مجتمع

متى تعيّن القاضيات في مجلس الدولة “الذكوري”؟

مجتمع

أحمد خليل- القاهرة- مجلة ميم

على الرغم من المرونة التي أظهرتها مؤسسات حكومية مصرية كثيرة مع مسألة تعيين المرأة وتوليها حقائب مميزة، لاسيما في العام الذي حمل اسم “عام المرأة”، يبقى تعنت مجلس الدولة مع تعيين القاضيات النقطة السوداء في تاريخ المجلس العريق والحركة النسوية سواء.

فمنذ 7 سنوات، وتحديدا مع بداية 2010، وأزمة تعيين الإناث تناقش في مجلس الدولة، لكنها نقاشات تفضي دائما إلى تجميد الملف، فينقسم قضاة المجلس بين مؤيد ومعارض حول هذا الموضوع.

وتبرر الجمعية العمومية لمستشاري مجلس الدولة رفض تعيين خريجات دفعتي 2008 و2009 بحجة عدم صلاحية الإناث للعمل القضائي في ظل الظروف الحالية لأبنية المحاكم والنصوص القانونية واللائحية القائمة.

بدا أن قضاة مجلس الدولة تسيطر عليهم النزعة الذكورية في رفض تعيين الإناث، فيقول كثير منهم في الرد على هذه المسالة بأن نظر القضايا يتطلب أن يتعايش القضاة مع القانون وأن يتقمصوا شخصيات القضية ويعيشوا أدوارها بالكامل بغية الوصول إلى الحكم الأقرب إلى العدالة، وإذا أدت المرأة هذا الدور فلن تؤدي واجبها كزوجة أو أم فى بيتها، فإما أن تهمل المرأة بيتها من أجل القضاء، أو أن تهمل القاضية عملها من أجل بيتها، وبالتالي ستمثل حملا زائدا فى العمل على زملائها الرجال.

ويعد مجلس الدولة الجهة القضائية الوحيدة التي لا تعترف بأحقية الإناث في التعيين، في ظل ترؤس سيدة منصب رئيس هيئة قضائية بالنيابة الإدارية، وتولى قاضيات جزءا من المجلس الخاص لهيئة قضايا الدولة، كذلك يسعى القضاء العادي إلى زيادة عدد القاضيات المعينات.

 

قصة عائشة راتب

لمجلس الدولة سابقة تاريخية ذائعة الصيت في التعنت مع تعيين النساء، حينما حرمت عائشة راتب، أول معيدة فى كلية الحقوق من التعيين فور تخرجها عام 1949.

عائشة راتب

حينها رفعت دعوى قضائية ضد قرار استثنائها من التعيين فى وظيفة مندوب مساعد رغم اجتيازها اختبارات القبول، وتحمس عبد الرازق السنهورى لتعيينها لإعجابه بنشاطها، إلا أن المجلس قرر بإجماع الآراء عام 1953 رفض تعيينها فى مجلس الدولة، حتى أعيد طرح المشروع عام 2007 ليواجَه بعاصفة من الرفض قادها عدد من أعضاء المجلس الخاص، أعلى سلطة إدارية بمجلس الدولة.

واللافت أن المجلس المعروف عنه مواقفه الإيجابية في ملف الحقوق الاقتصادية والاجتماعية خلال السنوات السبع الأخيرة، لا يطبق الدستور المصري الذي تنص المادة 11 منه على: “تكفل الدولة تحقيق المساواة بين المرأة والرجل فى جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفقا لأحكام الدستور، وتعمل الدولة على اتخاذ التدابير الكفيلة بضمان تمثيل المرأة تمثيلا مناسبًا فى المجالس النيابية، على النحو الذى يحدده القانون، كما تكفل للمرأة حقها فى تولى الوظائف العامة ووظائف الإدارة العليا فى الدولة، والتعيين فى الجهات والهيئات القضائية”.

 

أمنية جاد الله

كل هذا الرفض كان مبررا لتحرك أمنية جاد الله، الحاصلة على ماجستير فى القانون العام 2015 لرفع دعاوى قضائية في محكمة القضاء الإداري، بخصوص حرمان المرأة من تعيينها قاضية بمجلس الدولة.

وكانت آخر محطات الصراع القضائي بين مجلس الدولة والخريجات، تأجيل الدائرة الثانية بالمحكمة الإدارية العليا نظر الطعن على قرار رئيس الجمهورية رقم 356 لسنة 2015 بالتعيينات الجديدة بمجلس الدولة، الذي تضمن أسماء الذكور فقط من الخريجين وتجاهل من تقدّمن لنفس الوظائف من خريجات الجامعات. إلى جلسة 24 فبراير المقبل.

تقول أمنية لمجلة “ميم”:  “أيعقل أن يتم تعيين من هم أقل تقديراً وترتيباً فقط لكونهم ذكور وليسوا إناثا؟! رغم أن الأفضل لمنظومة العدالة تعيين الأكفأ كما استقرت أحكام المحكمة الادارية العليا-بغض النظر عن النوع ؟”.

وتضيف: “لا أقول أنني بالضرورة مؤهلة لذلك المنصب، لكن ما أطالب به هو منحي فرصة متكافئة مع باقي الخريجين من الذكور للتقديم في مجلس الدولة، وليس منعي من البداية”.

 

كما وجهت خطابا إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي قائلة: “أيعقل أن تتحمل نساء مصر تكلفة اعتبارات الملاءمة المزعومة بعد تبنيكم أجندة التنمية 2030 وبعد إقرار استراتيجية تمكين المرأة بمحاورها الأربعة وتبني كافة أجهزة ووزارات الحكومة لها واعتبارها خريطة العمل للأعوام القادمة ؟ أيعقل أن ينتهي عام المرأة ونحن نساء مصر نصارع من أجل نيل حقوقنا الأساسية التي هو جوهر مواطنتنا ووطنينتا أيضا؟”.

واستنكرت أن تكون مصر في ذيل قائمة الدول التي سمحت للمرأة بتولي القضاء حتى وصلت لأعلى مناصبه، فعدد القاضيات المصريات 80 قاضية من إجمالي 12 ألف قاضٍ، بنسبة نصف في المائة من إجمالي عدد القضاة، فيما تصل نسبتهن إلى 33% فى تونس و38% فى الجزائر.

وتابعت: “لا يعقل أن يستمر حرمان نصف المجتمع من الإناث من حقوقهن لمجرد كونهن إناثا”، متسائلة: “هل أصبح نوعي جريمة استحق العقاب عليها ومبرراً للتمييز ضدي؟”.

 

انتفاضات لم تكتب لها النجاح

قضية تعيين قاضيات في مجلس الدولة أخذت بعدها الحقوقي والنيابي على أكمل وجه خلال العام الجاري، ففي مارس الماضي  تقدمت سوزي ناشد، عضو لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، بمشروع قانون بشأن تعيين المرأة قاضية فى مجلس الدولة، تجسيدا لما ورد فى الدستور المصري لعام 2014، والذي يلزم أن تعمل المرأة قاضية بكل الهيئات القضائية وليس جهات معينة دون استثناء أخرى.

سوزي ناشد

وقالت ناشد إنها سترد بمشروع قانون سيتضمن تاريخ عمل المرأة فى مصر، متسائلة: “لماذا استبعدت المرأة من مجلس الدولة، فهي الهيئة القضائية الوحيدة التى لا تقبل قاضيات وهو أمر غير مفهوم، معتبرة أن قلة عدد القاضيات في مصر يأتي نتيجة طول مراحل القبول في التعيينات”.

التحرك النيابي دعمه آخر حقوقي من خلال حملات المنظمات النسائية التي تطالب بتعيين القاضيات مثل “هي والمنصة”، وتدعم خطوات أمنية جاد الله.

 

مزن حسن

وتقول مزن حسن، رئيس مؤسسة نظرة للدراسات النسائية، إن المرأة المصرية ما زالت تصارع مجتمعا يتسم بالذكورية لتأخذ مكانًا هو في الأساس حقها الدستوري.

وتؤكد حسن أن نسبة تمثيل المرأة في المناصب القضائية لا تتجاوز أقل من النصف من واحد في المائة، موضحة أن النساء لابد ألا تقل نسبتهن عن 25%، خاصة أن تعيين المرأة في المناصب العامة لا يتناسب مع كفاءتهن.

 

مايا مرسي

 

رئيس المجلس القومي للمرأة مايا مرسي قالت إن تعيين المرأة في الجهات والهيئات القضائية هو حق دستوري لها، مؤكدة أن نسبة تعيين القاضيات لا تليق بمكانة وتاريخ المرأة المصرية ونضالها، خاصة إذا ما قورنت بنظيرتها في الدول العربية والأفريقية والأجنبية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد