مجتمع

“ليس للحرب وجه أنثوي” شهادات نساء شاركن في الحرب العالمية الثانية

 

“الذاكرة النسائية عن الحرب هي “قوة الضوء” الأقوى، من حيث توتر المشاعر، من حيث الألم. بل ويمكنني القول أن الحرب “النسائية” أشد رهبة من الحرب “الرجولية”. ص 20

اعتدنا إعتقاد أن الحرب عمل رجولي بحت، لا مكان للنساء به، إلا أن مشاركة النساء في الحروب ترجع لما قبل الميلاد، فقد شاركن في غزوات الإسكندر الأكبر، وقد انضموا للجيش اليوناني في إسبرطة وأثينا.

وقد ساهمت أكثر من إثني مليون امرأة في الحرب العالمية الثانية، منهم مليون فتاة سوفياتية، ولم يقتصر عمل الفتيات – كما يتصور البعض- على تقديم الخدمات الطبية، أو حتى العمل في المصانع، ولكنهن شاركن أيضاً في جميع الاختصاصات العسكرية، كـ”عناصر مشاة”، أو “قائدات طيارات”، أو كـ”قناصات”.

صدر كتاب “ليس للحرب وجه أنثوي” عام 1985، وترجمه للعربية “نزار عيون السود” لـدار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع، ويُعد  أشهر وأفضل الكتابات الصحفية للكاتبة “سفيتلانا ألكسييفيتش”، التي حصلت على جائزة السلام من معرض فرانكفورت للكتاب 2013، وحازت جائزة نوبل للآداب عام 2015، عن مشروعها الخاص بكتاباتها “ذات الأصوات المتعددة”، التي تجسد فيها أصوات وشهادات، أُناس عاصروا حروباً أو مآسي كما في كتابها “صلاة تشرنوبل”، و “فتيان الزنك” .


“أنا لا اكتب عن الحرب، بل عن الإنسان في الحرب. لا اكتب تاريخ الحرب، بل تاريخ العواطف والمشاعر، فأنا مؤرخة النفس والروح”

تُقدم “سفيتلانا” صورة مختلفة عن الحرب، على غير عادة كتب الحروب، لم تهتم بتدوين الانتصارات والبطولات فقط، ولكن جاء تركيزها على الإنسانية والمشاعر والتفاصيل الصغيرة، من خلال رؤية النساء للحرب، سواء كن من المقاومات ” الأنصار” أو منضمات للجيش السوفياتي النظامي، أو أمهات وأخوات للمقاتلين.

جمعت ودونت لنا “سفيتلانا” على مدار أربع سنوات، حكايات النساء وذكرياتهن المنسية عن الحرب، نبشت في أعماقهن، في ماضيهن، وعزفت لنا بمهارة سنفونية مميزة من الأصوات المختلفة، أصوات ذهبت للحرب بدافع من الحب، حب الوطن والأبناء، حب الحرية والاستقلال.

عندما دقت القوات الألمانية النازية أبواب “موسكو”، رغبت الفتيات في الذهاب للجبهة، تم استدعاء العديد منهن للتجنيد، وهرع بعضهن للتطوع، للدفاع عن وطنهن، او للأنتقام لذويهن، أو للبقاء بجوار الزوج والحبيب، وإن كان على جبهة القتال.

 

* لماذا تذهبين إلى الحرب؟”، سألتني.
**” انتقاماً لأبي.”             

  أوليانا أوسبيوفنا نيمزير، رقيب.

تنوعت الشهادات، وتعددت صور المعاناة، فتلك المرأة التي تضطر لإغراق وليدها في المستنقع حتى لا يجذب صوت بكائه الجنود الألمان، والأخرى التي عادت من الحرب مشوهة الوجه، وتلك العائدة بإعاقة دائمة، والقناصة التي ما زالت تذكر أول قتيل ألماني، ربما انتهت الحرب بالإنتصار، ولكنها ما تزال دائرة في عقول هؤلاء النسوة، “نعم نحن انتصرنا، ولكن بأيِّ ثمن؟ يا له من ثمن رهيب !”.

قد يختلف البعض في تصنيف ذلك الكتاب، هل هو عمل أدبي روائي، أم أنه مجرد تجميع لبعض القصص الحقيقة؟ ربما يفتقد الكتاب مقومات الرواية من حيث التشويق وتصاعد الأحداث وترابطها، إلا أن الكتاب نجح في تناول الجانب العاطفى والانساني، ونجحت “سفيتلانا” في ترتيب القصص وتجميعها بشكل جيد يجعل قراءتها واضحه ومكملة لبعضها البعض، كما أنها خلقت صورة حية للحرب، بأصوات مدافعها وطائراتها وبنادقها.

في النهاية يعدك كتاب “ليس للحرب وجه أنثوي” برحلة مؤلمة وموجعة وإنسانية، داخل أرض المعركة، على الجبهة، فتدرك مدى قسوتها، وحجم تلك الجروح والندوب التي تركتها في أرواح هؤلاء المشاركات بها.

 

فاطمة أحمد الدسوقي


مطورة تطبيقات أندرويد .. مهتمة بمجال الترجمة ومراجعات الكتب

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق