مدونات

رضوى ومريد خلف جدار الألوان

سلسلة: رضوى عاشور

 

فيما يلي نص وردنا من صديقة المجلة نواران راضي،  تفاعلا مع سلسلة “ميم” حولة الأديبة المصرية الكبيرة الدكتورة رضوى عاشور

 

انتشرت في الآونة الأخيرة صور لرضوى عاشور الفتاة الجامعية و لا أستغرب أبدًا كيف وقع مريد في غرامها
تلك البساطة و التلقائية لا تملك إلا أن تسلم قلبك بين يديها!


لم أتفهم إعجاب رضوى بمريد زميلها واعتزالها الشعر بعده إلا حين سمعت أشعار مريد وانبهرت!


حب الأدباء لبعضهم مختلف! فيه شيء من الاكبار و الاستيعاب لقيمة ما تحتويه قلوبهم قبل عقولهم.. مشاعرهم المرهفة قبل أصابعهم الرشيقة على الأوراق. النفوس في الآراء المتصوفة تُقرأ من دواخلها لا قسماتها. والإعجاب ما هو إلا استحسان للقسمات و الملامح.

أما فتنة الكُتاب، فتميل ميلاً للخلجات و تهيجها الأحزان و العبرات. وتشعلها لمحات الذكاء خلف بريق العيون الحيية في ذاتها الجريئة في ما تنبس به أفواهها من عبارات، وهو استحسان المنطق و المنطوق ،الكاتب و المكتوب. هو التطويع و كذلك الانسياق. الرغبة و العزوف! هو حيرة الأطفال و حكمة الشيخوخة و عذاب المفارق غدا.


فلا هو بانعزال عن الجسد و المادة و لا هو التحليق في السحب و لا الخيلاء الحسان. هو خليط بين هذا و ذاك!
الصبي الذي لم يعدنا بشيء، الصبية التي لم تعدنا بشيء، تلاقت كلماتهما حول نسيج موهبتهما، كشرنقة رقراقة لاصقت جفنيهما و أطفأت الأنوار و حجبت الرؤية عن اكتمال القمر البعيد فدنا. مد الهوى أوصاله و استوى على الجودي و تضاعف حرير المغازل باشتباك أقلامهما.

 


مريد يقول: محبوبتي ليست بأحلى النساء جميعًا و لكنها حلوة تتمنى انتصار المباهج


رضوى في عيون مريد 

يذكر مريد في مذكراته علاقته برضوى كزميلة وصديقة لم يحدثها بكلمة غزل واحدة! كانت رسائلهما عن الحياة اليومية حتى بعدما سافر إلى عمان و تركها في مصر. في تلك السنة، نُشرت له أول قصيدة في احدى المجلات المصرية، وغمرت رضوى فرحة لا توصف، حيث تحققت البشرى، إذ كان يعرض عليها أعماله فتقول له بصدق شديد ستكون شاعرًا كبيرًا.


يرد مريد: ماذا و إن فشلت؟ فتضحك. فيقول: ستكونين روائية كبيرة.. وإن فشلت؟ و يغرقان في دوامة من الضحك!

الحب حماية و مشاركة أكثر من كونه تعبيرات صيغت هذه الأيام حد الابتذال. الحب هو التفات مريد إلى رضوى و كانا متزوجين حديثاً أثناء أول مكالمة عمل أدبية:


“يا رضوى عم يقول لي أهلاً يا شاعر”

مريد يضع سماعة الهاتف جانباً و يهمس ضاحكاً مندهشًا.

“راح ينشروا لي الديوان”


بغض النظر عن أن مريد بعد صدور ديوان “الطوفان و إعادة التكوين” لم يكن راضيًا عنه تمام الرضا. هكذا الشعراء يتوقون لمزيد ومزيد من الموهبة. إذا قنع الكاتب بحروفه شاخ و عجز قلمه!

 


حرص أن يبرز وجهة نظره و يعلمها للأجيال أن الحب في الحياة غير الحب في القصائد و لا توجد أجمل نساء الأرض وأن الكلام المعسول المقفى ليس بشعر حب، الحب مواقف و أفعال  وابتسامات لا تنصفها الأبيات.


