مدونات

الشارع العربي “مؤدّبا”.. صفعة لترامب وصفعتان لحكّام الإمارات

بقلم: سليمة كراك

 

سليمة كراك- تونس- مجلّة ميم

أصبح ما كان معزولا خلف الكاميرا وفي الاجتماعات المغلقة أو مغلّفا بأشكال ما، في الشارع العربي، مصرّحا به منذ اندلاع الثورات العربيّة التي سفّهت كلّ ما كتب عن صمتها ولا مبالاتها بالشأن السياسي الداخلي وبقضايا الأمة عموما. ففي الأسبوعين الأخيرن من سنة 2010، وبعدها خرج الشارع العربي معلنا “الشعب يريد إسقاط النظام” في انفجار لم تشهده المنطقة من قبل، لم تغب عنه القدس وقضيّة فلسطين المحتلّة ولا كان له سقف أدنى من استرجاع الشعوب حقّ تقرير المصير والالتحاق بركب الدول الديمقراطيّة.

الشارع العربي باعتباره حيّا يرفض التسليم لمقولات “الموت” أو “الترذيل” بات معبّرا بأشكال مختلفة عن نفسه وعن آراءه، من خلال الأحزاب وصناديق الإقتراع الديمقراطيّة أو من خلال الساحات والشوارع وحتّى من خلال شبكات التواصل الاجتماعي ومدارج كرة القدم، كلّها وسائل باتت سلاح الشارع العربي لردع الطغاة والغزاة والغلاة بطرق جديدة ابتدعها الشارع الذي ظل مكبوتا لعقود.

إذا كانت الأسابيع الأخيرة من شهر ديسمبر 2010 وما تلاها قد أظهرت الشارع العربي منتفضا ضدّ الدكتاتوريات وضدّ النظام الرسمي العربي المتهالك، فإنّه في الأسابيع الأخيرة من سنة 2017 قد عاد مؤدّبا مرّة أخرى ولكن أكثر اتساعا ومباشرا هذه المرّة وفي اتّجاهين مختلفين، الأوّل حركة مضادّة لقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن القدس، والثاني حركة مضادّة لأدوار الإمارات ومواقفها في المنطقة تجاه تركيا وتجاه النساء التونسيات.

على طول الوطن العربي باستثناء دول “محور الاعتدال” باعتبارها شريكا للولايات المتحدة الأمريكيّة في قرارها بشأن القدس وتصفية القضيّة الفلسطينيّة تحت شعارات “سلام” متوهّم، كانت الشوارع والساحات العربية تعجّ بالمنتفضين رفضا لقرار ترامب بشأن القدس، لتتوحّد الجماهير العربيّة على اختلاف ألوانها السياسية والفكرية وحتى الدينية تحت راية القدس، معلنة نفيرا واسعا يحتضن المقاومة ويسندها بشتّى أنواع النضالات، من التظاهر إلى حملات المقاطعة، مرورا بالكتابة والهاشتاغات وغيرها.. كان ذلك هو الشارع العربي مؤدّبا دونالد ترامب.

الشارع العربي نقل صوته إلى الشبكة العنكبوتيّة التي باتت دون الإستغناء عن الساحات والشوارع ووسائل الإعلام التقليديّة فضاءً آخر يدعم الحركيّة العربيّة في اتّجاه افتكاك حقّ تقرير المصير، فالنساء العربيّات طبعن المرحلة الأخيرة على طريقتهنّ أيضا في “تأديب” النظام الرسمي العربي وترامب معا عبر حملة #عربيات_ضدّ_التطبيع، التي غزت شبكات التواصل الاجتماعي على “تويتر” و”فيسبوك” معلنة المرأة العربيّة شريكا في الدفاع عن الموقف العربي المضادّ للاحتلال ولجريمة التطبيع مع الكيان الغاصب انتصارا للقدس، ولعروبتهنّ.

لم يكن هاشتاغ #عربيّات_ضدّ_التطبيع وحده يعلن “تأديب” من يحاولون الدوس على الشرف العربي، ففي ظرف أسبوع تقريبا تصدّرت هاشتاغات #أردوغان_يؤدّب_الإمارات و#تونس_تؤدّب_الإمارات، صفحات شبكات التواصل الاجتماعي في حركة رمزيّة موجّهة أساسا ضدّ الأدوار الإماراتيّة في المنطقة خلال السنوات الأخيرة وما يدفعه الشارع العربي من ضريبة قاسية بسببها.

عندما تهكّم عبد الله بن زايد على فخر الدين باشا قائد آخر حامية عثمانيّة في الصحراء العربيّة، قامت بتأمين المدينة المنوّرة لم يتأخّر ردّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي ردّ مباشرة: “حين كان جدنا فخر الدين باشا يدافع عن المدينة المنورة أين كان جدك أنت أيها البائس الذي يقذفنا بالبهتان”؟ وأضاف: “عليك أن تعرف حدودك، فأنت لم تعرف بعد هذا الشعب (التركي)، ولم تعرف أردوغان أيضا، أمّا أجداد أردوغان فلم تعرفهم أبدا”.

ردّ أطلق العنان لموجة تعاطف غزت شبكات التواصل الإجتماعي مع تركيا ضدّ حكّام الإمارات تحت هاشتاغ #أردوغان_يؤدّب_الإمارات.

تهكّم الإمارات لم يطل تركيا وحدها، بل تجاوزها ليبلغ تونس التي تحاول الإمارات استفزازها بكل الطرق منذ سبع سنوات، ومعاقبة شعبها على ثورته ضدّ الطغيان ورفضه الانقلابات على إرادة الناخبين. فقد أهانت شركة الخطوط الإماراتية النساء التونسيّات في حركة مفاجئة عندما قرّرت منعهنّ من النزول أو المرور عبر مطاراتها، وردّت تونس بتعليق رحلات الشركة من وإلى تونس، استجابة لحملة واسعة تجاوزت الحدود التونسيّة مع نساء البلاد ضدّ ما يتعرّضن له من إهانة من الإمارات. وتحوّل هاشتاغ #تونس_تؤدب_الإمارات إلى الأكثر انتشارا في ساعات قليلة.

عبر الشوارع والساحات وعبر الهاشتاغات التي غزت شبكات التواصل الاجتماعي ظهر الشارع العربي في دور المؤدّب، موجّها رسالتين واحدة للعالم ولترامب مفادها أن القدس عاصمة فلسطين الأبديّة، وأخرى لحكّام الإمارات ومفادها أن كلّ أجنداتهم باتت مكشوفة وأنّ الشعب بإمكانه أن يردّ بنفسه أو على لسان من يمثّلونه بشكل مباشر على كل محاولة مسّ من التاريخ أو من النساء على حدّ سواء.

سليمة كراك

كاتبة ومدونة من تونس

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.