ثقافة

متاهة الأمازيغية

ثقافة

لكل قومية الحقُّ في ممارسة لغتها التاريخية نطقًا وكتابةً وبمختلِف أشكال التواصل في الحياة اليومية والدِّيانة والفن والأدب والعلم والتكنولوجيا، وهذا الحق مكفول شريعةً وطبيعةً، دون مزية من أحد، ولا يحق لأحد المنّ على مجموعة بممارسة لغتها، كما أنه ليس لأحدٍ منع الآخَرين من استعمال لغتهم بأي صورة من صور المنع، وهذا راجع إلى أساس شرعي طبيعي مذكور في قوله تعالى: “ومن آياته خلقُ السموات والأرض واختلافُ ألسنتكم وألوانكم، إن في ذلك لآياتٍ للعالِمين”.

هذا النص القرآني يُعَدُّ قاعدةً إنسانية عظيمةً لإقرار التنوُّع العِرقي واللغوي. والقبول بهذا التنوع هو قبول بالصيغة الطبيعية التي فطر الله الناسَ عليها. واختلاف الألسنة في هذا النص المقصود به هو اختلاف اللغات واللهجات بإجماع المفسرين الذين تناولوا هذه الآية بالشرح والتفسير، لأن اللسان يُطلق في العربية على اللغة واللهجة، فيقال: لسان قريش ولسان تميم بمعنى لهجة قريش ولهجة تميم. ويقال: لسان فارس ولسان الهند، أي لغة فارس ولغة الهند.

فقد جعل القرآن هذا التنوع والثراء بين المجموعات البشرية في لغاتهم ولهجاتهم آيةً من آيات وحدانية الله تعالى وربوبيته. ومن هذا المنطلق يمكننا أن نؤسس للموقف الصحيح من قضية الأمازيغية التي تعيش صراعًا تتنازعه أطرافٌ بأهداف وبرامج متنوعة، فنقول:

البربر الذين هم السكان الأصليون للشمال الإفريقي أصحاب حضارة ضاربة في القِدَم لها ما لها وعليها ما عليها، قامت لهم دول متعاقبة قبل وبعد الفتح الإسلامي، واشتركوا مع قوميات أخرى في تشكيل دول وإمبراطوريات وتحالفوا وأقاموا حروبًا ومعاهدات، وتألق في سماء حضارتهم أعلام وشخصيات سياسية وعسكرية وعلمية ودينية وفنية قديمًا وحديثًا، وكانت علاقتهم بالفتح الإسلامي كعلاقة باقي الشعوب الأخرى.. بين الدراسة المتأنية والقبول بالإسلام.

أمازيغ حملوا راية الإسلام

كانت هناك مجموعات بربرية أخرى حاربت الجيوش الإسلامية تماما كما هو الأمر مع الشعب الفارسي والتركي والهندي وشعوب آسيا الوسطى وشعوب القرن الإفريقي وغيرها، غير أن الميزة التي خلَّدت الشخصية البربرية – الأمازيغية هي ظهور قيادات كبرى منذ فجر الإسلام حملت شعلة الفتوحات من الجزيرة الإيبيرية (إسبانيا والبرتغال حاليا) حتى جنوب الصحراء الكبرى، وصولا إلى العمق الإفريقي حيث الشعوب التي كانت تتشارك الأرض والتاريخ مع البربر حتى قبل الإسلام.

ومن يطلع على أصول الشخصيات الأندلسية والإفريقية إبَّان ازدهار الدول الإسلامية (منذ فتح الأندلس القرن السابع الميلادي، حتى سقوط الدولة العثمانية بالجزائر وتونس بدايات القرن التاسع عشر)، سيجد أن نسبة كبيرة منهم ذوو أصول بربرية معروفة، حتى وإن كانت أسماؤهم عربية، فالإمام يحيى بن يحيى الليثي صاحب أشهر رواية للموطإ هو بربري من طليطلة، وقد كانت أسرته إحدى الأسر الأندلسية المعروفة بالعلم والقضاء والحكم.

