ثقافة

المهندسة والراقصة التونسية غادة بلقاسم: الرقص فعل مقاومة رمزية وتصالح مع الجسد

حوار مجلة ميم مع الراقصة غادة بلقاسم

 

تدير مهندسة الكهرباء التونسية غادة بلقاسم، قسم الرقص الرقص بمركز “خطوات” الثقافي بمدينة سوسة (الساحلية).  وأوضحت غادة، في حوار مع مجلة “ميم” كيف رافقها هوى فنّ الرقص في مسيرتها، فأصبح جزءًا من شخصيتها، وأمكن لها أن تكون، إلى جانب خيارها المهني، وهو الهندسة، راقصة هيب هوب ومصمّمة رقصات ومغنية راب.

شاركت غادة بلقاسم في عدة تظاهرات فنية في تونس وخارجها، وساهمت في نجاح أبرز العروض الفنية الشارعية بتونس بعد الثورة.

 

أنت راقصة ومصمّمة رقص ومدربة رياضة، حديثنا  متى تسرب عشق الرقص وحب التعبير الجسماني إلي قلبك؟ 

في حقيقة الأمر، كنت أرقص منذ سنّ الثانية عشرة. وكانت أول رقصة لي مع الفريق المدرسي للرقص، ثم صعدت إلى الركح في مدينة سوسة لاحقا، وكبر بي شغف الرقص شيئا فشيئا إلى أن انخرطت في سنّ العشرين مع فرق معروفة في مدينتي. ومكّنني قدومي إلى العاصمة من التعرف إلى شبكة مهمة من الفنانين والراقصين.

كيف ترين تأثير الرقص في الإنسان؟

الرقص هو شكل من أشكال الذكاء، وهو في نفس الوقت دواء في عصر يقتل أحلام الشباب في كل العالم وليس في تونس أو الشعوب العربية فقط.

وأظن أنّ تأثير الرقص في الفرد واضح جدا، لكن، بالنسبة إلى المجتمع، لا أعلم لأي درجة يمكن أن يصل هذا التأثير. وعن تجربتي الشخصية في تأثير الرقص في الأفراد، يمكن أن أؤكد هذا الأمر، فقد تعاملت مع نساء علمتُهن الرقص، وتحديدا رقصة “الزومبا”، وكان لهذا الأمر تأثير واضح في حياتهن. فالرقص يساعد على استعادة الثقة في الجسد ويردّ الاعتبار للجسم. ولا أصف مدى سعادتي بعد أن رأيت لمعة الفرح في عيون النساء، خصوصا أنهن كنّ مترددات في البداية إزاء فكرة الرقص في حد ذاتها، إلا أنّه بعد مرور سنتين من تعلّمهن الرقص في مركز “خطوات” الذي أدير قسم الرقص به، توطدت لديهن علاقة الروح بالجسد.

ولكن هذا التأثير الصحي والسليم في الفرد يمكن أن يؤثر بالتالي في علاقته بالمجتمع؟

أشاطرك الرأي، فالجسد، للأسف، شئنا أم أبينا، نقمعه دون أن نشعر في مجتمعاتنا. وحتى أثناء حورانا مع الآخر، لا نعي بمدى فاعلية تأثير الحركات والتعبير الجسماني في توطيد العلاقات الاجتماعية. وبالنسبة إليّ، كل فرد متصالح مع جسده هو متصالح مع الآخر.

نلاحظ ولعا كبيرا للشباب في تونس والعالم العربي برقصة الهيب هوب، هل في ذلك محاكاة للغرب؟  

طبعا للإعلام تأثير كبير، فهو يمرر كثيرا هذا النوع من الرقص الذي اجتاح العالم، فيطبع هذه الأنماط الفنية في لاوعي الشباب كافة. لا اعتبر “الهيب هوب” رقصة غريبة خالصة، فرغم وجود رقصة الباليه والتانغو والصالصا التي يقبل عليها البعض من الشباب، ولكني أحبّذ “الهيب هوب” وختص فيه لعدة أسباب: أولها لأن الكثير من الراقصين الشباب، وأنا منهم، نصنف هذه الرقصات الكلاسكية على أنها رقصات الطبقة البوجوازية لأنّ دروس تعلمها تكلّف أبهض الأثمان، وثانيا لأنّ رقصة الهيب تقوم على مبادئ مهمة، وهي الدعوة إلى السلام والحب والمرح والمطالبة بالعدالة. فالطبقات الفقيرة هي التي اخترعت هذا النمط من الرقص، كما أن الشاب التونسي أو العربي قد ملَّ من ضغوطات التعليم والتلقين، فوجد ضالته في هذه الرقصة التي تتصف بحرية الإبداع و الجدّة. وهذا لا يمنع طبعا أن هذا النوع له تقنياته الخاصة، ولكنها ليست صارمة وصعبة مثل الرقصات الأخرى.

