مجتمعدين وحياة

الذكوري والنسوي: إشكالية الثنائيات في الفكر المعاصر

سلسلة الذكوري والنسوي (1)

 

عرف الفكر القديم والحديث مجموعة من الثنائيات التي ملأت ساحة النقاش المعرفي والبحث العلمي من قبيل: “العقل/النقل”، “العلم/العمل”، “الحكمة/الشريعة”، “الحداثة/الأصالة”، “الأنا/الآخر”، الشرق/الغرب”، “الاشتراكية/الرأسمالية”، “الإسلام/العلمانية” وغيرها… وصارت بعض الثنائيات المتداولة معيارا للتصنيف الإيديولوجي الحدّي كقولهم مثلا: “عقلاني/نقلاني”،  “إسلامي/علماني”، كما نجد بعض الثنائيات المتقابلة التي يعرف شطرها ولا يعرف مقابلها إلا في سياقات التداول منها الثنائية موضوع المقالة: “النسوي/الذكوري”، إذ لا نعرف اتجاها فكريا يعرف بـ”الذكورية”، وإنما ينتشر هذا الإطلاق في خطابات الاتجاه “النسوي”.

وسيكون من المجازفة الحديث المفصل عن تاريخ ظهور هذه الثنائية، إلا أنه معلوم أن ظهورها وتناميها كان مع بروز تيار النسوية feminism الذي عنى بدراسة مختلف القضايا من منطلق “النوع الاجتماعي”، وعرف هذا التيار أوجه مع  مجموعة من الرموز الرجالية والنسائية، لعل أشهرهم سيمون دي بوفوار التي اعتبرت أن النوع ليس مسألة فطرية أو طبيعية وإنما ثقافية ومكتسب.. ثم عرف تيار النسوية تطورا في مساره وقضاياه في العالم الغربي والعربي على حد سواء.

 

سيمون دي بوفوار

تطلق النسوية أو الأنثوية في مقابل النظام الأبوي أو النظام الذكوري، ومن خلال هذه الإطلاقات يتأكد لنا أنها عبارة عن رد فعل تتفاوت درجاته من أقصى الراديكالية إلى الاعتدال؛ فالتيار الراديكالي يرى في “الذكر” منافسا وجوديا ينبغي التصارع معه وإزالته.

وغالبا إذا أطلقت “النسوية” فإن الذهن ينصرف إلى هذا القسم، لذلك نجد كثيرا من المفكرين العرب ينتقد النسوية وفق هذا التوجه باعتباره الأشهر، ولا أدل على ذلك من كتابات عبد الوهاب المسيري وانتقاداته.

وقد بيّن أنه بعد انتهاء موضة الصراع بين الإنسان والطبيعة، انتقلنا إلى موضة أخطر وهي الصراع بين أنواع الإنسان نفسه، بحيث يتمركز الذكور حول ذكورتهم في صراع دائم مع الأنثى.

ويتمركز الإناث حول أنوثهم في صراع مع الرجال، لتنحل هذه الواحدية لتغدو واحدية مادية سائلة لا تعرف فارقا بين ذكر أو أنثى. ولذا، لا يتصارع الذكور مع الإناث، وإنما يتفكك الجميع ويذوبون في كيان سديمي واحد لا معالم له ولا قسمات، وهذا هو نفس النمط الذي يتبدى في كل الظواهر العلمانية الشاملة[1].

 

 

ويمكن أن يندرج في هذا القسم من لا يرى الذكر خصما وجوديا، إلا أنه يقول بالتفاضل النوعي، بتفضيل الجنس “الأنثوي” على “الذكري”، وذهبت بعض التيارات النسوية إلى أننا لو انطلقنا من الخصائص البيولوجية كأساس للتمييز بين الجنسين، فإن التفوق البيولوجي للمرأة المتمثل في قدرتها على الحمل والإنجاب، سيمثل سببا أساسيا في إحساس الرجل بأنه الأدنى.

بل تطور الأمر عند بعضهم إلى القول إن الرجل يحسد المرأة لهذا السبب؛ تقول كارين هورني: “إن المرأة هي التي تلد الذكر،

كارين هورني

ثم إن قدرة المرأة على الإنجاب قد لعبت دورا هاما في أن يحسد الرجل المرأة منذ القدم”[2]، وقد نمت هذه الأفكار خصوصا في ظل انتقاد الآراء الفرويدية في التحليل النفسي.

ويعتبر الشذوذ الجنسي أشرس تجل من تجليات هذا الاتجاه الأنثوي/النسوي الراديكالي، بزعم اكتفاء كل جنس بذاته، واستغنائه عن الآخر، ونجد عند بعض الحركات النسائية الراديكالية اعتبارها تحرر المرأة هو استغناؤها عنه كليةً، حتى قالت إحداهن: حركة تحرير المرأة هي النظرية، والمساحقة هي التطبيق[3].

وهناك اتجاه نسوي يمكن وسمه بـ”المعتدل”، وينتشر بكثرة في العالم العربي، ويرى هذا الاتجاه أن حقوق المرأة أقل من حقوق الرجل فيلزم المساواة بينهما، و المتأمل في هذه النظرة تتبدّى له إشكالية “المقايسة”؛ وهي “مقايسة مزدوجة” في السياق العربي؛ فهناك قياس المرأة مع الرجل؛ فيصير الرجل هو الأفق الذي تقاس عليه حقوق المرأة، وهناك قياس المرأة العربية مع المرأة الغربية، فتصير المرأة الغربية هي النموذج والمثال الذي ينبغي الارتقاء إليه.

وفكر “المقايسة” بقدر إيجابيته في ضرورة الارتقاء بالفكر بمقارنته بالفكر الآخر.. بقدر خطورته في وضع أفق محدود للمرأة وهو “الرجل”، إضافة إلى تنميط صورة المرأة، وجعلها تدور حول “أنموذج” موهوم؛ سواءً كان “الأنموذج” غارقًا في التاريخ أو الحداثة.. فجوهر إشكال “النمذجة” يكمن في الوقوع اللاواعي في التقليد[4].

حنة ارندت

ولا يمكن فهم تطور النسوية بمعزل عن “الفكرة الرأسمالية” التي أنضجت ظهورها وقوّت حضورها، إذ تنظر هذه الأخيرة للإنسان باعتباره وحدة إنتاجية، وهذا التصور يجعل الإنسان في أفضل الأحوال “حيوانا عاملا”، والعمل هنا وفق معناه المادي المنفصل عن أية أبعاد روحية أو دينية.

وتستند نظريات آدم سميث وماركس على مقولة العمل، واعتبار أن ما يميز الإنسان هو العمل وليس العقل وفق المفهوم الأرسطي أو الأخلاق وفق التداول الإسلامي، لذلك نجد احتقارا كبيرا من لدن ماركس وسميث للعمل غير المنتج باعتباره طفيليا أو نوعا من الشذوذ، و كان قياس الأشياء يتم وفق منظور إنتاجي، كما تقول ارندت[5].

وهذا التطور في اعتبار الإنسان “حيوانا عاملا” و”كائنا استهلاكيا” و”سلعة لها ثمن” مرده في الأساس إلى جعل “المادية” أصل التفكير، واعتبار قضاء الحاجة أصل حركة الإنسان في الكون، ومن ثمّ يغدو النظر إلى الإنسان على أساس “البعد الواحد”؛ وهو البعد المادي بتبعاته المادية والمصلحية الضيقة، مع تغييب الجوانب الروحية والقيمية والأخلاقية.

وعليه، فقد شكّل خروج المرأة للعمل جزءا من الفلسفة الرأسمالية لتدعيم القوة العاملة الرافعة لمستويات الإنتاج، لذلك فإن كثيرا من دعوات تحرير المرأة تندرج ضمن النسق الرأسمالي، فهي وإن كانت ثقافية في ظاهرها إلا أنها تخدم أجندات اقتصادية كبرى، إذ توفر المرأة اليد العاملة، الرخيصة في كثير من الأحيان، وتسهم في تقليل الكلفة المادية للإنتاج، وتتجاوز المرأة الرجل بكونها تعمل داخل البيت وخارجه !

