الرئيسيثقافة

فنّ الشارع في تونس.. كسر احتكار السلطة للفضاء العام

تتردّد في شارع الثورة، بتونس العاصمة، حيث انتفض الشباب التونسي رافضا للظلم والاستبداد وحيث صدحت الحناجر بعبارات لاتزال محفورة في ذاكرة كل عربي وأين ترجمت إرادة شعب يريد الحياة، أصوات الموسيقى في كل الأرجاء، لتجمع حولها المارة باختلاف توجهاتهم وأعمارهم.

 

أمام “باب بحر” أحد أبواب المدينة العتيقة لتونس، حيث تتفرع الأسواق والمقاهي، وتمتزج الألوان بإيقاع الحركة، وجدنا مجموعة Grint’art الفنية التي تتكون من 5 مواهب شابة لا يتجاوز سنهم 22 سنة، يمتعون الناس الذين تجمعوا حولهم بموسيقى مغاربية بأسلوب جديد.

هي مجموعة فنية شابة ملاذها الشارع الذي يجسد شكلا جديدا من الأشكال الفنية أو ما يصطلح عليه بـ”فن الشارع”.

وأصبح العرض اليومي بشارع الحبيب بورقيبة، عوْدا على المشهد الآتي: ينطلق عازف الغيتار ويشدو بصوته ليعلن بداية العرض، ليتبعه عازف الكمان في تناسق ثنائي، تضفي عليه الموسيقى الإيقاعية مزيجا رائعا، فتجذب المارة ويبدؤون بالتجمهر حولهم ويصفقون بحماس وبعضهم يرقص في مشهد مبهج.

ترى الأطفال يركضون نحو الموسيقيين ويحاولون تقليدهم فيتحسّسون بعض الآلات باحثين عن صدى حركاتهم، يحاول مرافقوهم إثناءهم عن ذلك ولكن دون جدوى.

يبادر جمهور الشارع بوضع بعض النقود في حقيبة الغيتار الموجودة أمامهم في حركة رمزية للتعبير عن امتنانهم لما مرّ على مسامعهم. وحين ينتهي العرض يتفرق الجمهور، وتأخذ الفرقة قسطا من الراحة ليعاد العرض مرة أخرى مع جمهور جديد متعطش للفن.

هكذا يقضي هؤلاء الشباب الفنانون يومهم في شوارع العاصمة، بعروض تلامس قلوب المتابعين وتضفي عليهم روحا جديدة.

مجموعة فنية تطمح للعالمية

تطمح هذه المجموعة للنجاح محليا والانتشار عالميا، بما تملكه من آلات بسيطة وأحلام كبيرة. ويقول محمد علي بن فرحات، ضابط إيقاع في المجموعة، لـ”ميم”: “ننشط منذ 9 أشهر ونؤدي موسيقانا في كل مكان حيث نضع مكبرات الصوت وآلاتنا الموسيقية وننطلق في العرض”.

ويضيف: “نريد أن يسمع كل الناس موسيقانا، وأن نَفرح ونُفرح التونسيين ونبهجهم معنا”.

وعن مدى تقبل الجمهور التونسي لهذه العروض، يقول: “يوجد احترام من الشعب التونسي الذين يقف للاستماع إلينا ولهذا النوع من الأداء”.

وتعود فكرة إحداث المجموعة لأسامة الزين وياسين الجلاصي، عازفا الغيتار والكمان، لينضمّ إليهما بعد ذلك، محمد علي فرحات ووائل عابد في ضبط الإيقاع وعزة الكعباشي في الغناء.

تتميز Grint’art، علاوة على صغر سنّ أعضائها، بالطموح ومحاولة إنتاج أعمال خاصة بها، “نعمل على تحضير أغان جديدة ونستعدّ لتظاهرات مع جامعات وجمعيات خيرية”، يقول محمد علي.

وتابع: “لاقت عروضنا نجاحا، والكثير من الأشخاص يتصلون بنا من أجل تظاهرات مختلفة، ونتطوع مجانا في أغلب الأحيان”.

أسامة الزين، يدرس في الجامعة ويعزف على آلة الغيتار منذ 5 سنوات، كان عضوا في مجموعة أخرى وخرج منها ليؤسس فرقته الخاصة، يقول: “أسسنا هذه الفرقة ليكون لنا أسلوبنا الخاص، نعمل في مختلف الولايات والحفلات الغنائية، ونتنقل من مكان لآخر”.

