مجتمعالرئيسي

مخرج مسرحي تونسي يحوّل سجنا إلى مختبر إبداعي لتعديل السلوك

انطلقت الفكرة بعد تخرجه من المعهد العالي للفن المسرحي، ولئن سعى زملاؤه للمشاركة كمخرجين أو ممثلين في العروض الفنية المعهودة، وجد محمد أمين الزواوي نفسه أمام تحدّ فنّي، إما النمطية أو الاختلاف. وراهن على التميّز من خلال مشروع ثقافي نوعي داخل سجن “برج الرومي” في محافظة بنزرت شمال تونس العاصمة، وهو من أقدم السجون التونسية وعلقت به روايات التعذيب وشهادات الناجين من سنوات العقوبات القاسية التي قضوها به.

التجربة النموذج انطلقت من فكرة بسيطة نحو الهدف، يقول محمد أمين في تصريح لمجلة “ميم”: “أردت القيام بمشروع ثقافي مختلف يكون له دور كبير في الحركة المسرحية ويغيّر العقليات ويرتقي بالمجتمع، فقررت أن أقصد الأماكن المغلقة بعيدا عن الفضاءات المفتوحة كمراكز الإصلاح وإعادة التأهيل. وجاءت فكرة عمل فني داخل السجن فكتبت المشروع بتفاصيله وعرضته على اللجنة الثقافية والمندوبية الجهوية للثقافة بمحافظة بنزرت التي تبنت الفكرة واقترحتها بدورها على إدارة سجن برج الرومي التي فتحت لنا الأبواب بترحيب كبير، فكانت “وجيعة”.

وتابع: “كانت الفكرة تشمل 3 سجون، ولكن اخترنا أن ننطلق من خلال تجربة وحيدة يتم فيها التركيز على مختلف الجوانب ونقاط الضعف والقوة، يتم تعميمها في حال نجاحها، واشتغلنا على ذلك بعد أن تم الإعلان على انطلاقة المشروع وإحداث نادي مسرح داخل السجن”.

نحو تأسيس مسرح السجون

روى محمد أمين الزواوي، تفاصيل التجربة مع المساجين الذين وإن أبدوا تحفظهم في البداية، فقد تحرروا وأقبلوا على المشاركة بشكل لافت، يقول المخرج: “انطلقنا مع 5 مساجين وتحصلنا على مجموعة 12 سجينا، أغلبهم من ذوي الأحكام المطوّلة، شعُر كل واحد منهم مع مرور الوقت بالمساحة التي أتيحت له للتعبير بكل حرية، للضحك أو البكاء دون رقيب”.

وأضاف محمد أمين: “كانوا من شرائح مختلفة، من المثقف إلى من هو غير قادر على الكتابة أو القراءة. ولكني عملت على كسر حاجز علاقة الأستاذ بطلبته، وتعاملت معهم باعتبارهم أفراد عائلة واحدة، الشيء الذي ساهم في تنمية الجانب التفاعلي والشعور بالقرب فقدموا كل ما بإمكانهم لإنجاح الحدث”.

خضع العمل إلى مجموعة من المراحل للانتهاء وإنجاز مسرحية مكتملة المشاهد والأدوار. وبيّن محمد أمين أن العمل قام في البداية على ورشات ترغيبية لترسيخ اللحمة بين أفراد المجموعة، وتم الانتقال إلى اختيار موضوع عام للعمل الذي تمحور حول “تهريب الآثار”، ثم انطلقت عملية تفكيك الأدوار وتوزيعها على الشخصيات المتمثلة في “المهربين، والمشرفين على التنقيب..” وتم ذلك وفق رغبتهم في تجسيدها.

كان ذلك داخل فضاء مسرحي مجهز، يُعد من أحسن القاعات الموجودة في البلاد، وقد لا نجد مثله خارج السجن، حسب المخرج.

تطور المشروع، من مجرد مختبر صغير داخل السجن، إلى عمل فني بدافع الحب والصداقة وإرادة التغيير، التي تحققت بمجهود جماعي. وهو ما أثبته صاحب الفكرة: “تحقق هدفي، فقد عدّل المساجين من سلوكهم وانخفضت نسبة المشاكل داخل السجن وانخرط جميعهم في مشروع إصلاحي ساهموا في إنجاحه، حتى المواضيع التي كانت تثير نقاشات تغيرت لتشمل محاور اهتمامات أخرى”.

وعن اتهام البعض له بتبييض جرائم المتهمين يقول: “نحن لا نبيض ولا ندين، وكل شخص متهم هو فرد من المجتمع، لم نقم بصناعته، ولم نخرجهم في صورة الضحايا أو الأبطال، بل هي محاولة للإصلاح وإعادة البرمجة في شكل عملية تأهيل”.

وأكد أن الهدف من هذا المختبر المسرحي ليس صناعة ممثلين أو مخرجين بل هو تسهيل عملية اندماجهم مجددا داخل المجتمع وتصالحهم معه لضمان عدم إعادة الجرائم.

وحول إمكانية العمل على التأسيس لمسرح السجون في تونس، أوضح الزواري أنّ هذا التأسيس يحتاج عملا ومجهودا كبيرين، تنظيميا وهيكليا وجماليا.

سجناء برج الرومي من المسرح إلى التلفزيون

تم استضافة اثنين من المساجين في برنامج تلفزي تونسي في سابقة من نوعها. ويتحدث المخرج عن هذا الظهور بكل تأثر فيقول: “بكيت عندما رأيت سليم الخجول الذي كان عاجزا عن الكلام قادرا على المواجهة والنقاش متجاوزا لأزمته النفسية الحادة”.

وأضاف: “صنف محمد علي كأحد المساجين الخطرين جدا، وأراه اليوم يصافح الناس ويغنّي، شعرت أن رسالتي الفنية وصلت، وغيرت من سلوك البعض منهم، وستكون عملية اندماجهم مجددا داخل المجتمع سهلة”.

وهذا من صميم دور الفن والمسرح، وهو تغيير الواقع بطريقة جمالية، فقد ثبت أن الحلول الأمنية اليوم لم تعد مجدية والتجربة من خلال المساجين برهنت على قدرتهم في الإصلاح بعيدا عن الصورة النمطية للمجتمع وإصدار أحكام بشأنهم، حسب تعبير محدثنا.

ودعا الزواري إلى توسيع التجربة قائلا: “أصرّ على ضرورة أن تنتدب إدارة السجون أساتذة مسرح وفن تشكيلي… نظرا لدورهم الكبير، ولو تعمم التجربة سيتم إصلاح الكثير من النزلاء”.

يذكر أن العرض الأول لهذا العمل تزامن مع “يوم المسرح” في سجن برج الرومي، أما العرض الثاني كان في فضاء التياترو بالعاصمة، خلال أيام قرطاج المسرحية، حيث شهد إقبالا مكثفا. ومن المنتظر أن ينظم عرض ثالث خلال شهر جانفي/ مانون الثاني 2018.

 

 

 

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.