ومن هنا قد كان الانتصار لحقوق “المرأة” استراتيجية اقتصادية معتمدة وإن تغلفت بغلاف حداثوي، فقد جعل الاتحاد السوفياتي من تحرير المرأة محور سياسة السوفتة التي اعتمدها في آسيا الوسطى في الثلاثينيات من القرن العشرين، تماما كما فعلت فرنسا إبان حرب الجزائر (ولكن ليس في حقبة الاحتلال السابقة؛ ومذ ذاك بقي الموضوع مركزيا، من حركة “لا عاهرات ولا خاضعات” إلى الدعم المقدم إلى أعيان هُرسي علي فإلى الحملة ضد الطالبان الأفغان التي شنتها صحيفة elle  بين عامي 2000 و2001. [6]

لذلك نجد الفلسفة الرأسمالية تقوم على مبدأ “العمل”، ونتج عن ذلك هيمنة مفهوم العمل المادي، وترسخ في النظريات الاقتصادية اعتبار الأسرة وحدة إنتاجية تبعًا لاعتبار الإنسان نفسه مجرد وحدة إنتاجية، يعيش لنفسه وبنفسه منفصلا عن الآخرين.

ومن ثمّ؛ كان من مخرجات هذه الفلسفة تأثيرها على الأسرة، سواء من حيث وجودُ الأسرة اليوم عند النسوية الراديكالية، أو في إعادة ترسيم وظائف الزوجين وفق مبدأ المساواة، والذي غالبا ما يتخفى وراءه خطاب الصراع بين الذكر والأنثى، في سبيل ترسيخ ثقافة تناهض الثقافة الذكورية الأبوية السائدة،  كما زعموا، لذلك يطفو دائما النقاش حول طبيعة هذه الأدوار، وماديتها أيضا، بالنظر إلى أن وظيفتي الإنجاب والأمومة لا يوجد لها مقابل مادي مثلا.

إن النسوية ليست ردّ فعل على التاريخ فحسب، وإنما على العقل؛ إذ إن المنطق الذي ابتكر ما أسموه بـ”الفهم الذكوري” ظل نفسه إلا أنه قابل الأفضلية الذكورية بالأفضلية النسوية، فالمنطق الاستدلالي واحد ولم يبلغ حد الارتقاء المطلق من الخروج من هذا النسق الثنائي التعارضي الضيق الأفق إلى أفق إنساني أرحب، فبدل الدخول في النقاشات: أيهما أفضل: المرأة والرجل؟ وأيهما أعلم: المرأة أم الرجل؟

هذه النقاشات التي تعبر عن فكرة صراعية من منطلق النوع والمتعارضة مع فطرة التنوع والاختلاف التي خلق الله عليه الخلق، كان يلزم الارتقاء بهذه النظريات نحو أفق أوسع  وأرحب  يتجاوز هذه الثنائيات ويتقصّد خدمة الإنسان كيفما كان جنسه ويأخذ بعين الاعتبار محيطه الذي يرتكز على “الأرض” كرحم جامع للإنسان.. نسق جديد يخرج من ضيق الثنائيات وتكون المصلحة العليا للمرأة والرجل على حد سواء، دون نظرة “المظلومية” التي تميز الخطاب “النسوي”.

يتبع…

————–

[1] – العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، 1/326.

[2] – لمزيد من التفصيل يرجى النظر ل: الجسد الأنثوي وهوية الجندر، خلود السباعي، ص 254.

[3] – ينظر: الفردوس الأرضي، المسيري، ص141.

[4] – يرجى النظر ل: المرأة بين نظرتين..نحو نظر جديد، جميلة تلوت. http://www.huffpostarabi.com/jamila-tal/-_4498_b_9406400.html

[5] – ينظر: الوضع البشري، حنة أرندت.

[6] – ينظر: الجهل المقدس، أوليفي روا، ص 206.

 

الوسوم

جميلة تلوت

باحثة في الفكر الإسلامي من المغرب

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.