فيحيى بن يحيى هو ابن كثير بن وثلاس. وقد كان الإمام مالك يصفه بـ”عاقل الأندلس”، وغالب نسخ الموطإ المشهورة والمتوفرة لدى الناس إنما هي من رواية يحيى بن يحي عن مالك بن أنس.

وإذا أردْنا أن نذكر أسماء شخصيات بربرية باقتضاب فسنذكر طارق بن زياد والقائد كاسيليوس المعروف عربيًّا بكُسيلة والقدِّيسآريوس الليبي المسيحي الذي يعتبر مذهبه الآريوسية أحد المذاهب التوحيدية النادرة في الدين المسيحي، وسنذكر المهدي بن تومرت الثائر الذي أسس دولة آل عبد المؤمن ونشر المذهب الظاهري في ربوع إفريقيا والأندلس، ونذكر عشرات بل مئات الأسماء اللامعة في ميدان التاريخ والسياسة والحرب والفن والدِّين وغيرها.

هؤلاء يرجعون بانتمائهم العرقي جميعا إلى الأصل البربري الذي يتنوع لاحقًا في أسماء القبائل والبطون المتفرعة عنه، حيث عُرف في الحِقبة الإسلامية قبائل مصمودة وزناتة وصنهاجة، وفي عصرنا هناك الشاوية والقبايل وبني ميزاب، أما الطوارق فهو اسم عُرف قديما وحديثا، وهم سكان الصحراء الأصليون وليس اسمًا على فرع قبلي معين.

 

 

والأمر المميز في هذا التنوع العرقي هو وجود اختلاف كبير أيضا في اللسان البربري، حيث نجد أن لسان “القبايل” مثلا يختلف جذريًّا عن لسان سكان الصحراء الكبرى، كما نلمس التباعد أيضا بين اللهجات الأمازيغية بدءًا من الشرق الليبي حتى الريف المغربي مرورًا بأمازيغ الجزائر وتونس، بل تبقى الأمازيغية محافظة على وجود محدود كذلك في بعض الأرياف المصرية حيث كان هناك احتكاك تاريخي معروف بين البربر والمصريين قبل قرون من الفتح الإسلامي لمصر وشمال إفريقيا.

هذا الإيجاز لتاريخ  اللسان البربري وجغرافيته، يجعلنا أمام سؤال يفرض وجوده للخروج من متاهة الأمازيغية في عصرنا هذا: ما هي اللغة التي يريد الأمازيغ تقديمَها على أنها اللغة الرسمية لقوميتهم والتي ستكون لغة حياة وعلم؟

 

مؤامرة أجنبية على الأمازيغية

حين نرصد مطالب المحافظة السامية للغة الأمازيغية والتي مقرُّها باريس؛ سنجد اختلالا كبيرًا بين حضارة القومية البربرية وبين ما يراد فرضُهُ من واقع لا يمُتُّ لتلك الحضارة بصلة قرابة البتَّةَ، فمن بين تلك المطالب أن اللغة الأمازيغية المتوخَّاة ستكون مكتوبةً رسميًّا بالحرف اللاتيني.

وهذا ما يستدعي وقفة طويلة تجاه هذا المطلب الغريب والذي يعتبر خروجًا سافرا عن حقيقة هذه اللغة، فالبربرية القديمة لها حرف خاص ومميز جدا يسمى حرف التيفناغ، ويحتوي على أبجدية متكاملة ومتناسقة مع الأصوات والمقاطع اللغوية مع الأمازيغية، فكيف يراد لهذه اللغة أن تُكتَب بغير حرفها الأصلي والمناسب؟ هذا يذكرنا بشيئين مهمين:

أولهما؛ مأساة اللغة التركية بعد انقلاب مصطفى كمال أتاتورك على الدولة العثمانية حيث عمِلَ على قطع الصلة بحضارة الأتراك ودينهم وتاريخهم عبر تغيير الحرف العثماني (الذي يتفق مع الحرف العربي ويزيد عليه وينقص) إلى الحرف اللاتيني، وبهذا الإجراء الخطير طوى أتاتورك صفحة الحضارة العثمانية والسلجوقية التي امتدت قرونًا طويلة حكمت خلالها ثلاث قارات>

