مدونات

إسرائيل.. أنا أعترف!

بقلم: نضال حمدي

يوم لا كالأيام.. قرر ترامب فيه أن يعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل.. ضجت الدنيا ولم تهدأ.. غضب الناس ولم يصمتوا.. تظاهرت الشعوب ولم تستكن..

قلنا ستحرّر القدس وستنتصر الأمة.

نضال حمدي

لكن كالعادة لم يحدث شيء.

ويسأل الكثيرون بكل غضب أين الأمة ولماذا لا تتحرك الأساطيل والجيوش الجرارة على مذهب: وا معتصماه، الذي جاءها بجيش أوله عند العدوّ وآخره عند المستجار به.

لم تعد الدنيا كذلك وربما لم تكن أيضا كذلك لولا زيف في التاريخ ومبالغة أصبحت معلومة.

أصبح الحال فرقة وضعفا.. واسمحوا لي بشيء من التوصيف لا جديد فيه لكنه ضروري لفرش بسط النقاش. الوضع كالآتي: كان العرب قبائل متفرقة متقاتلة وعادوا كذلك..

هل انتظرتم توصيفا آخر؟

الحقيقة أن ما بينهما لم يعد يعني، لولا استحضارنا سبب اجتماعهم يوما ما. كان نبيّ صالح صادق مؤتمن على مستقبل الأجيال فاختار الناس المستقبل معه، وسرعان ما نكصوا إلى الماضي بعد ذهابه.

عدى تلك الأيام الوردية المزهرة بأمل خير للإنسانية جمعاء فلم يكن على سلم تاريخنا غير حروب ومقاتل متواصلة؛ بل القدس نفسها التي نبكيها اليوم ونتلاوم من أجلها كانت قد احتلت لما يقرب من قرن من الزمان..

هل يعني هذا أننا “محلّك سِرْ”، هي ليست بالضبط كذلك لكنها تحتاج أيضا توصيفا آخر وهو أننا: مازلنا نبحث عن انفسنا.

أؤمن بأن هذا العالم قام على نواميس لا تكسر أبدا، ومن تلك النواميس أن الأمة الصالحة هي التي ترث الأرض. وعلى ضوء هذا الناموس العظيم لنتساءل بصدق: لماذا لم نرث الأرض؟

وبعيدا عن فتاوى دار الإسلام ودار الكفر، فإن المنطق والتاريخ والجغرافيا يقولون اليوم إنه لم يعد مقبولا تكرارنا نفس الخطط مع انتظار نتائج مختلفة، حتى أن مثلا صينيا يعرف الجنون على أنه تكرارنا المقدس ذاك.

فالقدس أرض الله والمسجد بيت الله، والله يحمي بيته لكن أرض الناس يستعمرها الأقدر على التعمير.

إن من مآسينا ومصائبنا الكئيبة جهلنا بسبب خسارتنا القدس. لم يكن السبب يوما وراء قوة الصهاينة بقدر ما كان ضعفنا وقابليتنا للاستعمار (أو الاحتلال) على حدّ تعريف مالك بن نبي.

كرّروا ولا تملّوا: إسرائيل غير موجودة.. إسرائيل كيان سرطاني هلامي غير موجود.. لا نعترف بوجود إسرائيل.. لا توجد دولة اسمها إسرائيل.. كرروها وأعيدوا.. تناقلوها بينكم واحفظوها وحفظوها لأبنائكم.. ولا تنسوا معها أيضا مقولة صاحب النكسة: سنرمي إسرائيل في البحر.. أنشدوا الأناشيد.. لا وجود لإسرائيل.. واسعدوا باللحن الراقص على الدبكة أو الإيقاع المحفّز المحمّس.. حتّى يدقّ الجرس قنابل وصواريخ على رؤوس القوم وطائرات تصيب أي عاصمة من عواصنا لو أرادوا..

شاهدوا الحكومات العبرية تغتصب منا كلّ يوم أرضا جديدة وتابعوا الانتخابات العبرية وراقبوا بغضب وزارة الدفاع والموساد وكل المؤسسات، ثمّ قولوا: لا توجد دولة اسمها إسرائيل..

ابحثوا على قائمات الجامعات العالمية عن ترتيب جامعات العرب وابحثوا عن ترتيب جامعاتهم، ثم قولوا لا وجود لإسرائيل..

ابحثوا عن السلاح النووي هناك ثم قولوا بعزّة منتفخة: لا وجود لإسرائيل..

وكرروها بسعادة بلهاء: لا وجود لإسرائيل.

 

الاعتراف ليس موجها إلى العالم ولا لإسرائيل، الاعتراف موجه لنا نحن.. الاعتراف هو نظرة صادمة نعم، لكنها صادقة ومخلصة في أعين أنفسنا لنقول لأنفسنا وبوضوح: اعرفوا عدوّكم قبل التفكير في النصر عليه.

