سياسة

الإمارات في اليمن: توسّع وسجون سرية وتمرّد

ملف: الدور الإماراتي في المنطقة

رعت الأمم المتحدة منذ منتصف عام 2015، ثلاث جولات من المشاورات بين أطراف الأزمة اليمنية، على أمل التوصل إلى حل سياسي، غير أنها تعثَّرت في إنهاء الحرب، في البلد الأكثر فقراً في العالم.

وتتّجه أصابع الاتّهام إلى أطراف عديدة، بينها مكونات التحالف العربي، بالمشاركة في واحدة من أكبر الجرائم البشعة بحقّ الشعب اليمني، جنبا إلى جنب مع جماعة الحوثي التي تحالفت مع المخلوع علي عبد الله صالح ضدّ الثورة اليمنية قبل أن تغتاله في نهاية سنة 2017.

ومن بين أكثر المواضيع المثيرة للجدل في الأزمة اليمنيّة، أدوار الإمارات التي تشارك في التحالف العربي الذي تقوده السعوديّة، ولكنّها “تعزف منفردة” على أرض اليمن معمّقة حالة التشرذم والانقسام ومستعملة وسائل عدّة، أبرزها المال والعمل الإنساني لبسط نفوذها على مناطق إستراتيجية وعلى ثروات طبيعية مهمّة في البلاد.

 

سجون سرية

في منتصف شهر جوان 2017، كشف تحقيق أجرته وكالة أسوشيتد برس عن وجود شبكة سجون سرية في اليمن تديرها دولة الإمارات، ويخضع فيها المعتقلون لأصناف مختلفة من التعذيب. وقالت الوكالة إنها وثقت وتحققت من حوادث لاختفاء مئات الأشخاص في هذه السجون السرية بعد اعتقالهم بشكل تعسفي، تحت عنوان ملاحقة أفراد تنظيم القاعدة.

وبحسب المعلومات التي أوردتها الوكالة، فإن هذه السجون كانت تشهد حالات تعذيب وحشية تصل إلى حد “شواء” السجين على النار.

وأقر عدد من المسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بأن واشنطن شاركت في استجواب محتجزين في هذه المعتقلات السرية التي تشرف عليها قوات يمنية وإماراتية، وبأنها تستطيع الوصول بشكل دائم إليها، وهو ما قد يشكل انتهاكا للقانون الدولي.

 

سجن سرّي إماراتي في اليمن

 

وأوضح تحقيق أسوشيتد برس أن هذه السجون توجد داخل قواعد عسكرية ومطارات وموانئ يمنية عدة، بل حتى في مبان سكنية.

وأشارت الوكالة إلى أنها وثقت ما لا يقل عن 18 سجنا سريا في جنوب اليمن تحت إدارة الإماراتيين أو القوات اليمنية التي شكلتها ودربتها الإمارات، وفق تقارير جمعتها من معتقلين سابقين وعائلات السجناء ومحامين وحقوقيين ومسؤولين عسكريين يمنيين.

 

مساندة الانفصال

منذ استعادتها في جويلية سنة 2015 تفرض الإمارات سيطرتها على مدينة عدن وتقوم قواته بتأمين مبان حكوميّة ومنشآت حيوية مهمة في المدينة، إلى جانب المطار والميناء التجاري للمدينة.

القوات الإماراتيّة في عدن لم تكن مجرّد شريك في تدخّل عربي لتحرير المدينة من الحوثيين، ولكنّها كانت أساسا قوّات لبسط النفوذ باعتبار أهميّة مضيق باب المندب الذي تعتبره دولة الإمارات امتدادا لأمنها القومي، وهو الأمر الذي دفع الإمارات إلى فصل مدينة عدن عن نفوذ الحكومة الشرعيّة وتحريض المسؤولين الموالين لها في المدينة على عدم الخضوع لقرارات عبد ربه منصور هادي.

الأزمة بين الحكومة الشرعيّة اليمنيّة والإمارات بدأت في سنة 2012، عندما خسرت الإمارات عقد تشغيل موانئ عدن الدوليّة بعد أن كشفت سلطات البلاد أنها تعمل على تدميرها لصالح موانئ دبي العالميّة وهو ما دفعها إلى السيطرة على المدينة ومرافقها ومن بينها الموانئ وتسييرها بشكل أحادي رغم اعتراض السلطات.

 

عيدروس الزبيدي محافظ عدن المقال

لم تكتف الإمارات بالسيطرة على مرافق المدينة وتسييرها لصالحها فحسب، بل أعلنت تأييدها لانفصال الجنوب اليمني مساندة لتمرّد محافظ المدينة، عيدروس الزبيدي، رفضا لقرار عزله من طرف رئيس البلاد، وتنصيب نفسه رئيسا على دولة الجنوب بعد ذلك، هذا الانفصال رعته الإمارات بالسلاح والمال والإعلام وبكل الأشكال المتاحة، فقد قامت قوات إماراتية في المدينة بقصف قوات الحماية الرئاسية التابعة للرئيس اليمني، وكذلك منع طائرته من الهبوط في مطار عدن الدولي، ورفض تنفيذ قرارات رئاسية له بتغيير مدير مطار عدن الدولي ومناصب حكومية في المحافظة الجنوبية.

استحواذ الإمارات على مدينة عدن ودعمها للانفصال، إضافة إلى أشياء أخرى كثيرة مثيرة للجدل، أقدمت عليها القوات الإماراتية المتمركزة في المدينة، أثارت شبهات كبيرة، حتّى وسط التحالف العربي الذي تقوده السعودية نفسها في اليمن بشأن تقاطعات واضحة بين الإمارات والحوثيين في المدينة، وهو ما دفع بالسعوديّة إلى توجيه قوّات عسكريّة إلى المدينة في محاولة لاستعادتها من النفوذ الإماراتي.

 

سرقة النفط والغاز

تمكّنت الإمارات في الثلاث سنوات الأخيرة من بسط نفوذها كاملا على كل منابع النفط اليمنية في جنوب البلاد وتشير مصادر من الحكومة الشرعية اليمنية أن الإماراتيين يستعملون ميناء “الضبة” الحضرمي لتصدير شحنات نفطية من حضرموت دون إذن الحكومة اليمنية أو ترخيصها، منذ ما يزيد عن عام ونصف.

سعي الإمارات للسيطرة على الموارد النفطيّة لليمن له ما يؤكّده فعندما اتجهت حكومة عبد ربه منصور هادي نحو استئناف إنتاج النفط في عدد من المحافظات الجنوبية، لكن المفاجأة كانت أن الإمارات، عبر قواتها المتمركزة في ميناء الضبة النفطي، رفضت السماح بنقل كمية النفط المخزنة في منشآت الميناء إلى الأسواق العالمية.

المصادر الحكومية اليمنية أكّدت أيضا أن الإمارات تخطط للاستيلاء على غاز محطة بلحاف في محافظة شبوة جنوب اليمن وذلك لاستغلاله في تعويض الغاز القطري منذ إندلاع الأزمة الخليجيّة الأخيرة.

 

منابع النفط والغاز باليمن مطمع للإماراتيين

أجندات تحت غطاء العمل الإنساني

قبل الثورة اليمنيّة بسنوات قدم  إلى جزيرة سُقطرى اليمنيّة الواقعة في المحيط الهندي قبالة خليج عدن رجل أعمال إماراتي قام توزيع الصدقات والهبات المالية، وبناء مراكز للأيتام، وشراء الولاءات لشخصيات فاعلة في الجزيرة، وكذلك توزيع مولدات كهربائية على القرى والمناطق الريفية، قبل الانتقال إلى شراء مساحات من الأراضي وبملايين الريالات تحت غطاء “العمل الإنساني”. واختفى إثر الثورة اليمنيّة ليعود بعدها بالتزامن مع تشكيل “التحالف الإسلامي” الذي تقوده السعوديّة إلى الجزيرة مندوبا لمؤسّسة خليفة بن زايد الخيريّة، وبدأ من جديد يمارس نشاطه السابق، إلاّ أنه أضاف إليه بعض اللمسات هذه المرّة بإقامة “سهرات ليلية” على السواحل والمتنزهات تثار حولها شبهات عدة.

 

رجل الأعمال نفسه، المندوب الحالي لمؤسسة خليفة بن زايد الخيريّة، توصّل إلى شراء الجزيرة بشكل غير مباشر، عبر شراء الولاءات في المدينة وتقديم العطايا والهدايا للمسؤولين هناك، وصولا إلى تسفير شبابها المعطّلين عن العمل إلى الإمارات بعقود شغل في شركات حراسة، وأصبحت الجزيرة اليمنيّة بفضل أمواله السخيّة (التي قد لا تكون أمواله الخاصة) تحت الوصاية الإماراتيّة بشكل كلّي نظرا لموقعها الإستراتيجي المهمّ.

بعد شراء الولاءات وتحييد الأصوات المعارضة لها أو تغييبها بالكامل بشكل أو بآخر، دفعت الإمارات بمجموعة من الضباط إلى الجزيرة، على الرغم من رفض الحكومة اليمنيّة الشرعيّة وبدأت في استنزاف مواردها البحريّة على وجه الخصوص التي باتت تصدّر إلى الإمارات أسبوعيا عبر رحلة خاصّة، والأدهى أن الإماراتيين قد بدؤوا رسميا في أشغال بناء قصر للشيخ منصور بن زايد آل نهيان على قلعة “حواري” التاريخيّة.

 

أجندات مخابراتيّة واقتصاديّة تحت غطاء العمل الإنساني

 

تحت غطاء العمل الإنساني والخيري وضعت الإمارات جزيرة سقطرى الإماراتيّة تحت وصايتها بشكل كلّي بحكم أهمية موقعها الإستراتيجي رغم إعتراض الحكومةالشرعيّة اليمنيّة وبعض من السكّان المحليين على الجزيرة.

لم يتوقّف الأمر عند جزيرة سقطرى ففي عام 2011 كشفت سلطنة عمان عن شبكة تجسّس إمارتيّة تحت غطاء “العمل الخيري الإنساني” تستهدف استقرار السلطنة من خلال إيجاد موطئ قدم لها في محافظة المهرة المحاذية لحدودها مع اليمن، وقد تدخّل أمير الكويت حينها لإحتواء الأزمة قبل أن تتطوّر إلى صراع علني.

ورغم بقاء المهرة خارج دائرة الحرب الدائرة منذ أكثر من عامين، بين القوات الحكومية المدعومة من التحالف العربي الذي تعد الإمارات أحد أعضائه البارزين، وبين مسلحي الحوثيين، لكن وضعها الاستثنائي لم يبق طويلا، بل دخل في دائرة الطموح الإماراتي الذي أثار حفيظة عُمان، التي ترى فيها مركز نفوذ تقليدي لها.

وكما فعلت في مدن يمنيّة أخرى، بدأت الإمارات عملها عن طريق “الهلال الأحمر الإماراتي”، تحت عنوان العمل الخيري الإغاثي، وبدأت في شراء الولاءات وذمم المسؤولين وقيادات العشائر في المهرة وعبر شبكات التسفير إلى أبو ظبي للشباب العاطلين عن العمل من أبناء المدينة. كما قامت بتشويه منظمات العمل الإنساني العمانية التي كانت سابقة لها على أرض المحافظة، وهي خطوات اعتبرتها سلطنة عمان تدخّلا يمسّ من نفوذها الذي ظلّ ثابتا في المحافظة التي يدين مسؤولوها وحتّى محافظها نفسه بالولاء لمسقط.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.