ويعود ذلك إلى الإقبال الكبير الذي تشهده المجموعة من قبل مسؤولين عن جمعيات وتظاهرات ثقافية، خاصة أن هؤلاء الشباب من رواد التحصيل العلمي ويتميزون بأغانيهم النوعية.

وائل العابد، يدرس باكالوريا وعازف على الآلات الايقاعية، وذلك لتأثره بوالده المختص في آلة “الدربوكة”، حيث كان يجوب معه حلقات السلامية، يقول لـ”ميم”: “تأثرت بوالدي وتوجهت لهذا الاختصاص هواية، إلى أن أصبحت عضوا في المجموعة وهاجسي اليوم هو أن تكون لنا بصمة تتجاوز المحلية إلى العالمية”.

وتعمل الفرقة على إعادة إنتاج الأغاني الجزائرية والتونسية بالأساس على غرار مجموعة “لاباس”.

وبالنسبة إلى عائدات العروض، فإنها تُجمع لشراء آلات جديدة، ويوضح وائل: “قمنا مؤخرا باقتناء مكبر للصوت ومصدح، بقرابة 600 دينار تونسية، ونعمل من خلال ما نكسبه على تجديد الآلات”.

تنشط المجموعة خارج وقت الدراسة، حيث يجتمعون، وتحضر العروض، في منزل أحد الأعضاء، بما تشمله من تنسيق وبروفه.

ياسين الجلاصي، أحد مؤسسي Grint’art، يعزف على الكمنجة هواية، وبعد أربع سنوات من دراسته في أحد المعاهد المتخصصة في الموسيقى، انضم إلى مجموعة عازفة الكمان التونسية، ياسمين عزيز.

يقول: “أريد إنتاج شيء جديد يختلف عن السائد، والهدف الأساسي هو أن نعرّف بأنفسنا وبموسيقانا في تونس”.

وترى أسماء المؤدب، المتابعة لفرق الشوارع إن طبيعة الموسيقى المقدمة والإطار المتمثل في الشارع، يوحي بمساحة لا محدودة من الفن والإبداع، خاصة أن التفاعل المباشر يسمح بتقييم فوري للعرض، وفق تعبيرها. وتضيف: “تَمثُّل الشبابِ للموسيقى في الشارع الرئيسي للعاصمة، هو دليل على نجاح الثورة التي جعلت منه مكانا للإبداع، وهو من جهة أخرى بمثابة الانتصار على الفكر الإقصائي والمتطرف”.

كسر احتكار الشارع

وعن الاعتراف المجتمعي والسياسي بفنّ الشارع، قالت الطالبة منال الدربالي، صاحبة دراسة “الفضاء العام كمساحة للوساطة الثقافية: استخدامات وجماهير فن الشارع في تونس”، لـ”ميم”: “فن الشارع ليس فنا جديدا إلا أنه اقترن بالثورة في تونس ﻷن السلطة كانت تحتكر الشارع بصفته فضاء عموميّا مشتركا وتوظّفه لغايات سياسية دعائيّة”.

الباحثة منال الدربالي

وأوضحت الباحثة أنّ الشارع كان محْملا لرسائل سياسية تستعرض فيها السلطة سطوتها من خلال تجميع المواطنين بشكل استعراضي يستمدّ من خلالها النظام الحاكم شرعيّته، بشكل يُمنع معه ممارسة أي نشاط آخر، لتخضع كل اﻷنشطة بما فيها الفنية، التي عادة ما تحمل رسائل سياسيّة مُشفرة، إلى ترخيص مُسبق من وزارة الداخلية، الذراع الأمني للنظام السياسي الحاكم.

وأضافت الدربالي: “وبعد الثورة ارتفع منسوب الحريات، كُسر الجدار بين الفنان والجمهور وأصبح الفنان هو الذي ينتقل بين المارّة والمتجوّلين وعابري السّبيل في الشارع، يستفزّهم بحركاته وألوانه وسيره المنتظم ونظراته الشاردة تارة والفاحصة طورا”.

وأشارت إلى أنّ عديد الفرق المسرحية التي نشأت بعد الثورة مثل فرقة “فني رغما عني” التي قدّمت عروضا مسرحية في عديد الجهات، كانت في كل مرة تحمل فكرة ورسالة سياسية مجتمعيّة،

وعن مدى رسوخ هذه الثقافة في تونس تقول: “لقيت عدة عروض استحسانا من المارة، وفي ذلك دليل على أنّ مسرح الشارع أو فن الشارع بدأ يتموقع وبدأ يحصل على اعتراف مجتمعي، من خلال تفاعل الجمهور معه ومساهمته بطريقة أو بأخرى في خلق المشاهد رفقة الفنان”.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.