ومنذ الانقلاب الأتاتوركي تقزَّمت “تركيا” وفقدت دورها الإقليمي والحضاري وأصبحت مجرد بيدق بين أصابع التاج البريطاني الذي زرع أتاتورك، ومن خلاله عمل على تقسيم العالم الإسلامي بالتفاهم مع الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية حينها، فكان تغيير لغة الأتراك مدخلا كبيرا بعد ذلك لتضييع حق أمة بكاملها في استعادة مجدها وحضارتها.

وأبسط دليل على ذلك أن التراث الديني والعلمي لتركيا مكتوب باللغة العثمانية ولكن ليس هناك مواطن تركي يمكنه قراءة صفحة واحدة من ذلك التراث الزاخر الذي يُعَدُّ بملايين الوثائق والمخطوطات القابعة في مكتبات تركيا، لا نستثني إلا الباحثين الذين تخصصوا في الدراسات العثمانية والتاريخية لتحقيق جزء يسير جدا من ذلك التراث.

فهذا الإجرام التاريخي بحق اللغة العثمانية هو تماما ما يراد تطبيقه فيما يخص اللغة الأمازيغية التي يريد المقيمون بفرنسا أن يجعلوها ابنةً غير شرعية للاتينية ومن ثَمَّ تحييد الأمة الأمازيغية عن تاريخها وحضارتها ودِينها.

وكذلك حين فرضت فرنسا الاستعمارية كتابة اللغات الإفريقية بالحرف اللاتيني وقطعت صلة الشعوب المستعمرة بآدابها وحضارتها، وأنشأت بذلك أجيالا تقدِّم الولاء لفرنسا والرجل الأوروبي على حساب الولاء للوطن الأصلي والانتماء الحقيقي لتلك الشعوب، فكتابة اللغة الأمازيغية بالحرف اللاتيني هو ولاء تامٌّ لفرنسا وأوروبا وتنصُّلٌ حقيقي من الانتماء الجزائري بكل قيمه ومبادئه وبكل خصوصيته التاريخية والدِّينية.

الأمر الثاني هو مسألة تعميم تدريس اللغة الأمازيغية على كامل التراب الجزائري، وهذا المطلب غير معقول مطلقًا ليس من باب رفض اللغة الأمازيغية كلغةٍ أو عدم الاعتراف بها؛ وإنما المشكلة في قضية التعميم بحد ذاتها، لأنه لا يمكن فرض تعلم لغة ما على قومية أخرى كما أسلفتُ في بداية المقال، وإذا ساغ لعربيٍّ أن يتعلم لغة جيرانه الأمازيغ فإنه بكل بديهية يجب أن يتعلمها بحرفها الأصلي لا بحرف فرنسا الذي تريد من خلاله توسيع احتلالها الفكري للجزائر.

سيكون الخروج من متاهة هذا الموضوع بأمرين بسيطين: أن يتعلم الأمازيغ لغتهم الموحَّدة بحرفهم التاريخي الموحَّد، الذي وإن كان بعضهم يزعم صعوبته وعدم مواءمته لعصرنا، فإنه لن يكون أكثر صعوبة ولا أكثر تعقيدًا من الحرف الياباني والحرف الكوري والحرف الهندي ولا حتى الحرف الذي تُكتب به اللغة الروسية. وأصحاب تلك اللغات كلهم تفوقوا في التكنولوجيا بتلك الحروف المعقدة لا بالحرف اللاتيني، والأمر الثاني أن يسعوا في أن تكون لغتهم لغة علم ودين وفنٍّ وحينها سيطلب الناس تعلُّمها ودراستها دون أن يكون ذلك نتيجة إجبارية التعليم ولا فرضها بالقانون.

الوسوم

الطيب صياد

صاحب رواية "العثمانية" خريج لغة ودراسات قرآنية وباحث في العلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.