ظهرت رضوى في قوافيه معشوقة وربة منزل تغسل الصحون وعلى وجهها علامات الإرهاق والتعب.. وفي عقلها رجاحة و ي قلبها نقاء يكفي الإنسانية جمعاء

كتب فيها مريد ما أسمته لطيفة الزيات “قصيدة حب لا قصيدة غزل”

ننشر مريد عام 1973 في مجلة “الكاتب”


“إنى أقرأ فى عينيك الزمن القادم
ولهذا أتحمل عبء حياتى
نشوان
وظهرى يرزخ تحت الأحمال
أبتسم وإن ساءت كل الأخبار
وأسير وفى ظهر الخنجر
فأنا أومن أنى قادر.”

 

لا يغفل شقة المنيل الصغيرة و حياتهما البسيطة قبل الشهرة و لا يوم ولادة تميم
و هي تحمل رضيعها خارجين من باب المشفى في اشفاق و رأفة ربت عليها خجلاً: 

تميم كله لك يا رضوى إني لأخجل أن يحمل الأبناء أسماء آبائهم”

صدق مريد! فتميم نعم بحنان الأم لمدة ١٧ عامًا حتى خط شاربه و أبوه منفي خارج البلاد!


مما يأخذنا إلى حياة رضوى المربية الصالحة:
لما تتباين و تسمو مواقف تميم البرغوثي بشأن القضية الفلسطينية لسان حالي لزامًا و مرارًا يقول: خير و زين ما ربت رضوى بمفردها و بطولها.


تعلمه لهجة لا ينطقها لسانها و تصحبه إلى عمان لتقوي علاقته بأقارب أبيه. نصبت له ميزاناً دقيقاً و ميثاقاً غليظاً و عهدة أمينة و سلمته تراثين و حضارتين فرعونية عتيقة و كنعانية شقيقة وتاريخا وقضية وحبا وتعلق ببلدين.

لم تطأ قدماها رام الله يومًا رغم أنه تيسر لها السفر مع زوجها إلى القدس، لكن رفضت اعتراضًا على أن ترضخ لتصريح محتل فهو اعتراف ضمني به.  رأت أن صحبته لفلسطين تنافي حملاتها ضد التطبيع المنددة بالصهيونية في الجامعات والجمعيات النسوية.

موقف أهل رضوى

كعادة الآباء حين يقترب الغريب من أميراتهن يتملكهم الخوف و القلق. و إذا كانوا من ذوي الزينوفوبيا- أي فوبيا الأعراق والجنسيات المختلفة-  يستشاطون غضباً. لكن ذلك لم يمنع مريد عن رضوى. ولم تكف الشابة الجميلة من الالحاح على أهلها بتقبل صديقها الممنوع من الوطن الذي لا سرير يدوم له و لا سقف يألفه طويلًا حتى وافقوا على زواجهما.


مريد: طوال عمري منذ أن تعرفنا وإلى الأبد لم أشعر بأي لوم أو عتب علي موقف أهلها تجاهي”، ربما لأن من يملك عشقاً حقيقياً قادر على التماس كل الأعذار من أجل حبيبته ومن يحمونها حتى ولو على سبيل الخوف.


شخصيات أثرت في قلب رضوى


طلبت أم عطا- والدة مريد- عدة مرات من رضوى كتابة حياتها.  شعرت العجوز في دخيلة نفسها أن الزمن أتى عليها، لكنها كانت شجرة زيتون لا تهزها عاصفة.


و بعد سنين كتبت عنها رضوى خاطرة أدرجتها ضمن سيرتها الخاصة “أثقل من رضوى ” و “الصرخة”، وهو الجزء الثاني وآخر كتاب خطته يديها ..

و إني كلما قرأت لرضوى ارتبطت بذهني حكاية أم عطا. ربما لأن كلتيهما تتشابهان في العناد والقوة والتحدي بعض الشيء.

نعم، لقد نجحت أم عطا لأنها ما فرطت في ديارها ولا شجراتها ورياحينها ولا ليمونها.  تمسكت بجنينة زرعتها وكانت تفتخر بكل ثمرة تقطفها.

