سياسة

أجندة الإمارات في القدس: من التهويد إلى التصفية

الدور الإماراتي في المنطقة

أنس الخالدي- رام الله- مجلة ميم

مثّلت مبادرة المبك عبد الله مرحلة مهمة في الصراع العربي الصهيوني، وقد نشأ بموجبها حلف جديد يدعى “محور الاعتدال” الذي تخندق بشكل واضح إلى جانب العدوّ المحتلّ، لا مع الضحيّة، كما تشير إلى ذلك الخطابات الرنانة ومساحيق تجميل المبادرات العربيّة التي لم تنجح في ملف القضية الفلسطينية.

الجدل حول تموقع “محور الاعتدال” من القضية الفلسطينيّة، الذي يتصاعد في كل أزمة أو مع كل تطوّر للأحداث على الأراضي المحتلّة، مازال مكتفيا ببعض المواقف المعلنة أو اللقاءات والزيارات التي لا يمكن توصيفها إلاّ بالتطبيع، غير أن بعض الملفّات تكشف ما هو أكبر من ذلك بكثير، فبعض مكونات هذا المحور تحوّلت إلى عدوّ مباشر على الأرض الفلسطينية، للفلسطينيين.

دولة الإمارات باعتبارها أحد مكونات “محور الاعتدال” العربي لا تتوانى في التعامل مع الكيان الغاصب بأشكال مختلفة داخل ترابها وفي أوروبا والولايات المتّحدة الأمريكيّة وقد تحوّلت بفضعل إنحيازها لبعض الوجوه الفلسطينيّة المثيرة للجدل إلى داعم رئيسي لمسارات مثيرة ليس أقلّها “حلّ الدولتين” أو المشاركة في تهويد القدس.

دحلان وتوني بلير

هندسة السياسات الخارجيّة للإمارات وتحسين صورتها في الخارج ليس عملا لمراكز دراسات أو مجموعات ضغط، فحسب، بل هو عمل توظّف الإمارات أموالا طائلة لبعض الأسماء والوجوه من أجل بلوغه، هدف لا يقلّ أهميّة عن هدف “تصفية القضية الفلسطينيّة” الذي تعمل عليه عدّة أطراف بالصمت أو بالمشاركة بشكل من الأشكال.

محمد دحلان، القيادي المنشقّ عن حركة “فتح”، أصبح النافذة الإماراتيّة على القضيّة الفلسطينيّة إماراتيّا، وبات مهندسا للتحالفات والتفاهمات وحتّى للمبادرات التي تستهدف محاصرة المقاومة وفرض “حلّ السلام مع إسرائيل”، وهو ما تنفق دولة الإمارات لأجله عبر دحلان وشبكة علاقاته في المنطقة، ملايين الدولارات.

ليس دحلان وحده من توظّفه الإمارات لتصفية القضية الفلسطينيّة ولتمكين المحتل من القدس، بل توظّف الإمارات أيضا رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير بعقود استشاريّة ضخمة، فضحتها صحيفة “ديلي تلغراف” البريطانيّة، التي كشفت التقاطع الموجود بين أجندة مؤسسات توني بلير الاستشارية والخيرية وسياسات الإمارات في المنطقة، فيما يخص العديد من التوجهات سواءً في أفريقيا أو في الشرق الأوسط، إذ يتشابه الطرفان في الموقف من وصول الحركات والأحزاب الإسلامية إلى السلطة، وكذلك في الموقف من حركات التحرر التي اجتاحت دول العربي العربي بدءً من تونس وليس انتهاءً بسوريا.

 

الصحيفة البريطانيّة كشفت أن عقدا لمدّة 5 سنوات بقيمة 25 مليون دولارا، قد تم إمضاؤه بين الطرفين تحت عنوان: “شراكة إستراتيجية بين وزارة الخارجية بدولة الإمارات العربية المتحدة”. وبموجب هذه العقود قدّم بلير استشارات لعبد الفتاح السيسي حليف الإمارات، لكن بصمة الأخير في علاقة بقضيّة القدس واضحة جدّا، إذ يدعم بلير بشكل واضح الكيان الصهيوني وينحاز إليه بشكل واضح، حتّى أنّه صرّح في وقت سابق أن لا حل في المنطقة إلاّ بتحالف “عربي-إسرائيلي” يمكّن المنطقة من الصمود أمام التهديدات، على حدّ تعبيره، وكان يقصدالتهديدات الإيرانية.

 

رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير الذي شغل منصب مبعوث الشرق الأوسط وعرف بقربه من إسرائيل في الامارات التي نشرت صحف بريطانية عديدة أخبار تلقيه أموال منها

تهويد القدس

قبل إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطوته الأخيرة بشأن القدس، كانت الإمارات قد سبقته إلى تهيئة الأرضيّة الملائمة، لا فقط إقليميّا عبر حلفائها فحسب، بل وداخل القدس نفسها بمساعدة سماسرة أو شخصيات فلسطينية موالية لهم، وذلك بهدف شراء عقارات من مقدسيين، لا يستطيعون الصمود بوجه التوسع الاستيطاني في البلدة القديمة، ثم بيع هذه المنازل لجمعيات إسرائيلية.

العديد من أهالي أحياء قديمة بالقدس، باتت ساعات صباحهم الأولى مطبوعة بمفاجأة وجود المستوطنين بينهم بدعوى أنهم صاروا ملاكا قانونيين. حدث هذا مع نحو ثلاثين شقة، في وادي حلوة في سلوان، قبل قرابة عامين، وحدث في حالات بيع مباشرة تمت الأسبوع الأول من مايو 2016.

وفي سنة 2014، وبشكل مفاجئ، خرج الشيخ كمال الخطيب على قناة “القدس” الفلسطينيّة متّهما الإماراتيين بأنّهم “خدعوا أصحاب المنازل وأخبروهم بأن المشترين مستثمرون إماراتيون يريدون إعمار المدينة المقدسة، ليكتشف المقدسيون فيما بعد أن المنازل بيعت لمستوطنين صهاينة، وأن الجهات الإماراتية استخدمت لخداع الفلسطينيين الذين يرفضون بشكل قاطع بيع منازلهم للإسرائيليين”.

الخطيب كشف أيضا أن “الأموال التي بثمنها تم بيع 34 شقة سكنية في حي سلوان وصلت من دولة الإمارات إلى أحد البنوك الفلسطينية في بلدة العيزرية”.

تصريحات الخطيب مثّلت منطلقا للتقصّي ولتحقيقات صحفيّة كثيرة، أبرزها ذلك الذي أجرته صحيفة “الأخبار” اللبنانيّة بشأن بيع أحد العقارات المقدسية في البلدة القديمة في القدس في شهر أكتوبر سنة 2014، فبحسب الوثائق والعقود والسجلات، جرت عملية البيع أولا بين شخص فلسطيني يحمل الهوية الإسرائيلية، وإحدى العائلات المقدسية الشهيرة، ثم تنازل هذا الشخص عما اشتراه لشركة إماراتية، باعت العقار لاحقا لمستوطن.

وبالبحث أكثر، تم العثور على اسم الشركة التي ثبت أنها مملوكة لـ”فادي السلامين” المقرّب من السلطة الفلسطينيّة قبل أن ينقلب ضدّها بعد تقاربه مع محمد دحلان، وتبيّن أنّ العقّارات التي أقدمت على شرائها في القدس قدّمت تنازلا مسبقا عنها لشركة إماراتيّة تدعى “الثريا”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد