مجتمع

مرض نفسي أم استقلال؟ .. ما لا تعرفه عن حفلات الطلاق في الوطن العربي

مجتمع

 

نادية محمد- القاهرة- مجلة ميم

«حفلات الطلاق» ليست دعابة ولا دربا من دروب الخيال، حقيقة موجودة على أرض الواقع، تحدث كل يوم مع تزايد حالات الطلاق في الوطن العربي، فالطلاق لم يعد سلاحا في يد الرجل ضد المرأة، بل أصبح وسيلة وفرصة لها للفرحة وإقامة الحفلات ودعوة الأصدقاء ابتهاجا بهذه اللحظة.

لا تندهش حين تستقبل دعوة حفل مدوَّن بها «يسعدني أن أدعوك إلى حفل طلاقي»، فالأمر أصبح عاديا ومنتشرا، ورائجًا بين النساء في المجتمع العربي.

 

 

وهذه الظاهرة كما أن لها مؤيدين، فلها معارضون أيضا، وإلى جانب ذلك، نالت اهتماما من الباحثين في علوم النفس، الذين توغلوا إلى أعماق هذه الاتجاهات لدى المرأة، فهل هي وسيلة لمكايدة الرجل على طريقة «كيد النساء هزم كيد الرجال» أم احتفال بالتحرر من قهر الزوج؟ أم مجرد موضة مستوردة؟

 

 

من أين بدأت «حفلات الطلاق» في العالم؟

ليس من الغرب هذه المرة، لكنها من شرق آسيا؛ فظاهرة إقامة حفلات الطلاق جاءت من اليابان والصين وإيران، وتنتشر بشكل كبير في هذه الدول، وانتقلت إلى الغرب لتأتي إلى المجتمع العربي وتجد رواجا بين النساء.. وهو ما بدا مستهجنًا في تقرير بثته قناة العالم الإيرانية.

 

 

كان المسلسل الإيراني «القهوة المرة» أول من أشار إلى هذه الحفلات، وأثار استغراب الكثير من الإيرانيين، فكيف لامرأة تقيم حفلا تدعو فيه الأصدقاء احتفالا بطلاقها من زوجها؟

القصة التي تم تناولها في هذا المسلسل، تحولت إلى واقع، لم تكن مجرد فكرة خيالية من المؤلف، بل اقتبسها من حالات حدثت في الصين، فانتشرت بين الإيرانيين خاصة الطبقات الثرية.

 

 

وأوضح تقرير لـ«نيويورك تايمز»، أن ظاهرة الاحتفال بالطلاق بدأت في اليابان والصين، وبدأت في الانتشار في الولايات المتحدة بين مختلف الطبقات، وعرض التقرير مجموعة من الحالات التي احتفلت بطلاقها، كما أشارت إلى وجود بعض الوكالات والشركات التي تقوم بتنظيم حفلات للمطلّقين والمطلقات.

وتوجد مجموعة شركات وجمعيات في الولايات المتحدة مثل «نساء في مساعدة نساء» و«المنفصلون السعداء».

وخلال التقرير قالت سيدة تدعى بيترا ريجير، إحدى الناشطات النسويات بهذه الجمعيات، إن هدف الجمعية التي تعمل فيها هو إحياء حفل يعيد الثقة بالنفس للمطلقات، مضيفة: «نعدّ فستانًا لها لترتديه ويتم تلطيخه بالشوكولاتة وصلصة الطماطم وتمزيقه، كطريقة للانتقام من الزوج بشكل مضحك، وإعداد صورة عليها صورة الزوج ورميها في القمامة».

بعض الكيانات والمؤسسات استغلت فكرة حفلات الطلاق لتحقيق أغراض ربحية، بينما توجد بعض المؤسسات والجمعيات التي تعمل ذلك تطوعا كخدمة نسوية.

