزار قباني أشهر من كتب عن جسد المرأة، فقد أطلق على ديوانه الثاني “طفولة نهد” الصادر في 1948، وتوالت فيما بعد قصائده عن النهد والاحتفاء به  “نهداك”، “مصلوبة النهدين” و”رافعة النهد”، لقد حضر النهد في مجمل قصائده، ربما يمكننا أن نقرأ من خلال حضور النهد في أغلب قصائده رمزية الطفل الأوديبي، فهو ينقل من خلال شغفه بالنهد حنينه إلى طفولته.

وتقول في سكـر، معربـدة، بأرشــق مبـســم

يا شاعري لم ألق في العشرين من لم يفطم

لم يكن حضور النهد في شعر نزار شبقيا وجنسيا فقط، بل كان عاطفيا، وكأن الشاعر يستجدي طفولته التي فقدها منذ وفاة والدته ويبحث عنها في كلّ النساء اللاتي صادفهن، يذكر أنّ نزار القباني فطم في سنّ متأخرة بعد بلوغه السنة السابعة.

تعدد النهد في قصائد قباني كالنساء الكثيرات اللواتي كتب عنهن ولهن، إذ لم يكن نهدا واحدا معبرا عن صنم واحد. لقد علمنا نزار بحديثه عن النهد أنه يلج بنا إلى عوالم المرأة الحميمية المغلقة في وجوه الرجال والنساء على حدّ السواء خوفا من عقاب القبيلة.

 

 

النهد في المخيلة العربية .. شهوة سريّة وعداء علنيّ 

قبل أكثر من سنة، تداولت وكالات الأنباء العالمية خبر تغطية التماثيل العارية الموجودة بمتحف كابيتوين أثناء زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني للعاصمة روما، وهو ما فسرّه البعض بالتنازل عن الهوية الثقافية لإيطاليا لصالح إيران، وفسره آخرون بعداء المسلمين للتماثيل خصوصا العارية، واستشهد بعضهم بحوادث تحطيم مقاتلي تنظيم داعش الإرهابي لبعض التماثيل بسوريا والعراق.

وفي الأيّام الفارطة يعود الجدل حول عداء المسلمين للتماثيل العارية بعد حادثة الفوّارة بسطيف الجزائرية، وذلك بعد أن أقدم مواطن جزائري على تحطيم نهدي تمثال الفوّارة وسط صمت الجميع وعجزهم عن إيقافه، إلى أن وصلت قوات الأمن إلى المكان وقامت باعتقاله.

 

حادث يعيدنا إلى السؤال المركزي، أو حول الجنسانية المقموعة في مجتمعاتنا، لماذا يخاف البعض رؤية النهد عاريا حتى ولو كان حجريا فيما يعشق رؤيته سرّا بل ويصل إلى درجة الهوس به؟ هل بلغت المحافظة في مجتمعاتنا إلى درجة أن ينزعج الذكر من رؤية نهد من حجر أو رخام لينهال عليه بضربات فأس حديدية؟!  ترى هل استطاع في لحظة الهدم تلك أن يهدم أيضا شهوته السريّة؟

لقد استعرضنا من خلال ما سبق حضور النهد في الأدب العربي القديم والحديث، وهو ما يظهر تسامح الحضارة العربية تجاه أحد رموز جمال المرأة “النهد” والتغزل به وبفتنته وتسامح العرب سابقا مع الشعر الإباحي إن صحّ التعبير، لماذا انقلب العربي اليوم وأصبح متكلسا ومزدوجا على عكس أسلافه؟

 

 

احتفى الأسلاف بشهواتهم، بل وأعلنها الشعراء علنا وتناقلتها الأفواه، إذ لم يشكل الشعر الإباحي خطرا كبيرا على مسامع الناس آنذاك، بل عقدت مجالس خاصة به تبارز فيها الشعراء لقول أفضل ما عندهم.

 

ربّما التسامح الذي أبرزه أسلافنا تجاه الشعر الإباحي يعكس قوّة الحضارة الإسلامية على عكس تشتتها اليوم وانهيارها، إذ يمكننا أن نبرر الخوف من التماثيل العارية وعداء النهود الرخامية، فهو خوف يعكس مدى ضعف وهشاشة العربي اليوم.

إنّ حادثة هدم تمثال الفوّارة يحيلنا على مدى الفصام الذي تعيشه مجتمعاتنا اليوم، فهي مجتمعات تنمو في الظلمة وتتكلس في النور، تقرأ وتشاهد سرّا ما يعتبره المجتمع حراما ومنكرا، مجتمعات تتبارز في بناء صرح أكبر لذهنية التحريم لعلها تحمي نفسها من الإستعمار الخارجي المباشر وغير المباشر.

يجب أن نفهم أن هذا العداء الذي تمثل في الهدم والرفض هو نوع من أنواع الدفاعات الفردية والجماعية لمجتمعات تعيش تشتتا وتقهقرا، إذ يحاول الذكر الخروج عن سيطرة الفتنة الأنثوية بينما يركز المجتمع على بناء صورة فحولية للفرد ليستعيد من خلالها أمجاده السابقة.

رغم العداء المقنع برفض الشهوات الفردية وقمعها، إلا أنّ الرجل مازال أسير النهد لا كهوام جنسي فقط بل أيضا كعودة إلى الطفولة الضائعة وهربا من الفشل الجماعي وإفلات من المسؤوليات الجسام المحاطة به، إنّه في لحظة العناق الأولى يستعيد طفولته وصفاءه، فعندما يحط الرجل رأسه على صدر المرأة، فهو بمجرد أن يستشعر نهديها سيحس بالراحة وكأنّه محارب قديم أو ملّاح حطت مراكبه في ميناء هادئ بعيدا عن كل المخاطر، من أجل كلّ هذا يحظى النهد بكلّ هذه المشاعر المختلطة بين المحبة والخوف واللهفة والرعشة التي يمكن أن يتحول أثناءها الفرد إلى نقيض حقيقته الظاهرة.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.