مدوناتغير مصنف

لحن متخبط

بقلم: ولاء رزق

صمت يخيم على طرقات المكان، يحمل بجوار صمت الليل صمت الجدران المحيطة, يحمل عبقا من أزمنة عبرت وأناسا مروا بهذا المكان، وكان كل حلمهم أن يظل المكان كما هو ينبض بالحياة، لكن الليل بصمته وسكونه، يجعل الحياة النابضة تصمت، ومرور الوقت والزمن يجعل نبض الأماكن يخفت مع قلة المارين بهذا المكان..

ولاء رزق

كان الجد نائما بجوار مدفأة عتيقة, وبجوارها كتاب مفتوح غفل وهو يجول بين دفتيه كي يقدر على حل تساؤلات حفيدته اليافعة، صاحبة الـ20ربيعا ..

طرقات البيت كانت صامتة للغاية، فلا أحد بالمنزل سوى هو وحفيدته، فدائما منتصف الشتاء يأتي هكذا وهما فى وحدة. سافر أبواها ورحلت الجدة منذ عامين والأعمام يأتون كل جمعة فقط ..

كان صمت المكان يجعلها أكثر قدرة على إبداع ماتحبه، فهي تعشق القراءة والتأمل، فتمضي ساعات طوال تتأمل كل شيء, حتى عقارب الساعة الكبيرة فى الصالون الفسيح للبيت، كانت تقف أمامه مشدوهة تتأمل حركات البندول لحظة بلحظة وتتعمق فيما وراء الوقت سرعة مضيه، تعاقب الليل والنهار وكل دقيقة تمر، ماذا فعلت بها وكيف أثرت بها.

كانت تجلس بغرفتها تقرأ رواية جديدة اهدتها لها صديقة، وفجأة اخترق صمت الليل صوتا كان أشبه بجلبه، ويكأن هناك أناسا يتشاجرون بهمهمات غير مفهومة, فتحت نافذة غرفتها كي تتبين الصوت، فإذا الصوت يظهر جليا أكثر..

لا ليست همهمات، إنه صوت موسيقى اعتادت سماعها كل يوم في ذلك الوقت، خاصة في ليالي الشتاء القارسة، الصوت كان يقترب لحظة بعد أخرى كأنه يلاحقها ..

 

لكني أريد ان اعرف كيف لمن يعزف البداية المبهرة أن يكمل حكيه ومعزوفته بألم ووجع؟ كيف لكل هذه المتناقضات أن تلتقي في لحن واحد؟

 

شعرت فجأة برغبة في الخروج من المنزل.. أخذت معطفها وجرت سريعا نحو الباب لكن بحذر شديد خوفا من إستيقاظ جدها..

نظرت للساعة الكبيرة فوجدتها قد تجاوزت الحادية عشر بقليل، أغلقت وراءها الباب ونظرت بالشارع فوجدت البيت المجاور لهم مفعما بالحياة. اطمأنت من داخلها وشعرت أنها بأمان نوعا ما.. جرت وراء الصوت، الصوت يتحول لشجن أكثر، الموسيقى الجميلة حفها الشجن فأصبحت بها مسحة حزن رهيبة. وصلت لمصدر الصوت لتجده صاحب البيانولا.. قد غفى بجوار آلته السحرية.

إبتسمت قائلة: “اهلا ياعم ما كل هذا الشجن الذي أسمعه؟ هل انتهى كل ما تحفظه من موسيقى؟! هل كل هذا حزن ينبع من داخلك وأنت غير قادر على حكي غيره وتخدعنا في البداية بموسيقى جميلة قد تأخذنا إلى عالمك الشجي هذا في النهاية؟! لم ياعم كل هذا الحزن؟! هل يوجد شيء واحد يستحق أن تشدو كما تبدأ العزف مبهجا فرحا!”

استيقظ فجأة صاحب البيانولا ليجد فتاة بجواره تكلم نفسها، فسألها: “هل أصابك مكروه يابنتى؟”، تفاجأت وردت بسرعة وهي تلف برأسها كي تعود للبيت: “لا لا.. كنت اتامل ما يصدر من آلتك، شدني الصوت فأتيت إليه.. ولابد ان اذهب الآن”.

أسرعت للمنزل وهي تسأل نفسها ألف سؤال، لم لم أخبره أنني كنت اسأله هو، واننى اريد أن أعرف لم كل هذا الشجن، وما الذي يجعلني اسأل من البداية ماهذا الفضول!

لكني أريد ان اعرف كيف لمن يعزف البداية المبهرة أن يكمل حكيه ومعزوفته بألم ووجع؟ كيف لكل هذه المتناقضات أن تلتقي في لحن واحد؟ هل الحياة مليئة بمتناقضات كثيرة في جعبة واحدة؟ ما أعرفه أن تناقضات الحياة منفصلة لاتلتقي في شيء واحد .

“كيف لوجع هذا الرجل أن يخترق بهجته فجأة! يكاد عقلي ينفجر من التفكير!”

دخلت البيت فوجدت جدها إستيقظ يبحث عنها, اعتذرت لخروجها وذهبت لغرفتها تحمل ألف سؤال بلا إجابة وألف رؤية للموقف بلا شيء واضح ..

تدخلات الحياة تكبر اكبر منها، وهي بكثرة تأملها أصبحت ترى من الحياة ما لايراه الآخرون.. كل المواقف تحولها للوحة لها عناصر، لها حياة، ولها أطر، وتفكر في كل شيء, لم يعد من السهل أن يمر شيء عليها دون أن تقف كثيرا، قد تنظر بداخله وتخترق دهاليز التفاصيل.. وضعت معطفها في مكانه ودخلت تحت غطائها وغطت في نوم عميق على أمل أن تجد إجابة لكل ماتريد!

ولاء رزق

كاتبة مصرية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.