 

كم منّا من دارس للغة العبرية؟ كم منّا من عالم بخريطة المدن في فلسطين المحتلة حتى لا أقول إسرائيل؟ كم منّا من متابع لنشاط البرلمان في الدولة اللقيطة غير الموجودة؟ كم منّا من متابع لمساقات البحث العلميّ في بيت العنكبوت؟

بشروني أن النتيجة صفر أو ما يجاوره..

ثمّ تريدون أن نعيد القدس وكثير منا لا يعرف مكانها على الخريطة ولا يدري عن جغرافيتها شيئا؟

عفوا نسيت، القدس ستعود بالوعد النبوي، ولا وجود لشيء اسمه إسرائيل.. ونحن أمة المليار.

لا أثبط ولا أصعّب الأمور، فقط أقول وبكلّ تجرّد إنه آن أوان الجدية تجاه القدس والمعرفة اللازمة بما يقتضيه الصراع الوجودي كما نعرّفه ضد رأس الشر في العالم كما نسمّيه، الكيان الصهيوني.

كتبت مرة على أحد المنتديات الافتراضية حيث يجتمع عدد من “الناشطين” في دعم القضية الفلسطينية الجملة التالية: “أنا أعترف بوجود دولة إسرائيل”.. فقامت الدنيا ولم تقعد وتحولت في لحظة من “الأخ” أو “الرفيق” أو “الصديق” أو “المقاوم” أو أيّا كان المسمى للمعترف بهم على قائمة النضال الافتراضي ضد “الكيان السرطاني اللقيط”، إلى “الخائن” و “العميل” و “بائع القضية” و”تاجر الجملة والتفصيل” في القضية الجامعة وقلب الأمة النابض..

وجاءت الردود كلها على شاكلة: “لا يوجد شيء اسمه إسرائيل” وباقي المعاني المذكورة آنفا.. وعبثا حاولت الحصول على إجابة لسؤال: إذا كانت إسرائيل غير موجودة، فمن تحاربون؟ وسدى ذهبت جهودي في محاولة تفسير تلك الجملة البسيطة التي لا تشرعن لإسرائيل ولا حتّى تعترف بها ذاك الاعتراف الذي يريده منا الصهاينة، وإنّما كلّ القصد أنّنا يجب أن نواجه أنفسنا بحقيقة مفادها أنّنا عام ألفين وسبعة عشر يوجد على أرضنا المحتلة كيان قائم على شكل دولة فيها كل مقومات الدولة لولا أننا وقفنا دونها ودون الشرعية النهائية بعدم قبولنا تسليمها أرضنا مهما احتلت منها.

لكنّها رغم ذلك كلّه دولة باعتراف العالم ودولة بما تقتضيه الدولة من مؤسسات ودستور وقوانين وشعب (مهما كان لقيطا) وجيش وسلاح هم من يصنعونه لأنفسهم على عكسنا جميعا.. وهذه الدولة موجودة على أرضنا. فماذا جنيت عندما قلت أنا أعترف بوجود الدولة؟ على أني طبعا لا أعترف لها بشرعية.

والحقيقة أيضا أنه من القاسي علينا قول ذلك، لكن.. هل من المنطقي أيضا أن نغالط أنفسنا طيلة ما يقرب من سبعين سنة دون جرأة على قولها لأنفسنا؟ أيمكن الانتصار على عدوّ نصوّره في وعينا الجمعي هلاما أو بيت عنكبوت، يبدو على العكس متماسكا بقدر تهاوينا يوما عن الآخر؟ أيمكن إعادة القدس بعقول تخشى توجيه عيون منطقها نحو المرآة والاعتراف؟

الاعتراف ليس موجها إلى العالم ولا لإسرائيل، الاعتراف موجه لنا نحن.. الاعتراف هو نظرة صادمة نعم، لكنها صادقة ومخلصة في أعين أنفسنا لنقول لأنفسنا وبوضوح: اعرفوا عدوّكم قبل التفكير في النصر عليه.

حتّى أنتصر على إسرائيل يجب أن أعرف إسرائيل، وفقط.

نضال حمدي 

إعلامي تونسي

الوسوم

مقالات ذات صلة

رأيان على “إسرائيل.. أنا أعترف!”

  1. جميل ما كتبت و منطقي جدا و أتفهم العنوان المثير و أجزم لك أن أغلبهم وقفوا عنده و لم يكملوا حتى السطر الأول .. فلا فائدة ترجى منهم .. كل الدعم لك و لكل من يحاول تغيير طريقة التفكير في مجتمعاتنا الكئيبة..و هذا على ما أظن دور المثقفين.. كل التقدير يا إبن منزل بوزيان..نذير بنعلي/تونس

    1. جميل ما كتبت أخي كثيرا ما تنجرف شعوبنا العربية وراء حمية فضفاضة سرعان ما تذوي شعلتها لأنهم في قرارة أنفسهم يتهربون من الاقرار بحتمية وجود هذا العدو كما قلت اعرف عدوك لتدرك سبل هزمه والاطاحة به ومع هذا كلنا يرفض وجوده ولا يعترف بشرعيته ستظل القدس عاصمة فلسطين الابدية

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.