 

 

حفلات الطلاق في مصر.. انتقام من الكنيسة

انطلقت حفلات الطلاق في مصر على أيدي بعض المسيحيين المتضررين من قانون الأحوال الشخصية، الذي لا يسمح للأقباط أن يطلقوا إلا لعلة الزنا، ونظمت رابطة «فرصة ثانية» احتفالا خاصا بعد حصول أفرادها على أحكام نهائية بالطلاق من المحكمة بعد صراع كنسي وقانوني طويل.

 

حفل طلاق كنسي

 

يقول أيمن عطية، منسق الرابطة، إن الهدف من تنظيم حفل الطلاق ليس إلا احتفالا بالحصول على حق من حقوقهم، وهو الانفصال دون تدخل الكهنة في الأمر، مشيرًا إلى أن الطلاق عند المسيحيين غنيمة أصعب بكثير عن المسلمين الذين يستطيعون الخلاص من شريكهم سريعا «إما بالطلاق الشفوي أو الخلع في المحكمة التي تحكم سريعا للمرأة».

وطالب «عطية» المسؤولين، بحل النزاع في مسألة قانون الأحوال الشخصية، قائلا إن الطلاق حياة جديدة لكل إنسان.

 

 

مارينا ماجد: عندما انفصلت شعرت أنني ولدت من جديد

تقول مارينا ماجد، إحدى المشاركات في الحفل التي حصلت على حكم بالطلاق، إن الكنيسة رفضت طلاقها من زوجها رغم استحالة الحياة بينهما، وأنها قامت بدعوى للخلاص منه.

تروي «مارينا» قصتها كاملة، والتي بدأت منذ 15 عاما مع زوجها وابن خالها في نفس الوقت، تقول، إن الخلافات بدأت تنشب بينهما منذ 12 عاما، بعد زواجهما بثلاث سنوات، وانتقلت الأزمة بينهما إلى العائلتين، فاستحالت الحياة.

«لم يلمسني منذ 7 سنوات».. بهذه الكلمات أشارت مارينا إلى أن الحياة بينهما وصلت إلى طريق مسدود، وحاولت الطلاق إلا أن الكنيسة رفضت، فلجأت إلى المحكمة ولم تحصل على حق الطلاق إلا هذا العام، وتقول عن ذلك: «كل الحالات التي طلبت الطلاق تشبهني، وتعذبوا من أجل هذه القوانين، فكيف عندما يحصلون عليها لا يحتفلون؟ إنها حياة جديدة بالفعل، عندما أخذت حكم الطلاق، شعرت أنني ولدت من جديد».

 

نبيل حنا: احتفلت أنا وزوجتي بطلاقنا

وصل نبيل حنا وزوجته ناريمان إلى أقصى درجات السلام النفسي والصراحة، عندما اتفقا على الطلاق وذهبا إلى نفس المحامي ليخلصهما، بدأت حكايتهما مع الطلاق عندما ذهبا إلى الكنيسة، ورفضت طلبهما، إلا أن الحياة بينهما لا تسمح بأي فرصة أخرى.

قال «حنا»، إنه انفصل بجسده عن زوجته وهي نفس الأمر، ووجد كل منهما أن الحياة أصبحت لا تطاق بلا تفاهم، إلا أنهما وجدا هذا التفاهم لأول مرة في قرار الطلاق، مضيفا أنهما لم يتزوجا عن حب، بل تزوجا زواجا تقليديا من خلال التعارف الأسري، وأنهما أدركا استحالة استمرار الوضع بينهما بعد سنة من الزواج.

وتابع: «عندما حصلنا على قرار من المحكمة بالطلاق، احتفلت أنا وهي، كانت طريقة مجنونة لكننا سمعنا عنها كثيرا، وما شجعنا على أخذ هذه الخطوة هي أننا بلا أبناء، وعاقلان للدرجة التي تكفي لنعرف ماذا سنفعل بعد الانفصال».

