مجتمع

الجندي والحجر

سلسلة فسيفساء فلسطينية (1)

 

“فسيفساء فلسطينية” سلسلة حلقات تتناول جوانب مختلفة من حياة المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال الاسرائيلي بأسلوب قصصي مستوحى من احداث وتجارب واقعية.

 تؤرخ لفترة “ذهبية” في تاريخ النضال الفلسطيني ضد الاحتلال، وخاصة سنوات الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، والتي شهدت انطلاق “الانتفاضة الاولى”، وتلتها الانتفاضة الثانية مطلع الالفية الثانية. هي “فسيفساء” بكل معنى الكلمة، لأنها لا تتناول الاحداث بشكل تسلسلي متتابع، او منظم بطريقة معينة. بل هي حلقات تشكل مجتمعة لوحة حياة المجتمع الفلسطيني في تلك الفترة.

لم تكن طريق النضال معبدة وسهلة، بل تخللتها المعاناة والالم  والقمع الاحتلالي، ورغم ذلك كان هناك من يثابر ويواصل المسيرة دون كلل او ملل، ويزرع الامل في صخرة المعاناة لكي تنبت شجرة الحرية. لعل في هذه الفسيفساء ما يكفي لكي نربي في اجيالنا الناشئة روح النضال والامل والتفاؤل بأن الفجر لا بد آت مهما طال الزمن، ومهما تكالب الاعداء.

 

نبيل دويكات- مجلة ميم 

رام الله- 22 حزيران/ يونيو 2016

رحلة النقل من سجن الى سجن آخر، أو من السجن الى المحكمة أو العكس رحلة طويلة ومرهقة جسدياً ونفسياً لكل سجين. تتضمن الرحلة في الغالب قضاء ساعات طويلة في زنزانة مخصصة للمغادرين والقادمين من السجن أو اليه، يضاف اليها ساعات أخرى داخل الحافلة أو السيارة المخصصة لذلك.

في أغلب الأحيان يكون السجين معظم هذه الساعات مكبّل اليدين إما مع زميل آخر بجانبه، بحيث تكون القيود مربوطة باليدين المتجاورتين لكل منهما، أو بكلتا يديه إذا صادف أن كان السجين لوحده. وفي الغالب أيضاً يجري لف قطعة من القماش على رأس السجين لتغطي كلتا عينيه.

 

قبل بدء حركة الحافلة يصعد جنود حراسة الحافلة بأسلحتهم ويتجولون داخلها وهم يصدرون الأوامر المتتالية: “ممنوع الكلام، ممنوع الحركة ممنوع الضحك…” الخ من الممنوعات التي تقل أو تزيد تبعاً لمزاج هذا الجندي أو ذاك.

 

ذلك اليوم من عام 1983، كنا معاً مجموعة من السجناء نقلونا من معتقل الفارعة الى قاعة المحكمة العسكرية في مقر الإدارة العسكرية في مدينة نابلس، وجرى احتجازنا في الزنزانتين المخصصتين لذلك مقابل غرفة المحكمة. وحتى نهاية اليوم كانت قد تم محاكمة كل أفراد المجموعة، وبدأت إجراءات نقلنا واعادتنا الى السجن.

يقف ضابط يحمل في يده قائمة اسماء على باب الزنزانة، ويطل علينا داخلها من خلال فتحة “طاقة” صغيرة في الباب وينادي بأسمائنا واحداً تلو الآخر، ثم يغلق الطاقة ويعلو صوته وهو يكرر نفس الامر في الزنزانة المجاورة، ويغيب لفترة من الزمن ثم يعود ليفتح باب الزنزانة ويطلب من كل من ينادي اسمه الخروج من الباب والوقوف في صف في الممر بجانب الباب.

يعيد الجنود تفتيشنا مرة اخرى بعد الانتهاء من المناداة على كل الاسماء، ثم يضعون “الكلبشات”، ويطلبون منا الوقوف في صفين متوازيين بجانب بعضنا البعض، بحيث يكون كل سجين في الصف الاول بجانب آخر في الصف الثاني ويقومون بربط أحد اطراف “الكلبشة” في يد احد السجناء اليمنى وطرفها الآخر في اليد اليسرى للسجين الذي يقف بجانبه.

