ثقافة

كوخ العم توم الذي حرر العبيد

بقلم: وفاء هلال

 

 انطلقوا إلى الحرية؛ ولكن تذكّروا أنّكم مدينون لذلك الرجل الطيب العم توم، وردّوا ذلك الجميل لزوجته، وأبنائه، وفكروا بحريتكم كلّما رأيتم كوخ العم توم، واجعلوه نصباً تذكارياً؛ لكي تسيروا على خطاه وكونوا مؤمنين؛ وأوفياء كما كان”.

بهذه الكلمات اطلق السيد “جورج” كل عبيده أحرارا بعدما لحق بالعم توم ليجده في النفس الأخير ويفشل في شرائه وتحريره.

 

من هو العم توم ؟

العم توم عبد أسود يعيش في كوخ صغير مع زوجته واطفاله بأرض السيد شِلبي، يحسن السيد شلبي معاملة توم وبقية عبيده ويهيئ لهم حياة آدمية حسنة، إلا  أن الديون تلاحقه ويجد نفسه مدينا لـ”هايلي” النخاس بالكثير، فيلجأ لبيع “توم” و”هاري” ابن “الايزا” له، إلا ان الايزا تهرب بابنها وتحاول جاهدة الوصول لزوجها في كندا حيث حرية العبيد، بينما يرفض توم الهرب وفاء لسيده، ليظل في بيت شِلبي حتى موعد بيعه، وينتقل مع النخاس إلى مركب تقلهم، ليلتقي توم بالفتاة إيفانجيلين التي تشفق عليه وتطلب من والدها شراءه، لينتقل لبيتها ويعمل في كنف والدها، لكن وفاة الفتاة تعصف بحياة العم توم ليبدأ بها فصلا جديدا من المعاناة والاذلال.

يتقصى جورج ابن السيد شِلبي آثار العم توم من أجل إعادته، لينجح في الوصول إليه، إلا أن العم توم يكون في النزع الأخير من كثرة التعذيب لتنتهي حياته عبدا، ويحرر كل العبيد.

 

الايزا تحاول  الهرب

 

هيريت بيتشر 

كوخ العم توم هي رواية من الأدب الأمريكي للكاتبة الامريكية هيريت ستو، المولودة في 1811 بولاية كونيتيكت، هي الابنة السابعة في أسرة بها 9 أطفال لأب يعمل بالتبشير الديني، في سن الرابعة ماتت والدة هيريت وتزوج الوالد امرأة أخرى انجبت له 4 أولاد، حين كبر الأولاد توجه الذكور منهم للعمل الكنسي والتبشير بينما الإناث توجهن للكتابة ومارسن التعليم.

تلقت هيريت تعليما قيما ومتوسعا دينيا وعلميا وتاريخيا، وبرزت في العمل النسائي.

 

هيريت بيتشر

 

 

في العام 1863، تزوجت من كالفن ستو، وهو من أهم المعنيين بالشؤون الدينية والمناهضين لقضية الاسترقاق ومؤيد لتحرير العبيد، رُزق الزوجان بسبعة أبناء مات أحدهم بوباء الكوليرا قبل تجاوزه العام الأول  مما كان له أثر شديد على هيريت.

يبدو أن بعض الصعاب التي مرت بها في طفولتها وفقدانها لأحد أطفالها كان له الأثر الكبير على حياتها مما ظهر بشدة في تمثيلها للطفولة بشكل بائس حزين بين دفتي الرواية.

في العام 1843، شرعت هيريت في كتابة الرواية التي كانت تنشر كأجزاء بداية من العام 1851 في إحدى الجرائد التي تعادي استرقاق البشر ولاقت اقبالا من القراء، إلا ان القصة ظلت مقتصرة على جمهور الجريدة فقط.
عام 1852، نُشرت الرواية كاملة في كتاب وحققت نجاحا غير معتاد، بيع في اليوم الأول منها حوالي 3000 نسخة، و بإجمالي 300.000 نسخة في العام الأول، بمنطق هذا العصر تعتبر تلك الاعداد هائلة، ولاستيعابها يمكننا ضربها في 10 لتصبح الأرقام بمعدلاتنا الآن.
لم تنتشر الرواية في القارة الامريكية فقط، بل شملت بلدانا عدة مجاورة وانتشرت في أوروبا وأصبح اسم هيريت يتردد كثيرا في اللقاءات والمحافل الوطنية والثقافية، وأصبحت دعوتها في المناسبات الوطنية امرا اعتياديا. التقت على إثر روايتها بالعديد من الشخصيات العامة والهامة كالملكة فيكتوريا، والرئيس ابراهام لينكولن الذي صرح بعبارة لا تخلو من الدعابة والصدق بأن “هذه هي المرأة الصغيرة التي اشعلت الحرب الكبيرة”

 

تمثال يجسد بيتشر والرئيس لينكولن

 

الظروف التي نُشرت فيها الرواية 

قبل نشر الرواية بأعوام قليلة صدر قانون العبيد الفارين، وهو قانون يسمح للاسياد (البيض) باستعادة عبيدهم وإعادتهم لسلطتهم بشكل قانوني.

الولايات الجنوبية كانت تتمتع بنسب عبيد عالية، وبعض الاسياد كانوا يعاملون العبيد”السود” كمخلوقات ادنى بدرجات من الرجل الأبيض، مما أجج مشاعر الكثير من العبيد والبيض على حد السّواء من تلك المعاملة التي لا تليق ببشر متماثلين إنسانيا.

 

“تقولين سيدي؟

من الذي جعله سيدي؟

ومن أعطاه الحق في امتلاكي ؟ ولقد حُرم العبد أبسط الحقوق الإنسانية وأهمها، أن يؤسس اسرة، وأن يحتفظ بامرأته وأولاده، ففرق الأسياد بين العبد وزوجته، والأم وابنتها وسلخوا الطفل الرضيع عن أمه وباعوه”

جورج هاريس لزوجته الايزا

 

 

 

الواقع الذي ساد في أمريكا في القرن التاسع عشر مُثل بعناية في تلك الرواية، مسألة الاسترقاق التي شغلت الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية آنذاك، و اشتعال الثورة التي تنادي بتحرير العبيد و مواجهات دائمة بين المؤيدين والمعارضين للرق والاسترقاق.

تحديدا في العام 1831، نادت إحدى الصحف بتحرير العبيد وشنت حملة واسعة على الاستعباد و طالبت بإلغائه، والاطلاق الفوري وغير المشروط لكل العبيد، نتشرت تلك الدعوى واتسعت لدرجة ان جمعيات كاملة أُسست لتخدم تلك الفكرة فقط، ومساعدة العبيد فعليا.

العبيد الهاربون من نير اسيادهم كانوا أداة إعلامية بامتياز، إذ نقلوا الصورة كما هي دون تعديل أو تزييف، كيف كانت حياتهم وكيف كانت الويلات التي لاقوها من سوء معاملة وتعذيب وحرمان وتفريق لشمل أسرهم التي لا تعرف الاستقرار.

 

 

لجأ بعض أصحاب النفوذ لتهريب العبيد الفارين من الولايات الجنوبية للولايات الشمالية من أجل ضمان سلامتهم وعدم ملاحقتهم.

سياسيا، أثر ملف العبيد على الواقع السياسي في البلاد في تلك الحقبة، وكان له أشدّ التأثير على الانتخابات سواء الرئاسية او التشريعية.

انفصلت الولايات في رؤيتها لهذا الموضوع، بعضها اصدر قوانين تحرم الاسترقاق، وبعضها تمسك بنظام الرق من اجل أسباباقتصادية او اجتماعية.

 

ابراهام لينكولن

 

 

عند اتحاد الولايات لم تكن مسألة العبيد أمرا محوريا في دخول الاتحاد، كل ولاية تركت لدستورها فحسب، بناء على ما يمليه هذا الدستور – من استمرار لنظام الرق أم لا – كانت الولاية تنضمّ للاتحاد.

من أهم أسباب تمسك الولايات الجنوبية بنظام الاسترقاق هو ان هيكلتها الاقتصادية كانت تقوم بشكل أساسي على الزراعة، كان مجتمعا زراعيّا يشتهر بزراعة القطن والتبغ، والاعتماد على الرقيق كان أمرا أساسيا.

بينما اعتمدت الولايات الشمالية على ثورة صناعية عظيمة واختراعات جديدة اثرت في الحياة الاقتصادية وتسببت في ازدهارها، تأسس بعد ذلك حزب الأرض وتلاه إصدار رواية “كوخ العم توم” مما عزز حركة إلغاء الرق في الشمال.

من أكثر الأحداث محورية في أمر الرق والعبيد هو تأسيس الحزب الجمهوري، ووصول مرشحه “أبراهام لينكولن” للرئاسة عام 1857 وتعهده بتحرير كل العبيد.

 

الحرب الأهلية 

بعد هذا التغير الجذري في رأس الدولة، لم يبق امام الولايات الجنوبية سوى الاستغناء عن هذا النظام أو الانفصال، وهو ما حدث، فنشبت الحرب الاهلية بين الولايات الجنوبية والولايات الشمالية في العام 1861 واستمرت حتى 1865، وانتصار الشمال كان السبب الرئيسي في إلغاء الاسترقاق نهائيا بالولايات المتحدة الأمريكية.

عرضت السيدة هيريت في روايتها الوضع القائم آنذاك بشكل كبير من الموضوعية، فهناك السيد جورج المالك الذي يتمتع بإنسانية عالية، وهناك المُلاك الوحشيّون الذين يتلذذون بتعذيب العبيد.

بعض أعضاء مجلس الشيوخ يودون لو يصدرون قانونا يمنع الطعام والشراب عن العبيد، والبعض الآخر يجد أن في نظام الاسترقاق عملا غير أخلاقي ولا يليق بالرجل الأبيض المتحضر.

لم تخلُ الرواية أيضا من الرمزية، فـ”توم” يمثل العبيد المخلصين لأسيادهم، بينما الخادم جورج وزوجته يمثلان الشق الثائر منهم.

السيد شِلبي وأسرته يمثلون الإنسانية، بينما “هايلي” و”سيمون” هما الوحشية البشرية وإذلال الإنسان لأخيه الإنسان، بينما الطفلة إيفانجيلين هي النقاء والطهارة والفطرة السليمة.

تُرجمت الرواية لأكثر من 60 لغة وتحولت لـ 3 أفلام بنفس الاسم في الأعوام (1927-1965-1987)

 

 

لم يكن العنصر الفاعل في الرواية قوة ألفاظها ولا تعقيد تراكيبها، أبدا، بل كانت لغتها بسيطة وسلسة جدا – ماسهل انتشارها – إلا انها قد رفعت واقعا مأساويا وصادقا، ربما لم تكن هي من اشعلت نار الحرب وحررت العبيد، وانما كانت الشرارة الأولى التي أشعلت نار العدالة التي قضت على الكثير الممارسات والأفكار العنصرية تجاه الملونين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.