 

للمسلمين نصيب.. منال زكي: «تزوجت بلا زفاف فاحتفلت بالطلاق»

«ماذا لو كانت الحياة بينك وبين شخص عبارة عن محاضر أقسام في الشرطة وعنف وسب وضرب وإهانة وكل الناس تشاهدنا يوميا؟ ماذا ستفعل لو انفصلت عنه؟»، هكذا بدأت منال زكي حديثها لتبرر احتفالها بالطلاق من زوجها.

قالت «منال»، إن زوجها لم يوفر لها حفل زفاف، لكنها أقامته لنفسها بعدما انفصلت عنه، معتبرة أن طلاقها هو خلق جديد بالنسبة لها، وعمرها الذي قضته معه كان موتًا مؤقتًا، فبالطلاق عن طريق قضية الخلع، أصبحت حرة ومولودة جديدة.

وأضافت: «عندما نلت الطلاق، حجزت قاعة صغيرة، وارتديت فستانًا ودعوت أصدقائي ومزقنا الفستان وقضينا وقتا لطيفا»، متابعة: «لم أكن أنتقم منه ولكني كنت أحتفل بنفسي، لأنه القرار الوحيد الذي اتخذته في حياتي بإرادتي».

 

أطباء نفسيون: المرأة لا تحتفل بالافتراق عن الرجل إلا إذا سبّب لها ألما عميقا

يرى الدكتور أيمن بشر، أستاذ الطب النفسي، أن المرأة لا تحتفل بطلاقها من رجل إلا إذا تعرضت لألم شديد بسببه، وتحاول أن تتدارك هذا الأمر بالتظاهر بالفرحة والأجواء الاحتفالية لتخفيف العبء النفسي الذي يقع عليها.

وأكد «بشر» أن هذه الظاهرة انتقلت بسهولة إلى المنطقة العربية وفي مصر بسبب سهولة الاتصال بالعالم الآخر، وأن هذه الفكرة لا ينفذها إلا الذي يرغب في التظاهر بالانتصار أو المرأة التي انتزعت القرار قهرا من الرجل فتقيم ذلك انتقاما منه وتشفيًا فيه.

 

 

بينما قالت الباحثة النفسية منيرة فرغلي، إن احتفال الأزواج بطلاقهما أمر شاذ، ولا يقبل عليه إلا أشخاص لديهم تشوه نفسي بسبب تجارب قاسية مروا بها، مضيفة أن البعض قد يقبل على هذه المظاهر للتعبير عن انتهاء المعاناة والظلم الذي يتعرض له أحد الطرفين.

وأضافت «منيرة»، أن هناك تقليدا أعمى للمجتمعات الأخرى، لا يجوز أن يمر بهذه السهولة وينتشر في مجتمعاتنا، وأن لكل مجتمع هويته الخاصة، متابعة: «على كل حال هو أمر شاذ، وأبغض الحلال عند الله هو الطلاق، والأمر ليس للتباهي، ومن الممكن الانفصال بشكل طبيعي دون تطرف في التعبير».

 

 

ناشطة نسوية: إنهاء أسطورة «ظل رجل ولا ظل حيطة»

علقت نعيمة سمير، الناشطة النسوية، على ظاهرة الاحتفال بالطلاق، قائلة إنها مؤشر جيد للخلاص من أسطورة «ظل رجل ولا ظل حيطة»، مشيرة إلى أن المرأة عندما تنفصل تشعر بالعار كأن ما جرى شيء غير أخلاقي.

ظاهرة حفلات الطلاق – بالنسبة إلى الناشطة النسوية – تنهي أسطورة «ظل الرجل»، ولا ترى عيبا في إقامة حفل طلاق، فهذا سيعيد للمرأة ثقتها في نفسها مجددا إذا انفصلت عن الرجل، وللرجل أيضا إذا انفصل عموما عن زوجته، فالحياة لا تقف على أحد.

وتوصي نعيمة بأنه «يجب أن يكون هناك إيمان عميق لدى الطرفين بأن الطلاق ليس نهاية المطاف ولكنه بداية جديدة لحياة بلا أخطاء».

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.