الرئيسيدين وحياةغير مصنف

الاختلاف والنزعة الإقصائية في التاريخ الإسلامي‎

فكر إسلامي

 

الأصل في الاجتماع البشري هو الاختلاف والتنوُّع، وهذا الأصل يظهر في كل خصائص وميزات المجتمعات البشرية دون اعتبارٍ للمرحلة الزمنية أو الوجود الجغرافي، ذلك لأن طبائع الناس تختلف على كافة المستويات سواء الفيزيولوجية أو النفسية أو الإدراكات الذهنية، مما يعني أن “الاختلاف والتنوع” أمران طبيعيَّان مناسبان للجِبِلَّة التي خُلِق عليها الناس، وأن من يروم تطويع الآخرين على رأيه وفِكره أو دِينه ومذهبه أو ذوقه وهواه فإنه مصادِمٌ للطبيعة خارج عن الأصل، بل الواجب هو مسايرة التنوع بين مختلف الأفراد والمجتمعات ومعايشتهم على ذلك وتقبُّلُ الآخرين مهما كانت توجُّهاتهم وقناعاتهم، لأن ذلك مبنيٌّ على أصلٍ آخَرَ هو أن “الإنسان اجتماعيٌّ بطبعه”.

أي: أن طبيعة الناس تُجبرهم على الاجتماع والاختلاط، وما دام أن هذا طَبْعٌ لا تصنُّعٌ فإنه من البديهي أن يحدُث اختلافٌ بينهم في تنظيم علاقاتهم وخصوماتهم، وهذا الاختلاف راجعٌ إما إلى مصالحهم الفردية أو الجماعية وإما إلى معتقداتهم أو انتماءاتهم الفكرية أو المناطِقية، وإذا أردنا تأصيل ذلك من القرآن الكريم وجدْنا عدة نصوص تؤسس لهذه القاعدة الكبرى، من بينها قوله تعالى: “ولو شاء ربُّك لجعل الناس أمةً واحدةً، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربُّك ولذلك خلقهم” (سورة هود: 118- 119).

هذا النصُّ يشمل عدة نقاط نوضحها فيما يلي:

  • استمرارية الاختلاف البشري، وهذا واضح في استعمال عبارة “ولا يزالون” التي تدل على استمرارية الحركة وعدم ارتباطها بزمنٍ معيَّنٍ، فالاختلاف لا يزال قائما بين الأفراد والمجتمعات بنص القرآن الكريم.

 

  • استثناء “من رحم ربُّك” من الاختلاف لا يعني عدم وجود الاختلاف بينهم، بل هو إشارة إلى قلة الاختلاف بين الأمة التي رحمها الله، لأن دليل المعاينة لا يمكنه أن يكون نقيضًا لدليل الشرع، بمعنى أن ما نشهده من الاختلاف يبن المسلمين هو واقعٌ محسوس.

 

  • فلا يمكن أن نزعُم أن القرآن نفى وجود الاختلاف بين المسلمين، بل يجب تأويل هذا النصِّ إلى ما يحتمله من أوجه المجاز المناسِبة للعبارة القرآنية حسب قواعد اللغة، وانطلاقا من هذا فإنه يمكن تأويل ذلك الاستثناء على أن الاختلاف الموجود بين المسلمين هو اختلاف رحمة لا اختلاف عذاب، أو بمعنى أنه إذا وقع اختلاف بين المسلمين فلا يجب أن يؤدي إلى الاقتتال والتناحر والمكيدة، بل يجب ضبط ذلك النزاع بالحوار والجدال للوصول إلى نتائج ترضي جميع الأطراف وتحقق مبدأ “الوحدة في التنوُّع” الذي يعطي لنا مجتمعا متماسكًا ويحترم أصحابه اختلاف مشاربهم وآرائهم، وهذا بالضبط ما يحقق لنا الرحمة التي تصاحب الاختلاف.

 

  • أن الاختلاف أمر ضروري وجوديٌّ، وهذا منصوص في قوله تعالى: “ولذلك خلقهم”، أي: خلقنا للاختلاف، وهذا تأكيد للنقطة الأولى التي عبرنا عنها بـ”استمرارية الاختلاف” في المجتمعات البشرية، وهذا التأكيد يلغي تماما النظرية الإقصائية الأحادية التي تطبع بعض التوجهات التي ظهرت في التاريخ الإسلامي وتنامت في عصرنا هذا بصورة غير مسبوقة.

فإذا تناولْنا العهد النبوي والعهد الراشدي وصدرًا من العهد الأموي وكذلك العهد الأندلسي؛ سنجد أن المجتمعات الإسلامية بما فيها النخبة والعامة شهِدت تعايُشا على قدْرٍ كبير من التسامح مع الآراء المخالِفة سواءٌ الدِّيانات أو المذاهب والفلسفات وغيرها فضلًا عن التعايش الكبير على مستوى العِرْقيَّات والانتماءات القبلية والمناطقية.

ففي العهد النبوي تجانست القبائل العربية على نحوٍ غير معهود في تاريخ العرب التي كانت تُقيم الحروب على أساس النعرات القبلية والثأر، وفي عهد الخلفاء الراشدين حين انطلقت الفتوحات الإسلامية لتحرير الشعوب من حكم الديكتاتوريات الفارسية والرومانية وغيرها اندمجت المجتمعات المسيحية واليهودية وسائر الأديان ضمن الدولة الإسلامية الكبرى التي بدأت تستوعب كل من يقبل إقامة الحكم العادل ويرفض حكم الظَّلَمة الذين كانوا يستعبدون الناس.

