ثقافة

معتصم الكبيسي في معرض شخصي .. رهان النحت في تصعيد خطاب الرفض

ثقافة

خضير الزيدي- العراق- مجلة ميم

تراتيل الحرب والسلام، عنوان لمعرض الفنان معتصم الكبيسي الأخير، الذي أقامته مؤسسة سلطان العويس الثقافية في قاعة المعارض، محتويا على 68 عملا فنيا، غلب عليها النحت بمادة البرونز، بالإضافة إلى عمل واحد من الخزف، وآخر من الاستيل. كان في طابعه العام صرخة كبيرة لما فعلته الحروب في المنطقة العربية، ومنها العراق.

 

 

فما الذي تظهره الأعمال من دلالة ثقافية ونفسية؟ وما التحول الأسلوبي الطارئ على منجز الكبيسي بعد أن توقف عن إقامة وإحياء معرض شخصي منذ زمن بعيد؟

 

 

من يتابع تلك المنحوتات وطريقة سباكتها وما تمثله من خطاب تعبيري، يتولد لديه إحساس بأن معتصم مسكون بوقائع مؤلمة يرفض إزالتها من ذاكرة المتلقي، فهو يعيرنا عينا لنتابع ما خلّفته الحروب، وما جلبته من ويلات، ناهيك عن قدرة اشتغال أصحابها السياسيين في تأجيج المنطق وإذكاء الفتنة الطائفية. لهذا تبدو غاية المنحوتات إثارة قضية الاعتراف بسلطة الآخر نفسيا، وكأنه يلزمنا أن نناهض بكل ما تبقى من طاقة احتجاج ضد المحتل ومن ناصره، لهذا يعكس التحول التعبيري لجماليات ومغزى الأعمال شعورا بتجديد خطاب طريقة النحت، وهذا ما فعله من متغير بنائي داخل منظومة كل تلك المنجزات، بمعنى أنه وازن كثيرا بين نقطتين (التذكير بكوارث التاريخ المعاصر مع الالتزام بتجديد الخطاب الأسلوبي والمعرفي)، وهما ركيزتان لا بد من إيجاد نسيج بينهما، معتمدا في ذلك على خبرة أكثر من ثلاثين عاما مع النحت وخاصة مادة البرونز.

 

 

والجميل في هذا المعرض تلك التنويعات المصاحبة لإيقاع خاص بأدوات المحتل (الطائرة، الهامر، المدرعة). ومن ثمة ما خلفته تلك الأدوات القاتلة.

 

 

وأجد من الضروري أن نفكر، ما قيمة رهان النحت في تصعيد خطاب الرفض؟ ومن أين للمخيلة أن تتغذى بطاقتها لاجتراح أعمال تثير حساسية التلقي؟

تبدو سلطة الفن أقرب لتوجهات هذا الفنان، فهو يشير إلى ما تسحقه أدوات القتل، ومن هنا بدأ تخطيط المعرض بعيدا عن الحياة الجامدة أو البهرجة. إنه معرض يأتي بتحول المهارة مع الشغف بالنحت، وأيضا يبقي حقائق التاريخ المعاصر أمام أعيننا. واعتقد أن ما تهيئه تلك المنحوتات يخرج من إطار كونها واجهة فنية، إلى ما ينتمي إلى الضرورة الداخلية، وأقصد هنا الانتماء إلى وطن وحياة لها ما يجعلها قائمة غير مستباحة. كل ذلك التخطيط يجعلنا نراقب عن كثب طريقة المشهد الفني في معرض ضم أكثر من ستين عملا.

فكيف بدت لحظة العودة إلى أعمال نحتية تجاري الحدث وتواكبه؟

 

قوارب الهجرة

 

عُرف عن معتصم الكبيسي أنه يقلب مواجعنا بشعور يفيض حرصا على بقاء إنسانيتنا. وهذه المعيارية لا تشكل صدمة لمن يتعامل معه أو يعي خطابه، فهو يهرع لجذب المتلقي إلى أجواء البيئة العربية، كما فعلها من قبل في منحوتات (الخيول العربية)، وأكدها في أعمال انفتحت على قوارب الهجرة والهروب من الوطن جراء الاقتتال الطائفي. وهي مشاهد لم تكن خيالية، بقدر ما كانت صرخات الاحتجاج تثيرها عقلية تعي كيف تتم المواجهة الفكرية مع سلطة المحتل.

فالذي يجذبنا إلى ما عرضه مؤخرا يكمن في المدلول التعبيري وإشاراته السينميائية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد