مجتمع

نضال العاملات

 

لم تكن المعركة بالسهلة على أي حال؛ فالمعركة التي دارت رحاها قرابة إثنين وسبعين عامًا وأودعت أكثر من ألف إمرأة بريطانية السجون للاشتراك فيها، وألقت إمرأة نفسها تحت أرجل خيل الملك ليكون صوتهن مسموعًا فحسب ليست بالمعركة السهلة، ولا يكفي لوصفها أنها شاقة مثلا، بل لو أتقنّا الوصف لقلنا أنها كانت أقرب ما يكون للاستحالة.

بعد الثورة الصناعية ونتيجة الرغبة العارمة في زيادة الإنتاج الصناعي والمضي قدما في محاولة تحويل الإنسان إلى آلة واستغلال طاقات البشر، بل وأعمارهم أيضًا، طالما يحقق ذلك زيادة الإنتاج. تلقت النساء النصيب الأكبر من الاستغلال الجسدي والاستنزاف النفسي، فمهمتهن الوحيدة هي الإنتاج سواء أكان إنتاج أفراد جدد في إطار أسري لا يعطي المرأة أي حقوق للانفصال أو حضانة الأبناء أو إنتاج صناعي بالمشاركة كعاملات مسحوقات يتقاضين رواتب أقل كثيرًا من أقرانهن من الرجال ولساعات أطول.

 

كان دأب العاملات الاستمرار في العمل حتى تتآكل أطرافهن أو يصبن بأمراض بالغة الخطورة أو التسمم حتى يلقى بهن خارج إطار منظومة العمل دون أي حق في شكوى أو تبرير، وفي الوقت ذاته لم يكن القانون ليعترف لهن بالأهلية القانونية أو يسمح لهن بالتصويت في أي إجراء ديمقراطي؛ فالمرأة ممثلة بزوجها أو أخيها أو أبيها.

 

ايميلن بانكهرست

وبينما قابلت معظم النساء تلك الظروف المجحفة برضوخ واستسلام وتركن أنفسهن تمامًا لتلك الرحى كي تسحقهن بلا هوادة، فضلت أخريات أن يكن “متمردات بدلا على أن يكن مستعبدات” على حد قول ايميلن بانكهرست مؤسسة الحركة النسوية”سوفرجت” وإحدى أكثر الشخصيات النسائية تأثيرًا حول العالم.

 

تأسست الحركة وبدأت كنشاط سري، وعندما بدأ تأثير الحركة في الانتشار أصبحت حركة مشاغبة محظورة تلقى عدوانًا حكوميًا وعنفًا شعبيًا وإزدراءًا نسويًا واسعًا، بدأت أعضاء الحركة نشاطهن بالخطب تارة وبالحديث الهامس تارة، وبتكسير نوافذ المحال التجارية وبعض الشغب تارة تلو الآخرى.

 

أصبحت تحركاتهن مرصودة وكذلك أماكن تجمعاتهن، ومارس رجال الشرطة عليهن كل أشكال العنف من ضرب وسحل واعتقال وتسليم للأزواج للضغط عليهن وردعهن، وبعد خمسين عامًا من محاولة المشاركة في صنع القوانين، لم تترك لهن الحكومة خيارًا سوى اختراق القوانين الذي ينتهك حقوقهن كبشر، فهمت نساء سوفرجت أن القوة هي اللغة التي تفهمها الحكومات وأن الاستمرار في النضال السلمي ليس سوى هدر لسنوات أخرى من أعمارهن، فقررن أن يسمعن الحكومة صوت القوة.

 

 

كان الإتفاق واضحًا، وهو عدم إيذاء أيٍّ من البشر، وتكبيد الحكومة أكبر قدر من الخسائر المادية الممكنة، فرحن يقطعن كل وسائل الإتصال سواء خطوط التلغراف أو صناديق البريد، وهكذا بدأ تواجدهن الفعلي على الأرض، ولكن الصحافة ظلت في تجاهلها مطالبهن وإهمالها لقضيتهن بل وتعمد تناولها بشكل ساخر وسطحي.

 

وفي إحدى المرات علمن بإقامة الملك سباق خيول يضم الآلاف، ورأين أن تلك فرصة ذهبية لرفع العلم وتقديم المطالب، ولما ذهبت عضوات الحركة إلى السباق وفشلن في إختراق الحراسة المشددة المفروضة حول الملك، نجحت إيميلي ديفسون في الدخول إلى أرض السبق ليصدمها حصان الملك بينما العلم مطوي في يمينها، وينجح أحد الحرس في أخذ العلم وتخبئته، ولكن الواقعة صدمت الصحافة فتناولتها حتى توصلت لصلة إيميلي بالحركة وكانت جنازتها جنازة مهيبة زلزلت ثبات إنجلترا وحركت مياهها الراكدة.

 

كسبت الحركة تعاطفًا عملاقًا بعد وفاة إيميلي، وبدأت مطالبها في التحقق مطلبًا عقب مطلب، ومن المثير جدًا في هذه الانتفاضة النسوية غير تحديها للمستحيل وتحقيقه، أن النساء خضن معركتهن هذه بقلوب أمهات تعاهدن أن يهدين أبناءهن وبناتهن مستقبًلا أفضل يتقاسمنه بالتساوي بلا فضل لجنس على آخر، فلم تتخلّ النساء عن واجبتهن كأمهات بل قادتهن الأمومة إلى النصر.

 

روى فيلم “suffragette” قصة ثلاث من مؤسسات الحركة الأوائل وكفاحهن من التأسيس حتى الانتصار..

 

الوسوم

منة التلاوي

كاتبة مصرية وقارئة تملك أجنحة من حبر وورق

اترك رد