مدونات

أمي ومدرس الرياضيات

مدونات

كان أخي في الصف الخامس الابتدائي حينها، عندما طرق مدرسه الخصوصي باب منزلنا، و أعطى أمي شهادة الامتحان التجريبي المنعقد قبل الاختبار النهائي بأيام، وقال لها: “ابنك سيرسب في الرياضيات.. وهذا وعد!”

تسنيم النخيلي

أخذت منه أمي إفادة العلامات وابتسمت في وجهه وقالت: “ابني سيحصل على الدرجة النهائية في الرياضيات.. وهذا أيضًا وعد”.

 

بدفئ احتضنت أخي، وقالت له أنه حتى لو رسب كما قال استاذه لا يهم، فهي لا تنتظر منه الدرجة النهائية أصلًا، هي فقط قالت له أنه سيحصل عليها لأنها تراهن عليه، و ليس بهدف إحراجه إن لم يُحصّلها.

 

ثم ماذا وإن رسب في الامتحان!

المهم أنه يبدع في مجالات أخرى، ثم اخذت أمي تعدد لأخي مواهبه،كيف أنه صنع دارة كهربائية في عمر مبكر، واستغلها مع بعض الأدوات الصغيرة والمواتير وعلب السمن الفارغة في أن يصنع نموذجًا لغسالة ملابس، و حاز على الجائزة التي نظمها نادي العلوم الذي يرتاده، وأنه تعلم بنفسه العزف على البيانو، وأنها تستمتع بمقطوعاته الموسيسقية الصغيرة، حتى أنها كانت تناديه في البيت بـ“بيتهوفن”.

قالت له إنها فخورة به أيضًا لأنه يحفظ القرآن من سن مبكرة، ويواظب على صلاة الجماعة. بل إن شيخ المسجد المجاور لمنزلنا أوكل له مهمة فتح المسجد قبل آذان الفجر حين كان عمره 10 سنوات لالتزامه بمواقيت الصلاة وتحمله المسؤولية.

أخبرته أنها سعيدة بكل ما أنجز، وبمشاركته في مدرستة في الأنشطة المتعددة، لذلك فهي لا تهتم بدرجة الرياضيات.

استنفرت أمي مع رسائل الطمأنينة تلك طاقاتها معه، و نصبت في البيت ما يشبه الخيمة حتى تشعره بروح الاستنفار تلك، صنعتها من أذرع المكانس وأغطية السرير. وضعت له فيها جرسًا معدنيًا، ليستخدمه في النداء لها كنوع من إشعاره بأهمية كل دقيقة تمر، فلا مجال لتضييعها في الخروج من “المعسكر” لأي طلبات ثانوية.

كانت تحضر له فيها الأطعمة وما يشتهي من الحلوى، وكان هو يشعر بعظم المهمة التي اتفقا على إنجازها معًا.

سنجتاز الاختبار!

وفرت له كل الأسباب المادية والمعنوية لا لينجح، بل يشعر أنه ناجح حتى لو فشل. ثم حل موعد الاختبار

وظهرت النتيجة، وأوفت أمي بوعدها.. وحصل أخي على الدرجة النهائية.

أتى الاستاذ إلى بيتنا مجددًا ليسأل أمي ماذا حدث في الأيام السبعة التي خلت. فأعطته الدرس: “كل ما في الأمر أني استفززت مواطن القوة فيه، وأنت دون قصد حاولت أن تكسرها.”

مرت السنون وأخي يحكي لنا الواقعة التي لايزال يذكرها، لا أعرف إن كانت أمي على علم أنها تحفر في ذاكرته الصغيرة ما سيشد عضده في مواجهة أي فشل ولو بعد حين، أم فَعلتها اتساقا مع الموقف حتى لو لم يذكر فعلتها أخي!

المحصلة أنه تعلم أن يبحث بنفسه عما يحب أن يفعله وليس عما ينبغي فعله، وأن للنجاح مواطن كثيرة، غير درجة الرياضيات..

التدوينة منشورة على موقع العدسة

تسنيم النخيلي

صحفية مصرية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.