وعند انتهاء ذلك يتوزع الجنود امامنا وخلفنا وعلى جانبنا، ويسيرون معنا داخل ممرات البناية الضخمة خروجاً باتجاه الساحة الداخلية حيث تقف الحافلة التي ستنقلنا. طلبوا منا الصعود والجلوس مكبلي الايدي في المقاعد الخلفية للحافلة، فيما قام الجنود مرة أخرى بعملية العد وتفقد اسماء السجناء واحداً واحداً عبر المناداة على الاسماء من القائمة التي يحملها ضابط الدورية.

وعند انتهاء كل هذه الاجراءات، بدأت الحافلة بالتحضير للانطلاق بنا باتجاه سجن الفارعة، تشغيل محركاتها أولاً، ثم إغلاق الباب الأمامي بعد صعود كل الجنود المسلحين المكلفين بالحراسة الى داخلها وجلوسهم على مقاعدهم في الصفوف الأمامية، ثم صعود بقية الجنود الى السيارات العسكرية التي سترافقنا أيضاً أمام الحافلة وخلفها، ومع ساعات الغروب بدأت الحافلة بالحركة. ولحسن حظنا أن الجنود لم يقوموا بتغطية أعيننا بقطعة القماش. ولذلك كان بإمكاننا أن نراقب الأماكن المختلفة طوال رحلة الحافلة التي كانت تسير باتجاه الشرق ثم باتجاه الشمال مروراً بعدد من الأحياء والشوارع داخل مدينة نابلس ومحيطها، ومنها الشارع المحاذي لمدرستنا الثانوية، التي اعتقلونا منها بالامس.

 

 

مرت اللحظات الأولى بهدوء وصمت لم يقطعها سوى صوت أجهزة الاتصال التي يستخدمها الجنود، وما لبث أحد الجنود أن أعلن عن وجوده بشكل بارز، في البداية قام من مقعده واقترب من المقاعد الخلفية حيث نجلس، وبدأ بالصراخ علينا جميعاً طالباً منا احناء رؤوسنا الى الأسفل وعدم النظر الى الامام وعلى الجوانب. حين وجد الجندي أننا لا نستجيب لطلبه ارتفع صراخه أكثر وأكثر، ثم ما لبث أن عاد الى مقعده، وأعاد الكرة مرة أخرى، دون جدوى. صمت لحظات ثم صرخ مرة أخرى وهو يقوم بحركة تمثيلية بحني رأسه الى الأسفل قليلاً قائلا: “حجر… حجر”.

تفاجأنا من حركته وكلامه وانطلت الخدعة علينا جميعاً، كنا واثقين أن الحافلة والسيارات العسكرية المرافقة لها ستتعرض للرشق بالحجارة خلال رحلتها عبر الأحياء والشوارع داخل المدينة وعلى أطرافها. ومع كلمات الجندي وجدنا أنفسنا جميعاً نخفض رؤوسنا بصورة تلقائية الى مستوى اقل من ارتفاع زجاج شبابيك الحافلة، لتجنب شظايا الزجاج المتكسر فيما لو أصابته الحجارة.

كان الجميع يعلم أن رشق الحجارة على السيارات العسكرية المتحركة لن يمكًن راشقي الحجارة من التمييز أو التدقيق في مكان ارتطام الحجارة سواء بالحافلة او بالسيارات المرافقة، ولذلك كنا نتوقع أن بعضها قد يصيب زجاج الحافلة فعلاً، وقد يكسره، وهو ما يمكن أن يؤدي الى تبعثر الزجاج في وجوهنا إذا كانت الإصابة في الشبابيك المحاذية لنا.

 

 

مرت لحظات، لم نسمع صوت ارتطام أية حجارة بالحافلة، رفع الجميع رؤوسهم للنظر أمامهم وعلى الجوانب. وكانت الحافلة لا تزال تسير. فيما بدا الارتياح على الجندي وهو ينظر إلينا مبتسماً لأنه تمكن من إيجاد طريقة مناسبة وسهلة لإجبارنا على خفض رؤوسنا للأسفل، بينما كان الجنود الآخرين بجانبه يضحكون.

