ثقافة

مصطفى خليفة.. المتلصّص يروي جحيم سجن تدمر

سلسلات ميم: أدب السجون

 

دخل مصطفى خليفة، سجن تدمر الصحراوي أحد أبشع السجون على مستوى العالم، ولا يعلم سبب ذلك وخرج ولم يعرف نفسه.

“من هو أول سجين في التاريخ؟ من الذي اخترع السجن؟ … كيف كان شكل السجن الأول؟ هل هناك سجين واحد في كل العالم، في كل الأزمان، في كل السجون، قضى في السجن عاماً واحداً أو أكثر، ثم عندما يخرج يكون هو…هو؟”

بهذه الكلمات التي تختلط فيها مشاعر الغضب بالانهزام والذل، وصف مصطفى بشاعة نظام الأسد بعد أن قضى أكثر من عشر سنوات بين جدران لا تعرف الرحمة.

كان السجن الـ”قوقعة” التي سجن فيها مصطفى خليفة، حيث كل شيء ممنوع، حتى التعبير عن الألم مرفوض، لخص فيها  أحداثا عاشها كل سجين من السجناء الذين بلغ بهم الألم حد التشكيك في العدالة الإلهية بسبب الظلم وفداحة ما عانوه، ثم يستغفرون الله خاشعين.

بيضة مسلوقة وأحيانا زيتونة لكل ثلاثة سجناء مع رغيف خبز يقسم على عشرة منهم، وجبة كافية لتتركهم أحياء يعانون. وأحيانا يتنازل أحد منهم عن نصيبه لمريض أو لاحتقار نفسه.

مشهد الفدائيين الذي ارتبط بإنسانية عوضت وحشية عناصر النظام، وهم عبارة عن مجموعة من الأشخاص يتمتعون بصحة جيدة ويتلقون التعذيب بدلا من كبار السن والمرضى.

قصص مؤلمة تتراءى مشاهد بشاعتها في مخيلتنا، مع كل جملة تروي أحداثا مرعبة عن الحس المفقود والتلذذ بتعذيب الآخر، عن إنسان دخل دون ذنب ومات لا يعرفه.

قصة الأب وأبنائه الثلاثة، هي إحدى أوجه بربرية نظام الأسد بما تجسده من ابتزاز وكذب ونفاق وموت بطيء، فقد دعا القاضي الرجل أن يختار إنقاذ واحد منهم ليختار ابنه الأصغر، إلا أن القاضي اشترط على الأبناء أيضا تعذيب والدهم وإلا قتلهم جميعا.

وبدأت عملية التعذيب فكان الرجل يبكي، وأولاده يجرونه ويبكون، ووجوه أخرى سعيدة مستمتعة بالعرض حتى توقف الأولاد وحضنوا والدهم وبكوا جميعا، وأعدم ثلاثتهم ومات الأب حسرة.

يقول الكاتب: “الأحداث أقوى مما ورد في الرواية، لم أذكر الاغتصاب والاعتداءات، كتبت ما عشته وما رأيته وما سمعته…حاولت تجاوز النعرات الطائفية وخففت من وقع الشتائم.”

عاش خليفة على وقع القوقعة الأولى التي يمثلها السجن بما يحمله من عذاب واضطهاد، ليكتشف أنه داخل قوقعة ثانية وهي حرمانه من “الفضفضة البصرية”، فضلا عن الصمت المفروض. فوجد لنفسه طريقا ومتنفسا وهو “التلصص”. وكان الوحيد الذي استطاع أن يكتشف الحياة خارج مهجعه وأن يشاهد الإعدامات في الباحة في الأيام المخصصة لها والعذابات التي تحوّل الشباب المقبل على الحياة إلى سجناء مهانين.

“كسلحفاة أحست بالخطر وانسحبت داخل قوقعتها، أجلس داخل قوقعتي… اتلصص، أراقب، أسجّل، وأنتظر فرجا”..

إن أفضل ما يمكن أن يراه في تلك الفترة هو البشاعة، لينتقي منها مشاهد تعكس شجاعة البعض أمام الموت. أمّا في الداخل فهو يقوم بتسجيل أعداد الناس الذين دخلوا وأعدموا والذين انتحروا داخل السجن ولم يستطيعوا التصالح مع الواقع. يقول خليفة: “إن أكثر ساكني المهجع حساسية بيننا هم من عاشوا كسرا بينهم وبين الحياة إمّا بالجنون أو الانتحار”.

ورغم الخوف والألم، استطاع السجناء استخراج الخيوط من البطانيات والإبر من فواضل الطعام أو ربطات الخبز، حتى أن الأطباء تمكنوا من إجراء عمليات جراحية.

ويتحدث عن الصلاة فيقول: “الصلاة ممنوعة منعًا باتًا بأوامر من مدير السجن، وعقوبة من يقبض عليه متلبسًا بجرم الصلاة الموت، ورغم هذا كانوا لا يفوتون الصلاة”.

خرج من السجن سنة 1994، وظلّ يعيش على وقع 13 سنة من العذاب، ليكتب تجربته، ليس بغاية التوثيق فقط، بل اعتبرها “صرخة حرية” ضد الأنظمة الاستبدادية.

ورغم اتهامه بكتابة الرواية لتجميل الإسلاميين وتبرئتهم يقول: “كتبت لكل السجناء وأعتقد أني أنصفت الجميع”.

لم يُخف خليفة حقده على نظام الدكتاتور الذي يملك القدرة على الكشف عن الشر في الإنسان وتنميته، والحريص على أن يخافه الشعب.

كتبت رواية “القوقعة” في 2003، ولم يستطع نشرها باللغة العربية إلا سنة 2008، ولاحقته التهديدات حتى بعد انتقاله للعيش في الإمارات، إذ يقول: “وصلتني رسالة في الإمارات فيها: سنجعل من جلدك دربكّة”.

تجربة السجن هي الأفظع بالنسبة إلى خليفة، و”لا يستطيع جنس أدبي التعبير عن معاناتها”.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد