سياسة

رجب طيب أردوغان.. بائع الكعك الذي صار زعيما

زيارة أردوغان إلى تونس

سليمة كراك- مجلة ميم
شهر جانفي عام 2009 شهد حدثا نادرا خلال أشغال منتدى “دافوس” الإقتصادي بسويسرا، رئيس وزراء مسلم يهين رئيس الكيان الصهيوني المحتل شيمون بيريز، لمقاطعته أكثر من مرة وهو يلقي كلمته وينسحب من أشغال المنتدى غاضبا ومعترضا على إدارة الجلسة بأسلوب غير حيادي، حركة لفتت إنتباه الملايين من العرب والمسلمين أمام شاشات التلفزيون من الذين أعيتهم مناخات الإنكسار والتطبيع.

تلك الليلة لم تكن عاديّة في تركيا أين احتشد الآلاف لاستقبال رجب طيب أردوغان بعد ساعات من مغادرة مؤتمر دافوس حاملين الأعلام التركية والفلسطينية ولوحوا بلافتات كتب عليها “مرحبا بعودة المنتصر في دافوس” و”أهلا وسهلا بزعيم العالم”، ليلة شهدت بروز مؤشرات “زعيم إسلامي”.
من أصل قوقازي جيورجي، عاشت عائلته في حي مكتظ بالفقراء بالعاصمة إسطنبول أينمارس رياضة كرة القدم لمدة 16 عاما ودرس بإحدى المدارس الإسلاميّة التي ظلّ يبيع الكعك بالسمسم والبطيخ وعصير الليمون في عطلة الصيف لتأمين تكاليفها ولمساعدة والده الفقير، وتخرج بعد ذلك من ثانوية الأئمة والخطباء وحصل على شهادة الاقتصاد والتجارة من معهد مرمرة، وعمل بالتجارة.
بدأت مسيرته السياسية مع حزب “السلامة الوطني” بزعامة نجم الدين أربكان وتولى منصب رئيس الحزب في مدينة إسطنبول عام 1976 ومنذ تلك الفترة لم يفارق زعيمه نجم الدين أربكان حتى في فترة الحظر السياسي الذي فرض على أربكان بعد الانقلاب العسكري عام 1980.
عام 1985، تولّى أردوغان منصب رئيس حزب ” الرفاه” في إسطنبول وهو لا يزال في سن الثلاثين سنة، ورشحه الحزب لانتخابات البرلمان في أعوام 1987 و1991، لكن لم يحالفه الحظ في كلا المرتين. وفي الانتخابات البلدية عام 1994 فاز وأصبح عمدة إسطنبول، وحقق أثناء رئاسته إنجازات كبيرة في المدينة، وهو الأمر الذي حببه إلى الناس.
عمل أردوغان بعد إنتخابه على تطوير البنية التحتية لمدينة إسطنبول وإنشاء السدود ومعامل تحلية المياه لتوفير مياه شرب صحية لأبناء المدينة، وكذلك قام بتطوير أنظمة المواصلات من خلال أنشطة شبكة مواصلات قومية وقام بتنظيف الخليج الذهبي (مكب نفايات سابقا) وأصبح معلما سياحيا كبيرا.
تمكّن السياسي الشاب في ظرف وجيز من انتشال بلدية اسطنبول من ديونها التي بلغت ملياري دولار وحولها إلى مدينة جاذبة للاستثمارات، الأمر الذي أكسبه شعبية كبيرة في عموم تركيا، لكن هذه الشعبية لم تشفع له حينما خضع لإجراءات قضائية من قبل محكمة أمن الدولة في عام 1998 وحكم عليه في ديار بكر بالسجن عشرة أشهر ومنع من ممارسة النشاط السياسي بسبب شعر تلاه في أحد خطاباته السياسية اعتبرته المحكمة تحريضا على قلب النظام العلماني وإثارة مشاعر الحقد الديني بين أفراد الشعب. وكانت الأبيات للشاعر التركي الإسلامي محمد عاكف، وفيها يقول الشاعر: “المآذن حرابنا ..والقباب خوذاتنا.. مساجدنا ثكناتنا …والمصلون جنودنا.. وهذا الجيش المقدس يحمي ديننا”.
دخل أردوغان السجن لمدة أربعة أشهر، وخرج منتظرا الفترة التي ينتهي فيها الحظر السياسي. وبعد مدة وجيزة أصدرت الحكومة عفوا عاما وأدخل البرلمان بعض الإصلاحات على قانون الجزاء التركي، وهو الذي فتح الأبواب أمام أردوغان ليمارس نشاطه السياسي بحرية.
وبعد حل محكمة الدستور لحزب “الفضيلة” شكل الجناح التجديدي في الحزب تنظيما جديدا أطلقوا عليه اسم “العدالة والتنمية” وترأسه أردوغان، ولتجنّب أي صدام مع النظام أعلن “العدالة والتنمية” أنه سيحافظ على أسس النظام الجمهوري ولن يدخل في مماحكات مع القوات المسلحة التركية وقال :”سنتبع سياسة واضحة ونشطة من أجل الوصول إلى الهدف الذي رسمه أتاتورك لإقامة المجتمع المتحضر والمعاصر في إطار القيم الإسلامية التي يؤمن بها 99% من مواطني تركيا”.
ساعد أردوغان في فوز حزبه بالأغلبية في انتخابات عام 2002 الأمر الذي جعله يشكل الحكومة منفردا برئاسة عبد الله غول بدلا من أردوغان الذي كان لا يزال خاضعا للمنع القانوني الذي رفع عنه بعد أشهر إثر تعديل الدستور وتمّ تعيينه رئيسا للوزراء ليلقي بثقله كاملا من أجل دخول تركيا إلى الإتحاد الأوروبي، خطوة إعتبرها المحللون والباحثون ذكيّة جدّا لإنتزاع تركيا من وطأة دكتاتوريّة الحكم العسكري عبر إدماجها في فلك الديمقراطية الأوروبية.
بعد توليه رئاسة الوزراء، عمل على الاستقرار والأمن السياسي والاقتصادي والاجتماعي في تركيا، وتصالح مع الأرمن بعد عداء تاريخي، وكذلك فعل مع اليونان، وفتح جسورا بينه وبين أذربيجان وبقية الجمهوريات السوفيتية السابقة، وأرسى تعاونا مع العراق وسوريا وفتح الحدود مع عدد من الدول العربية، ورفع تأشيرة الدخول، وفتح أبوابا اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية مع عدد من البلدان العالمية، وأصبحت مدينة إسطنبول العاصمة الثقافية الأوروبية عام 2009، كما أعاد لمدن وقرى الأكراد أسمائها الكردية بعدما كان ذلك محظورا، وسمح رسميا بالخطبة باللغة الكردية.
شيئا فشيئا، تحوّل أردوغان إلى زعيم لتركيا معلنا تسديد أخر القروض عليها قبل أن تتحوّل تركيا إلى لاعب دولي رئيسي في العالم وإلى زعامة إسلاميّة في المنطقة فشل مخطّط عسكري للإنقلاب على الحكم فيها بفضل الديمقراطية واليقظة الشعبية من أنصار أردوغان ومعارضيه أنفسهم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.