أنجبت أم عطا منيف و مريد و أخوته وجعلتهم رجالاً كلٌ شق الحياة بطريقته الخاصة. و نجاح رضوى -عدا عن مساهمتها التأريخية و دورها في تعزيز المرأة و تربية تميم الذي يفتخر به الفلسطينيون جميعهم رغم أنه لم يطأ فلسطين إلا لما اشتد عوده-  أنها غرست في كل قارئ لها زهرة ذات زنبقة بيضاء من أزاهير شخصيتها، وأنها طعمت حكاياتها برحيق صلابتها.. 


الفن و جدار من الألوان

و لرضوى أمنية صرحت بها قبل وفاتها على حساب يحمل اسمها على الفيس بوك- يضم حفنة من الأصدقاء وحساب زوجها وابنها تميم- أنها حين تُحال على المعاش ستعتكف خلف سور من ألوان الخشب بهيج تكتب مئات الروايات والقصص الباعثة للأمل!
و من شدة تعلقها بالفن استخدمت احدى لوحات ديجيو ريفيرا -الفنان الميكسيكي الذي راقتها أعماله وزوجته فريدا كالو- غلافاً لكتابها، عبارة عن صورة لسيدتين سمينتين سمراوين بملامح جنوب أمريكا المائلة للشرق المعتادة على افتراش  الأرض مقرفصتين و أيديهن على حجورهن يتبادلن أطراف الحديث.


و يعود ذلك الولع إلى ميّة أمها. كانت رسامة ماهرة على حد قولها. لا تعلم رضوى لِمَ توقفت ميّة عن الرسم و كيف عادت إليه في شيخوختها..

الصبية العنيدة والأستاذة الرشيدة


عزيزي القارئ،  مهما كتبت عن رضوى لن أستطيع شرح سر تعلقي بها. أسلوب رضوى جعل قراءها يألفونها كما لو كانا يعرفونها شخصيا.. يربما أيضا لأنني فقدت جدتي الإثنتين في نفس عمرها وظروف مرضها الخبيث اللعين وعايشت أنينهما.

فالأولى أسمع صرخاتها من الغرفة المجاورة والثانية أقرأ وصف هلوساتها في الغيبوبة ووجع رأسها وطنين جهاز الأشعة. وقد حضرت معها عملية دامت ما يزيد عن ال١٣ ساعة في بلاد الفرنجة.

وكذا كان الأمر بالنسبة لرضوى، وكانت حين يعود تميم بالأخبار عن الثورة تسأله بلسان ثقبل حين تستقيق:

“العيال عاملين ايه؟”


و مريد حائر بين نظرته لامرأته الستينية في صراعها الأخير مع ورم دام عمر طويلا في دماغها ونظرته لمدللته رضوى ذات الشعر القصير على الجبين..

أجد روحها في كل صبية عنيدة تنتظر خلو الشارع من المارة فتركل الحجارة  بيسراها وكل أستاذة رشيدة تلقن الأدب و أصول النقد..

كانت في الظهيرة ثائرة نشيطة تهتف ضد الظلم والفساد. وحين تعود الطيور لأعشاشها تنتهي من زيارة لحقول القمح و تأخذ جولة في متاحف أوروبا و تستغرق في التأمل والتمعن والتدقيق في كل لوحة وبورتريه أصيل!

ولا تعجب أن كتبت قصة كاملة استوحتها من نظرة و صرخة!

و في المساء تنكب على النشرات الإخبارية ثم تجلس على الحاسوب وتكمل مسودة قديمة أو تحيي سامية على ابداع جديد.. ثم تجدها في صباح اليوم التالي تجري على رصيف الجامعة في زحام المرور لتلحق بالمحاضرة فهي تكره أن تتأخر على طلابها!


هكذا رضوى بالنسبة لي: الأم الراوية والمناضلة الراقية والمحبوبة التي قضت على ذوق الشعراء الرديء في الحبيبات على قولة الكاتب الكبير بلال فضل.

نوران راضي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.