مدونات

جدائلنا المفقودة

بقلم: حسناء العدس

لا تختلف قصتي عن قصة صديقتي عن قصة هذا الرجل العجوز.. جميعنا خرج من بيته ولملم أشياء ظن حينها أنها قد تنفعه..

 

أيقنت تمام اليقين أن وقت عودتي للمنزل لم يكن قريبا أبدا حين أسردت لي صديقتي قصتها، كأنها تحكي عن وقع خطواتي على سلم البيت وأنا أرحل، سرعة ضربات القلب وخفقانه أثناء لملمة الأشياء التي لا تدري هل هناك نفع لها أم ستكون عبئا في الرحيل، وكيف تعرف وهي لم تجرب الخروج بهذه الطريقة المفزعة من قبل؟!

أيقنت تماما حين عرفت قصة ذاك العجوز والعديد ممن هُجِّروا معه؛ حين قال لزوجه لملمي بعض الضروريات يا عزيزتي، يومان

حسناء العدس

وسنعود للبيت مرة أخرى… مرّ اليومان وعشر سنوات حتى زادت عن الستين سنة وكل يوم يخبرها أننا سنعود؛ وإلى الآن لم يعد شيء مكانه!

 

بدأت ألمح سواد تلك الأيام حين خرجت صديقتي الأخرى من بيتها وارتدت عباءتها فوق ملابس نومها، وانتشلت ابنها وزوجها بسرعة خارقة وصعدت على متن أول طائرة، لا تعرف أين وجهتها ولا مصيرها!

كانت أمانينا تحوم حول رؤية بعضنا ولو في طيف يمر سريعا؛ ونحن نعلم جيدا أن شيئا كهذا صعب الحدوث، وحينما وصل الأمر لبعثرة دائرة الأهل أيضا فأصبحت تحوم حول كونهم بخير وحسب، وأن يُدبر الخير ويكتب لقاء للأهل ولو مرة نذوق بعدها طعم الحياة..

حتى تلك الأماني كنا نُحسب في تعداد البشر بشرا!

فأصبحت أكثر مرونة عن سابقتها؛ فإذا بنا نتمى إذا مات أحدنا أن لا يموت مغدورا به في قصف أو قنص، ألّا يصيب الموت ظهورنا بل نستقبله من وجوهنا، وإذا اختفى أحدنا أن يكون ميتا خير من أن يقع في مكروه يصيب قلوب المنتظرين بالأسهم السامة بخبر حياته المميتة؛ إذا عُلم عنه شيئا من الأساس!

 

يكفيني كأم أن أُعذّب برؤية ولد لي مكلوم أو محبوس أو مشرد، أن يموت وهو حي.. أن تُبتر باقي أيامه أمام عينيه عبثاً، ويُلقى بها في سجن ملعون!

 

لم يكن الخروج أو التهجير أو ترك أي من متعلقات الحياة هي المعضلة التي تواجه أمثالنا، ربما تعودنا على أمور كهذه وأشد.

لكن مع مرور الوقت والزمن والحياة، نحاول التعلق بجدائل إنسانيتنا التي تندثر يوما بعد يوم تحت الركام والحطام جراء القصف والتشريد، نحاول لملمة أشلاء نفوسنا المنهكة من هول ما رأته في عمرها القصير، الذي لم يكتمل بعد!

فقط ألا نهجر فطرتنا السوية، ونقاءنا اللامع؛ حتى لا نعوّل على نفوسنا الطيبة فتجبرنا الحياة للضغط عليها وتشوب شيئا فشيئا.. يكفينا جوهر كهذا نتحمل من أجله كل تلك العذابات!

يكفيني كأم أن أُعذّب برؤية ولد لي مكلوم أو محبوس أو مشرد، أن يموت وهو حي.. أن تُبتر باقي أيامه أمام عينيه عبثاً، ويُلقى بها في سجن ملعون!

يكفينا كزوجات أن نُعذّب بالفراق والحرمان من سند الحياة ورفيقها على أعتاب تلك البلاد وسجونها!

أن نُرمّل ونحن في ربيع عمرنا لأزواج في ربيع العمر!

يكفيني عذاب أن يأتي عليّ كل صباح و لا تنعم عيناي بالنظر لوجه أبي وهو حي يرزق!

لولا وجود إله كريم عادل لهذا الكون ولهذه الحياة، ما تحمّلنا ولو خردلة واحدة من كل تلك العذابات..

 

حسناء العدس

مدونة مصرية، معدة برامج ومعلقة صوتية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.