إذن، يمكن أن نقول إن رقصة الهيب هوب تعكس وعي طبقة إجتماعية مهمشة؟

نعم.. لأنّ هذه الرقصة أيضا، تتسم بالغضب، وهي تعبير جسماني يلتجئ إليه شباب الطبقة الفقيرة لجلب الأنظار إليهم، وبعث رسالة بمعنى: “انظروا نحن موجودون”، فهذا النمط من الرقص يحمل الكثير من الوجع، رغم أنه يوحي بالمرح، وحتى الكلمات المبتذلة التي ترافق موسيقى رقص الهيب هوب، هي وليدة واقع إجتماعي معين. ونلاحظ كذلك أن شباب المناطق الداخلية في تونس يقبلون أكثر على هذا النوع من الرقصات في مسابقات الرقص، وتستشعر كمتفرج وجود القهر والألم في حركاتهم.

كيف كان واقع الرقص في تونس قبل الثورة، وهل تغيّر بعدها؟

أذكر أن البلديات في احتفالات “السابع من نوفمبر”، (ذكرى انقلاب 7 نوفمبر 1987) في العهد البائد، تطلب منا المشاركة في إقامة حفلات، بل أنهم يستميتون في الحث عليها ولكنها تتجاهلنا بعد انتهاء الاحتفالات..

حصل تحسن في مجال الرقص، بعد الثورة، رغم أنه لا توجد إلى حد أي جامعة للرقص في تونس، أو أي هيكلة تنظيمة تُعنى بهذا المجال. ومن مظاهر هذا التحسن وجود راقصي الشوارع ومحاولات البعض في إنشاء فرق رقص. ولكن تراجع الأمر في السنوات الأخيرة، فظل هذا المجال مهمشا، فهو دون نخاع شكوي قويّ أو إشراف كاف، فالكل يرقص وحده ،حتى أكبر المسابقات في تونس مشكوك في أمرها، وكما وقع استغلال الراقصيين في عروض لفائدة النظام  البائد، يتم استنزاف طاقتهم في مسابقات لا تحتوي على أي فائدة لهم. أعتقد أن الأمر يتطلب كثيرا من الوعي حتى يتغير الواقع.

 ما رأيك في الشاب الفلسطيني الذي ظهر في تسجيل وهو يؤدّى الرقصة الشعبية الفلسطينية في مدن فلسطين؟ 

أسعد جدًا عندما أشاهد شخصا يرقص رغم أن أوضاعه في قمة الألم، فنحن نعلم أن الشعوب المحتلة تستحق السلاح للتحرر، ولكنها أيضا حرب نفسية وعقلية. فهذا الشاب، عبر رقصة الشعبي الفلسطيني، يقوم بفعل المقاومة الرمزية، لاسيما عبر إحيائه لمورثه الثقافي الشعبي، وهذا يدل على قوة شخصية وشجاعة كبيرة وعلى رسالة يمررها الفلسطيني يقصد منها أنّه من شعب يحافظ على الأمل والفرح، ويعبّر بالجسد الذي يرقص به ويقدمه أيضا للشهادة. وأعتبر أن هذا الشاب رمز لما يقال باللغة الإنكليزية “the survivor”، أي المتشبث بالحياة. ولقد شاهدت سابقا مقطع فيديو لشاب سوري يرقص الباليه أمام حطام ماخلقته الحرب، وكل هذه الأفعال هي أفعال مقاومة مجَازِية في رأيي، تدل على قوة هذه الشعوب. وتذكرنا هذه الرقصات بزوربا (اليوناني، بطل رواية نيكوس كازانتزاكيس) عندما رقص بسبب الحزن. ولكن كانت حركاته قمة في البهجة. وأنا أيضا أرقص عندما أكون حزينة، فتنهمر دموعي، إلا أن الرقص يطرد لاحقا كل هذه الشحنة السلبية.

 

 

الوسوم

رحاب الخترشي

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في علم الإجتماع

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.