“حجر … حجر” صرخ بعد لحظات وهو يقوم بنفس الحركة التمثيلية، وتكرر المشهد من جديد، في حركة تلقائية يقوم معظمنا بحني رؤوسهم قليلا بانتظار ارتطام الحجارة بالحافلة. وما لبث الجميع ان رفعوا رؤوسهم مرة أخرى، لتفحص إن كان هناك رشق حجارة أم لا، وإن أصابت الحافلة أم السيارات العسكرية المرافقة. لم نتمكن من التأكد مما حصل فعلا، فالحافلة تسير بسرعة وكذلك السيارات المرافقة، ورشق الحجارة قد يحصل خلال ثوان معدودة، قد يصيب وقد لا يصيب، فيما كان الجندي يتبادل الضحك مع بقية الجنود وهو ينظر لنا بنوع من التشفًي أو الاستهزاء.

وهكذا استمر الحال طوال الرحلة الى سجن الفارعة، عند المرور بأي من الأحياء يقوم الجندي بنفس الحركات ويطلق نفس التحذير “حجر… حجر”، ويتكرر المشهد من جديد.

صحيح أن حيلة الجندي أصبحت مكشوفة لنا جميعاً، لكننا كنا واثقين انه لا يمكن للقافلة العسكرية التي ترافق الحافلة التي تنقلنا أن تمر طوال الطريق من مدينة نابلس الى سجن الفارعة دون أن تتعرض لرشق الحجارة هنا أو هناك. رغم أن الغضب كان يتملكنا من استخدام الجندي لهذه الحيلة، الا أننا كنا في داخل أنفسنا ننتظر، وربما نتمنى أن تُرشق القافلة العسكرية بالحجارة، لأنها نفس الحجارة التي أغضبت محكمة الاحتلال العسكرية هذا اليوم وحكمت علينا بسببها بالسجن لعدة أشهر. وليكن ذلك، حتى لو أصابت الحجارة الحافلة التي تنقلنا، ولو أصابت الشبابيك بجانب أي منا، لن يهم، وما يهمنا أكثر هو أن تنطلق الحجارة باتجاه الجنود في أي وقت، وأي مكان.

 

كانت هذه الأفكار تدور في رأسي فيما لا تزال الحافلة تقترب من نهاية رحلتها. كنا على بعد عشرات الأمتار من سجن الفارعة، وعلى جانب الطريق من الجهة اليسرى كانت تمتد أحياء مخيم الفارعة، صعوداً باتجاه بوابة السجن الرئيسية المقابلة تماماً للمدخل الرئيسي للمخيم. فجأة صرخ نفس الجندي وهو يتناول سلاحه عن ارضية الحافلة: “حجر… حجر”، وبينما كان كل السجناء في الحافلة يخفضون رؤوسهم للأسفل قليلاً، كنا نسمع أصوات بقية الجنود وهو يصرخون ويهبون فجأة لحمل أسلحتهم وهم يتبادلون الحديث بصوت عالٍ وباللغة العبرية.

كنا نسمع صوت الحجارة تنهال على الحافلة، كان قوياً ومؤشراً بعضها ارتطم بسقف الحافلة، وعلى جانبها الأيسر، وبعضها ارتطم بزجاج الشبابيك، واستطعنا تمييز صوت تحطم بعض الزجاج، وخلال ثوانٍ معدودة كان سائق الحافلة قد توقف أمام البوابة الرئيسية للسجن، واختلطت أصوات جنود الحراسة على مدخل السجن مع أصوات الجنود في الحافلة والسيارات المرافقة لها.

حين رفعنا رؤوسنا، نتفقد المشهد داخل الحافلة وحولها، كان الجنود قد نزلوا منها وانضموا الى الجنود الآخرين الذين بدؤوا بإطلاق الرصاص وقنابل الغاز باتجاه الشبان راشقي الحجارة على الجهة المقابلة، بينما كان ذلك الجندي يقف على الباب الأمامي ويهم بالنزول من الحافلة فيما كان يضع يده الممسكة بقطعة قماش على رأسه بينما كان الدم يغطي الجانب الأيمن من وجهه ورأسه.

الوسوم

نبيل دويكات

كاتب فلسطيني

مقالات ذات صلة

اترك رد