مدونات

رسائل عهد التميمي: نحن الأصل وأصحاب الحقّ

#عربيات_ضد_التطبيع

 

قبل سنوات قليلة، هبّت الجماهير الفلسطينية إلى استقبال نجم  أراب أيدول “محمد عساف” بالآلاف، وأغدقت عليه الألقاب كـ”محبوب العرب” وغيرها، رغم الطابع الاستهلاكي لهذه البرامج والخلفية السياسية للقائمين عليها، فإنّها كانت مساحة للشعب الفلسطيني ليعلن أنّه حاضر رغم حجم الخيانات، حاضر في حنجرة هذا الشاب الذي أشعل المدارج والجماهير العربية بأغانيه الوطنية، حاضر بعد سنوات ثورات الربيع العربي وتناسي القضية الفلسطينية واهتمام الشعوب بقضاياها الداخلية.

بعد أربع سنوات من استقبال عساف، أي منذ إعلان ترامب القدس عاصمة الكيان الصهيوني، يعود الشعب الفلسطيني إلى دائرة الأضواء ليتصدّر خطابات زعماء العالم ويرفع العلم الفلسطيني في المظاهرات وتعود القضية الفلسطينية إلى محيطها العربي والإسلامي ويناصرها الشرفاء في كلّ العالم.

في غمرة هذا التحوّل في تاريخ القضية الفلسطينية التي خلنا أنّها قبرت إلى الأبد، تولد أيقونة جديدة تعبّر عن الحراك الثوري الفلسطيني هي “عهد التميمي”، عهد المراهقة الصغيرة التي أعادت للحياة معناها.

تخلصت شعوبنا مؤقتا من ضغوطات الحياة اليومية ومن الخوف من المستقبل، لم يعد لاعب الكرة نجما ولم تعد أخبار الفنانات تستحوذ على اهتمام الجماهير، لقد التف الجميع حول “عهد التميمي”، الكلّ ينتظر أخبارها، يتداول صورها ويكتب عنها، لقد نجحت عهد المراهقة ذات 17 ربيعا في أن تصبح قدوة لجماهير ولشباب ظلّ موصوما بالضياع، فبحضورها اللافت ووطنيتها الصادقة استطاعت أن تخلع الخوف والهلع من قلوب الجميع.

إنّها الأرض التي تجعل من البدايات الجديدة سلسلة ملاحم وطنية، إنّها الأرض التي تعيد للشهيد وللمقاوم وللبطل ألقه وقيمته، بعد سنوات طويلة لم ينجح مقاوم أو مقاومة من فلسطين في أن يصبح رمزا يجمع عليه الجميع، واليوم تصبح عهد التميمي رمزا من رموز القضية الفلسطينية يحتفي بها الجميع يمينا ويسارا.

سنطرح السؤال التالي: “لماذا نجحت عهد في أن تصبح الأيقونة الفلسطينية رغم صغر سنّها وحداثة تجربتها في النضال؟”

 

لنتأمل جيّدا صورة عهد التميمي، فتاة شقراء جميلة جدّا لا تنقصها الأنوثة، بل هي زائدة عن حدّها في حضورها وبين خصلات شعرها ونظرات عينيها، إنّ الحضور الجسدي لعهد التميمي يحيلنا على الصورة المشتهاة في المخيّلة العربية، ولكنّها تتجاوز ذلك إلى حضور أوسع من حضور الأنثى المشتهاة إلى حلم استعادة الأرض، وبالتالي تصبح صورة الأنثى تتماثل مع صورة الأرض.

إنّ صورة عهد التميمي، فتاة ذات ملامح شقراء، إحالة ثانية على جينات أبناء الأرض الفلسطينية، الأصحاب الأصليون للأرض، هذه الجينات التي تتوارثها الأجيال الفلسطينية جيلا بعد جيل على عكس يهود الكيان الصهيوني الذين لا تجمعهم جينات مشتركة تدل على ارتباطهم بأرضهم المزعومة.

لم يثر أحد موضوع الحجاب و لا موضوع الانتماء إلى إحدى الفصائل الفلسطينية، وكأنّ الجميع يفتح صفحة جديدة في التاريخ الفلسطيني ودعوة ضمنية إلى تجاوز الانقسام الفلسطيني والالتفاف حول المقاومة الشعبية التي تعتبر أول الطرق المؤدية إلى تحرير فلسطين.

 

إنّ عهد بسلوكها الشجاع وبحضورها الكاريزماتي تعيد الأمل للجميع من أجل الالتفاف حول القضية الفلسطينية والتصدّى للدعايات الصهيونية، عهد ليست وحشا أو إرهابية كما يصف الإعلام الصهيوني المقاومين، إنّها مناضلة من طينة هذه الأرض، وهي الوجه العاكس لملايين النساء الفلسطينيات وللأجيال القادمة، إنّها تنبئ بجيل جديد، جيل غاضب سينهي سلسلة الفشل القديم للأجيال القديمة.

من واجب الإعلام العربي ومناصري القضية الفلسطينية الاشتغال جيّدا على صورة عهد التميمي من أجل صياغة خطاب وآليات دفاع جديدة، فقد منحتنا عهد التميمي اليوم فرصة ذهبية من أجل إعادة تدويل القضية في كلّ العالم وتبرئة الشعب الفلسطيني من تهم الإرهاب، كما خلقت حالة تضامن واسعة لا يجب أن نفلتها وأن نستثمرها لاحقا في صالح القضية الفلسطينية.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد