بيت وأسرة

بسير زمانك سيري

بقلم: مبروكة محمد سيد

أذكر جيدا بريق عيني والدتي وإبتسامتها التي لا تفارق ثغرها ومشاعرها الحانية والدافئة التي تلفح جدران قلبي وهي تحضر لنا أشهى الطعام وتنظف وتكوي ملابسنا، اذا ما طلبناها وجدناها حاضرة، ولازلت أذكر بهجتي عند دخول غرفتي وأجدها نظيفة ومرتبة بعد أن تركتها وكأن حربا ضروسا قامت فيها. دائما تشعرنا بأننا الأقرب وأحب شيء في حياتها بالرغم من معارك الحياة التي تخوضها من أجلنا على حساب صحتها وراحتها، شكرا أمي! لو أحضرت مال الدنيا كله لأجلك لن أوفيك حقك، رب السماء فقط هو الذي يقدر ويجازيك على تربيتك والسهر علينا لأنك قدمت ما في وسعك.

مبروكة محمد سيد

هل سيقدر أبناء هذا الزمان ماكانت تقدمه أمهاتنا من أجلنا؟ وهل سيشعرون مثلما كنا نشعر نحن تجاههن؟

لكن عذرا أمي، لن أربي أولادي مثلما تربيت، لأنهم خلقوا في زمان غير زماني كما قالها الإمام علي كرم الله وجهه منذ أربعة عشر قرنا “لا تعلموا أبناءكم على عاداتكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم”، هم أبناء عصرهم. أمي كانت أجمل لحظاتك وأمنياتك أن نكون ناجحين ومرتاحين، لكن أجمل لحظاتي هي أن أرى أبنائي واثقين من أنفسهم وذوي شخصيات قوية، فما حاجتي بالنجاح وهم ليسوا أصحاب قرار، وماحاجتي لعباقرة تشترى ذممهم… لعمري أن يكون إبني رافضا ويقول لا لأحب إليّ من أن يكون عبقريا أو حتى موهوبا..

عزيزتي الأم المعاصرة، أحيطك علما بأن أبناءنا هم أبناء التكنولوجيا الحديثة بكل أنواعها (التلفاز، الموبايل، الأيباد، بلايستايشن…) هم أذكى منا وبكل جدارة.

 

التربية هي ما نغرس في أبنائنا من قيم ومبادئ، وأحيطك علما بأن الرعاية تكون قبل السبع السنوات الأولى، فالطفل يتكل عليك في كل شيء، ومع هذا من المفيد له أن نعلمه الإستقلالية

 

في ما سبق كان المثل يقول: “الذي فاتك بليلة فاتك بحيلة”، أما الآن أقول لك: “الذي فاتك بالمستقبل فعليه أقبل”.

لن تستطيعي أن تواجهي هذا الجيل بعقلية والدتك التي كانت ترى بأن التربية هي الطبخ والغسيل ومراجعة الدروس والإهتمام بالصحة… وغيرها من هذه الأمور، عزيزتي هذه تسمى رعاية وليست تربية.

التربية هي ما نغرس في أبنائنا من قيم ومبادئ، وأحيطك علما بأن الرعاية تكون قبل السبع السنوات الأولى، فالطفل يتكل عليك في كل شيء، ومع هذا من المفيد له أن نعلمه الإستقلالية، وأن نشغل له أوقاته حتى لا يلجأ للتلفزيون أو الإنترنت لأنه في هذه المرحلة لا يميز بين الواقع والخيال، وأن نتركه يعيش على فطرته، فأي تصرف يبدر منه هو طبيعي جدا.

بعد سن السابعة، تبدأ التربية وغرس المبادئ والقيم، وعليك أن تعي بأن هذه المرحلة تحتاج للصبر والصمت، فأنت هنا كحكم المباراة تماما، الفتي انتباهه إلى الأخطاء واتركيه يصلحها بنفسه دون عقوبات تخدش كرامته.

التربية ليست أمرا سهلا، فهي إحدى معارك الحياة الصعبة، من الضروري أن تتسلحي لهذا الزمان الذي نستيقظ فيه كل صباح على تطورات وتحديثات جديدة في شتى المجالات. لكي تواكبي الحضارة يلزمك أن تسيري معها، فهي صالحة لكل زمان ومكان، فبسير زمانك سيري! أول ما تعلمته من معلمي الروحي، عليك أن لا تنسي نفسك أبدا، ولهذا خصصي وقتا يوميا للقراءة والإستطلاع في الكتب والإنترنت، وإهتمي بمظهرك وغذائك وصحتك، فهذا يزيد من ثقتك بنفسك، ولا تنسي ممارسة هواية تفيدك وتسليك، وأيضا تعلمي لغة جديدة لتزيدي من رصيدك الثقافي وتتعرفي على أصدقاء جدد تستفيدين من تجاربهم.

الحياة معركة كبيرة، فكلما تسلحنا أكثر، كنا الرابح فيها، ولاتنسي دائما، بسير زمانك سيري.

مبروكة محمد سيد 

كاتبة جزائرية ومدربة تنمية بشرية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق