مجتمعبيت وأسرة

رهن اعتقال سواد ما بعد الولادة

كنت في الخامسة والعشرين عندما تحركت أشرعتي، وانطلق مركبي في رحلته الأولى في محيط الحمل والولادة، كان حملي الأول خفيفاً مفعماً بالحيوية، جاءت المولودة بنتا، شعرت بها تُدخل تغييراً كبيراً في حياتي، وتدخل البهجة والسرور على قلبي، رغم أني كنت أشعر بأني مازلت صغيرة على تجربة الأمومة.

وحدث الحمل الثاني على عجل، قبل أن أنتبه لنفسي وأستفيق من ضغوط التجربة الأولى التي لا حصر لها. ومع قدوم الطفل الثاني، انقلبت حياتي رأساً على عقب مع بكائه المتواصل الذي حيرّني وأدخل الحزن على قلبي، لم أدرِ ما يبكيه، وماذا يريد، هل هناك ما يؤلمه؟ هل هو جائع؟ هل يريد حباً واهتماماً؟ هل للأمومة أسرار لا أعلمها يهمس بها هذا الصغير الباكي فيجد مني أذناً صماء؟

وكان جوابي دائماً “لا أدري” يرافقه كمٌ هائلٌ من الحيرة والتشوش.. ليالٍ طويلة أقضيها مستيقظة إلى جانبه، أحمله وأهدهده، وأغدق عليه من حناني وأمومتي حتى ينام في حضني، بيد أنه ما يلبث أن يستيقظ باكياً بشدة إذا مس جانبه الفراش. كنت أسأله أحياناً رغم إدراكي أنه لا يعي قولي: ماذا تريد تماماً؟ ما الذي يبكيك؟ أرجوك.. اهدأ ودعني أهدأ وأرتاح قليلاً، كان والده يعينني لبعض الوقت أحياناً، ولكنه يفقد الصبر أمام بكائه غير المبرر في نظرنا نحن الكبار.

وما إن مضت الثلاثة أيام الأولى على قدومه للدنيا، حتى تم اقتيادي وبأحاسيس مكبلة إلى زنزانة اكتئاب ما بعد الولادة، أظلم

النهار في ناظري، وأطبقت الوحدة فكيها على قلبي، وغادرني الفرح والسعادة، وأدارت عني الدنيا وجهها المشرق، ولم يعد للحياة أي طعم، جميع الأيام والأحداث سيان، وانحصرت الدنيا في صغير يبكي دون توقف وأحزان لا تنتهي وآلام جسدية كثيرة لا تسكن، فقدت الدافعية لإنجاز أي شيء، أو حتى الاستمرار في الحياة، فأهملت نفسي وبيتي ووليدي.

غدوت هشة وضعيفة ومؤقتة وشديدة الحساسية لما يُحزن القلب. انعزلت عن الحياة وضجيجها، ورحت أشارك الصغير بكاءه، فأبكي آلام نفسي وحزنها، وحزني لصغير لا ذنب له بما أمرُّ به من تجربة تكاد تفقدني صوابي. حتى النوم جافاني في تلك الأوقات، وفقدت شهيتي للطعام فغدوت جسداً منهكاً، وعقلاً متيقظاً رافضاً للراحة والهدوء في الوقت ذاته.

وزاد من ظلمة وصعوبة تلك الأوقات، الضيوف والمهنّؤون الذين راحوا يتدفقون على البيت لتقديم التبريكات والتهاني والهدايا ومشاركتي فرحي بقدوم الصغير. بينما أنا مضطرة لأن أمضي الكثير من وقتي برفقتهم، أجاملهم وأصطنع بسمة عريضة على وجهي وأتقنع بقناع يخفي المعركة الضارية التي تدور رحاها داخل نفسي.

استغرب المقربون مني ما يجري لي فقالوا: تنجبين ذكراً، ثم تغوصين في الحزن؟ الجميع حولك مسرورون ويحتفون، وأنت تنعزلين وتبكين؟ كم أنت عجيبة وغريبة! انفضي عنك الحزن، ابتسمي، اضحكي، افرحي، وانطلقي في حياتك مع زوجك، بعد أن غرست الوتد الأول الذي يثبت حياتك الزوجية بقوة أمام أية أعاصير قد تعصف بها. ها قد تخلصت من الحمل ومعاناته، وولادتك لم تكن عسرة. كم تدللين نفسك وتسرفين عليها.

كانت أياماً بشعة، مؤلمة، سوداء بل حالكة الظلمة، تمنيت فيها الموت ليل نهار، ولم يداخلني شك بأنها ستكون النهاية.. ملَّ زوجي إهمالي في كل شيء، وحزني وبكائي غير المبرر في رأيه، وطالما شجعني وشد من أزري (حسب ما يسمح به وقته وظروفه)، إلا أن المشكلة بدت أعقد وأعوص من أن تُحلَّ بتشجيع مؤقت أو دعم عابر.

حتى أمي شعرت بها بعيدة عني وعن ما أمرُّ به بُعد القمر عن الأرض، فربما لم تمر به سابقاً، أو لا تعرف شيئاً عن اكتئاب ما بعد الولادة وربما لم تسمع به أصلاً، فقط كانت تستغرب وتستهجن نفسيتي السوداء.

جدتي هي من شعرت بي، وتعاطفت معي، وأشفقت لحالي وحال صغيري، فراحت تزورني باستمرار وتؤنسني وتساعدني في رعاية صغيري وبيتي، شرعت تحكي لي حكاياتها التي عشقتها منذ صغري، تلت على رأسي آيات الرقية الشرعية. وتشجعني على الاستمتاع بهذه الأوقات، فهي سرعان ما تتبخر وتصبح جزءاً من الماضي، فكيف لي أن أهدرها في الحزن والبكاء؟ ستنتهي إجازة الأمومة بسرعة، وسيكبر الصغير. فكانت تقول لي: استمتعي بهذه الأوقات. لا تفرطي بها بسهولة لأنها لا ولن تعود.

ما شكَّل لي فرقاً في جدتي أنني وجدتها قريبة حقاً مني، لم تستهجن مشاعري، ولم تستخف بها، بل وجدتها تقدِّرها وتشاطرني إياها، وكأنها عاشت مثل تجربتي، فلم أجد دعماً كدعمها.. ولا تشجيعاً كتشجيعها.. كان دعم امرأة لامرأة أخرى تعيش تجربتها الماضية، وكان من بين ما قالته لي: كنت أحسبك قوية، فلماذا تخيبين أملي فيك الآن؟ لم تكوني ضعيفة في أي وقت مضى، فما الذي تغير الآن؟ أنت غدوت أماً، فبهذا تقابلين تسلمك لوسام الأمومة؟ لم تزل جدتي بي دعماً وتشجيعاً وتسلية حتى استطعت التخلص من تلك القيود.

لم تكن تلك هي المرة الأولى والأخيرة التي أقع فيها في أسر اكتئاب ما بعد الولادة، بل تكرر الأمر بعد ولادة جميع الذكور الذين أنجبتهم، دون أن أدري لماذا الذكور تحديداً. ولكن تعاملي معه اختلف في المرات التالية، حيث كانت الاستشارة الطبية إلى جانب الدعم النفسي هي الطريق إلى التخلص منه.

الوسوم

د. زهرة خدرج

مدونة فلسطينية، كاتبة في العلوم الإنسانية وباحثة في لغة الجسد

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.