وهكذا كان يعيش في وقت سيدنا عمر بن الخطاب -مثلًا- المسيحيون واليهود والمسلمون في مجتمع واحد يترافعون إلى قاضٍ واحدٍ يحكم بينهم بالعدل بغض النظر عن ديانة الظالم والمظلوم، واستمرَّت هذه الحركية الإيجابية طيلة عهود كثيرة دون أن ننكر ما تخللها من حِقَبٍ سوداوية تولى فيها أمراء السوء الحكم وزرعوا بسياساتهم التعسُّفية الفرقة بين المسلمين أنفسهم واستغلوا ذلك التفرُّقَ لأجل المحافظة على مناصبهم السياسية.

فالمقصود هو أن طابَع الاندماج وتقبُّل الآخر الدِّيني والعِرقي والمذهبي والمناطقي كان هو السائد على الأقل على مستوى الطبقات الشعبية والنُّخَب (وعلى رأس تلك النخب: الفقهاء المتحررون من التبعية للسلطة والمفكرون).

وحين نتأمل أصول العقائد التي بدأت في الظهور أواخر العهد الراشدي سنجد أن أعلام تلك الطوائف ورموزهم كانت تؤصِّل لهذا المبدإ من وجوب تقبُّل الآخرين مع الاحتفاظ بالقناعات، فأئمة المعتزلة كانوا يجالسون محدِّثي أهل السُّنَّة ويجالسون فقهاء أهل الرأي في بغداد والكوفة.

كما أن تلاميذ الإمام أبي حنيفة كانوا ينهلون من مرويات الإمام مالك بن أنس وكان الشافعي أحد أكبر تلاميذ مالك، فلما تصدَّر بدأ يؤلف التصانيف لمجادلة شيخه وِفاقًا وخلافا وكان في بغداد وقتَ الإمام الشافعي حركة كبيرة للمذاهب والانتماءات العَقَدية والفقهية، معتزلةً وفلاسفة وفقهاء ومحدِّثين وظاهرية وغيرهم، وقد درس بعضهم عند بعضٍ وصاحب بعضهم بعضًا وشهِدت كتب التراجم والتاريخ بكثير من الأمثلة لذلك.

فقد كان الإمام داود بن علي الظاهري تلميذَا للإمام الشافعي، كما كان كثير من شيوخ الإمام البخاري من كبار الشيعة والمعتزلة وحتى من كانوا يوصَفون بالخوارج، ولم نجِدْ ظاهرة الإقصاء والنظرة الأحادية التي يرفض أصحابها كل من يخالفهم إلا في مواقف أحمد بن حنبل وتلاميذه وأتباعه الذين كانوا يصفون كل من يخالفهم بالبدعة والضلالة والزيغ، وبرهان ذلك ما نجده في الكتب التي وضعها تلاميذ أحمد من كلام شيخهم التي يطعن من خلالها في كل من يخالفه في مذهبه خاصة في قضية “خلق القرآن”.

حيث شدد أحمد بن حنبل على وجوب أن يعتقد الإنسان أن “القرآن كلام الله غير مخلوق”، وأن من رفض ذلك فهو مبتدع ضال لا يجوز أن نرويَ عنه الحديث ولا يجوز أن نرويَ له أيضًا ولا يجوز مجالسته ولا مصاهرته ولا مؤاكلته، (تُنظر تراجم شيوخ الجهمية والمعتزلة والواقفية في روايات صالح بن أحمد وأبي بكر الأثرم وغيرهما من تلاميذ أحمد).

وقد وصل هذا التشدُّد من طرف الحنابلة إلى النهي عن مجالسة الإمام البخاري والتضييق عليه، ومحاصرة الإمام المفسر الطبري في بيته حتى الموت، وكُتب شيوخهم في باب العقيدة مليئة بتكفير الطوائف الإسلامية وتفسيق أصحابها وأنهم “أكثر ضلالا من اليهود والنصارى”، حتى نقلوا عن شيخهم أحمد أن توظيف النصراني أولى من توظيف المعتزلي والجهمي.

بل وصل الأمر إلى نصب العداء حتى لأهل السنة بمجرد خلاف صغير معهم، فهذا المنهج الإقصائيُّ لم نجده في المذهب الحنفي ولا المالكي ولا الشافعي ولا الظاهري، ولم نجد كبار أئمة الحديث كشعبة بن الحجاج وسفيان الثوري وابن عيينة، ثم كالإمام أبي بكر بن أبي شيبة ويحيى بن معين وغيرهم؛ لم نجدهم يرفضون رواية الحديث على أساس الانتماء المذهبي بل ينهون فقط عن أخذ الحديث عن الكذابين ونحوهم، وكل ذلك نجده حين نُجري مقارنات بين كتب التراجم والتأريخ التي ألفها الحنابلة وبين تلك التي ألفها علماء المذاهب الأخرى.

وعلى امتداد التاريخ الإسلامي وجدْنا النزعة الإقصائية تلقى رواجا كبيرا بين أئمة المذهب الحنبلي كأبي بكر الخلَّال وابن رجب الحنبلي وصولًا إلى شيوخ الوهابية وعلى رأسهم محمد بن عبد الوهاب التميمي وتلاميذه الذين كفَّروا الصوفية ووصفوهم بالمشركين وأن شِركهم أكبر ضررًا من مشركي قريش، وهذا ثابتٌ في كتب العقائد النجدية ورسائل ابن عبد الوهاب ومن بينها “كتاب التوحيد”، و”كشف الشبهات” وغيرهما.

الطيب صياد

صاحب رواية "العثمانية" خريج لغة ودراسات قرآنية وباحث في العلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق