مجتمع

حوار “ميم” مع آنا ستامو، أول مرشحة محجبة عن حزب الخضر اليوناني

تبذل جهوداً مضنية لانتزاع حقوق الجالية المسلمة في اليونان

محسن حسن- مجلة ميم

تعد مشكلة الأقليات المسلمة في أوروبا والعالم أحد أهم المعضلات والعوائق التي تواجه المسلمين وأبناءهم في بلاد المهجر، وبصفة خاصة عندما لا تجد الجاليات المسلمةـ سواء كانت مقيمة أو مهاجرة ـ من يرفع صوتها ويطالب بحقوقها لدى الجهات الرسمية والمعنية. وتعد اليونان أحد أهم البلاد الأوروبية التي يعاني فيها المسلمون من العنصرية وضياع الحقوق، رغم كون الأكثرية منهم من أبناء اليونان ومستوطنيها؛ لذا فإن ما تقوم به السيدة”آنا ستامو”ـ اليونانية المسلمة، وعضو جمعية مسلمي اليونان، وأول مرشحة أوروبية محجبة عن حزب الخضر اليوناني في البرلمان الأوروبي ـ من جهود حثيثة متواصلة، لدمج مسلمي اليونان دمجاً طبيعياً وقانونياً في شرائح المجتمع اليوناني والأوروبي، يعد من العلامات البارزة في تاريخ المرأة الغربية المسلمة خلال القرن الحادي والعشرين؛ حيث تعد “ستامو” واحدة  ضمن أكثر عشر نساء تأثيراً في أوروبا، وهي متزوجة من الناشط المصري المسلم”نعيم الغندور” عميد الجالية الإسلامية باليونان. مجلة”ميم” تواصلت مع ستامو، وأجرت معها هذا الحوار. 

 

 

* بداية كيف تسلل الإسلام إلى قلبك؟ وكيف كان موقف أسرتك من إسلامك؟

ــ في الحقيقة لقد دخلت الإسلام بعد رحلة شاقة، فتشت فيها في كافة المعارف، وبعد معاناة طويلة مع القلق والاضطراب، قابلت زوجي الحالي، ساعتها كنا نعمل كمتطوعين ضمن منظمة أطباء العالم خلال الحرب في العراق، ففهمت منه الكثير عن الإسلام، ثم اهتديت وأسلمت، بعد أن قدم لي الإسلام كافة الردود على تساؤلاتي المحيرة، ولم أجد أية معوقات من أسرتي رغم عدم كونهم مسلمين، ونحن جميعاً على علاقة طيبة ونتواجد معاً في أية احتفالات إسلامية أو مسيحية.

 

مع شقيقتها المسيحية كاترينا ستامو

 

* كيف تقيّمين تعامل الدول العربية والإسلامية مع المرأة؟

ـ بالتأكيد هناك قصور شديد؛ فبعض الدول الإسلامية مثلاً تتجاهل الحقوق الشرعية والقانونية الخاصة باستفادة المرأة من الميراث، وبعضها الآخر يتعسف في منحها الحريات الطبيعية التي كفلها الإسلام من حرية الرأي والتعبير وغير ذلك، وللأسف هذا يؤثر سلباً على صورة الإسلام والمسلمين في الغرب، ونلمسه بقوة من خلال الاحتكاك الحضاري العالمي.

 

* كيف ترين دور المرأة المسلمة قياساً بدور قريناتها من غير المسلمات؟

ـ المرأة محاطة عالمياً بعوائق كبيرة، لكن تبقى المرأة المسلمة مميزة في دورها ومكانتها بفعل مبادئ وقيم الإسلام التي حفظت لها شخصيتها وحافظت على طهرها وعفتها، وأنا بصفة خاصة تستهويني المسلمات الناشطات في خدمة قضايا المرأة المسلمة في العالم أجمع.

 

ستامو مع مسلمات اليونان

 

*  برأيك ما سر عداء الأوروبيين تجاه الزي الإسلامي وخاصة حجاب المرأة؟

ـ الحجاب يجعل المرأة المسلمة متميزة في مظهرها ومختلفة عن الأخريات في أوروبا، وهو يرمز في جوهره إلى تدينها وإصرارها على مراعاة تعاليم دينها وخالقها، رغم أنها تعيش في مجتمع بعيد عن الدين، وهو ما يثير حفيظة وغيرة الأوروبيين بل وكراهيتهم!

 

* هل تحتاج مسألة الحجاب هذه جهوداً لإيضاحها أكثر لدى الغربيين؟

ـ الرأي العام الغربي عموماً للأسف، يفهم مسألة الحجاب بشكل خاطئ؛ فهو يعده رمزاً من رموز قمع النساء في العالم الإسلامي، وهذا غير صحيح، ومن ثم يجب بذل الجهد لتصحيح هذه المفاهيم الخاطئة، وإقناع الغربيين بأن الحجاب ملمح إيماني، لا تجبر عليه المسلمة، وإنما تختاره عن قناعة واستقلالية. ومن جهتي أبذل ما في وسعي للدفاع عن حق المرأة اليونانية المسلمة في ارتداء الحجاب.

 

أمام السفارة الإسرائيلية في أثينا من أجل القدس

 

* ماذا كان هدفك من محاولة الترشح لعضوية البرلمان الأوروبي؟

ـ تقدمت لعضوية البرلمان من بوابة حزب الخضر، وهو حزب له حضور في اليونان، وكان له نائب سابق في البرلمان الأوروبي، والحقيقة إن مجرد ترشح مسلمة محجبة لعضوية كهذه، يعد هدفاً وغاية؛ لأنه خطوة مهمة على طريق محاربة العنصرية اليونانية تجاه المسلمين التي سادت اليونان خلال السنوات القليلة الماضية. وبصفة عامة فإن شغلي الشاغل كمسلمة، وكعضوة في حزب، أن أعمل على جعل المسلمين الأوروبيين أكثر فاعلية واندماجاً تجاه مجتمعهم الذي يعيشون على أرضه، وكذلك مساعدتهم كمسلمين أوروبيين في الحصول على حقوقهم باعتبارهم مواطنين على نفس درجة المواطنة سواء بسواء مع أقرانهم اليونانيين.

 

آنا ستامو مرشحة حزب الخضر في البرلمان الأوروبي

 

* لكن ما دلالة أن يمنح البرلمان الأوروبي مسلمة محجبة حق الترشح لعضويته؟

ـ الدلالة واضحة، هي اعتراف هذا البرلمان ضمنياً بفاعلية ونضال المسلمين الأوروبيين، وحرصهم على أداء دور سياسي نشط وقوي في السياسة الأوربية وفق آليات إسلامية، ثم إن قبول تواجدي كمرشحة مسلمة ومحجبة، يدل من ناحية أخرى على تمتع الاتحاد الأوروبي بآليات قائمة على احترام الحريات الشخصية والقواعد الديمقراطية.

 

* كيف تفسرين التناقض الأوروبي المتعلق بحقوق الإنسان الدينية والعرقية؟

ـ الأوروبيون تعرضوا على مدار تاريخهم لأزمات اقتصادية كبيرة، وهنا في اليونان الأمر كذلك، وهو ما تسبب في انتشار وتكوين أحزاب يمينية متطرفة، يقوم أعضاؤها غالباً بالقفز على قواعد النزاهة والأخلاق، خاصة فيما يتعلق بطرق كثيرة ملتوية يسلكها السياسيون منهم للحصول على أصوات الناخبين، وهذا في مجمله يؤدي إلى اضطرابات عنصرية ومشكلات لا حصر لها.

 

* في مجلس إدارة جمعية مسلمي اليونان، ما أبرز جهودك لتحقيق تقارب أفضل بين اليونانيين والجالية المسلمة هناك؟ 

ـ بالطبع جهودنا لا تنقطع، وفي البدايات وجدنا عوائق كبيرة في التقريب بين طرفي الأمة اليونانية، خاصة من الأجيال القديمة التي نشأت وتربت على نبذ الآخر المختلف في الدين والمعتقد، لكن الآن والحمد لله حققنا نتائج مرضية في دمج الطرفين والتقريب بينهما، خاصة من الدارسين وطلاب الجامعة، وهو ما يبشر بمستقبل أفضل لطبيعة العلاقة بين مسلمي اليونان وغيرهم.وفي الحقيقة لابد هنا من تثمين الديمقراطية اليونانية التي تتيح فضاءً إيجابياً من المساواة يمكِّن من إجراء حوار مشترك وفاعل بين المسلمين وبين غيرهم من شرائح المجتمع اليوناني، وهو ما يتيح فرصاً مثالية للتعريف الحقيقي بالإسلام والمسلمين.

 

* وماذا عن صراعكم مع الأجندات اليمينية المتطرفة في هذا الإطار؟

ـ بالفعل كانت هناك أجندات يمينية متطرفة للنيل من مسلمي اليونان ولمنع تقارب الآخرين معهم، وأبرز تلك الأجندات سابقاً كانت متمثلة في حزب”لاوس” الذي كان يشن حروباً متتالية على الإسلام والمسلمين، لكنه مُني بهزيمة كبيرة في الانتخابات، ولم تقم له قائمة بعد ذلك، ونحن الآن بصدد مواجهة حزب آخر أكثر تطرفاً وعدوانية ودموية وهو حزب “خرسي آفغي” أو”الفجر الذهبي” الذي قام بقتل وإصابة عدد من المسلمين في اعتداءات عنصرية متفرقة، ولكننا والحمد لله استطعنا مقاضاتهم والزج بمجرميهم في السجون، وعموماً اندماج مسلمي اليونان مع مجتمعهم أصبح أكثر حضوراً وتميزاً.

 

* ما الرسالة التي تحرصون على تصديرها للآخر المختلف؟

ـ نحن ندرك تماماً أن الكثير من المؤسسات الفاعلة محلياً وعالمياً يصدّرون صورة مغلوطة عن الإسلام والمسلمين، وهناك مصطلح معروف هو”الإسلاموفوبيا”، ويعني الخوف والتخويف من الإسلام والمسلمين؛ لذا فنحن نصدّر الصورة الحقيقية والعملية للإسلام باعتباره ديناً يدعو إلى التعايش السلمي بين أتباع كافة الديانات وبين جميع البشر، ويسمح بل ويشجع على التعامل مع الأقليات الدينية باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من مواطني الدول الإسلامية من حيث الحقوق والواجبات.

 

مع أبنائها لرفع الحصار عن غزة

 

* على ذكر الأقليات: هل أنت راضية عن وضع الأقليات المسلمة في العالم؟

ـ بالطبع لست راضية؛ فرغم وجود رعاية عربية وإسلامية عبر برامج تعليمية وغيرها، ورغم توفر النوايا الحسنة تجاه تلك الأقليات، إلا أن الجهود تتم بشكل فردي ودون تنسيق جاد يحفظها ويعمل على استمرارها، ومن ثم تكون النتيجة هي المعاناة والضعف والتشرذم، ومزيد من الكوارث في حق هذه الأقليات؛ ولعل ما يعاني منه المسلمون الروهينغيا يوضح ما وصلنا إليه من قصور وتقصير شديدين!!

 

على منصات الدفاع عن حقوق الأقلية المسلمة في اليونان

 

* ما تقييمك للحوار الدائر بين أهل الديانات في العالم حالياً ؟

ـ للأسف، حوار الأديان بملامحه الحالية تطغى عليه الاعتبارات السياسية؛ فهو حوار مسيّس، ومن ثم فالنتائج سطحية وأغلب المتحاورين لا يصلون إلى شيء في نهاية حوارهم، وفي حال أردنا أن يكون حوار الأديان فعالاً ومجدياً فإن على أطراف هذا الحوار أن تكون انطلاقتهم هي دراسة الأمور التي تتفق عليها الأديان، وبالتالي تكون هناك أرضية مشتركة لتداول نقاط الخلاف ومناقشتها.

 

* لكن، ما طبيعة حواراتك وتعاملاتك مع المسيحيين بعد اعتناقك الإسلام؟

ـ كل علاقاتي بالمسيحيين تقوم على الاحترام المتبادل، فقد عشت طويلاً بينهم وتربيت معهم، وتقريباً نصف عائلتي منهم،

وكل محاوراتي معهم وأمنياتي لهم أن يقتربوا أكثر وأكثر من الإسلام حتى تتغير أفكارهم ومفاهيمهم الخاطئة عنه.

 

* كأقلية مسلمة في اليونان ماذا تُظهرون من شعائر الإسلام؟

ـ نحرص على لفت نظر اليونانيين والأوروبيين إلى كل شعائر وأركان وعبادات الإسلام، ونحرص كذلك على مشاركة الآخرين أعيادهم رغبة في أن يشاركونا أعيادنا كذلك ليتعرفوا أكثر على حياة المسلمين ودينهم، وهو ما يسمح لنا بالتأثير الفاعل في من حولنا والحمد لله.

 

* وماذا عن جهودكم بخصوص الأسرة اليونانية المسلمة؟

ـ الأسرة اليونانية المسلمة هي جوهر اهتمامنا وجهودنا، ونحن نهتم بها كاهتمامنا بأسرنا الخاصة، وأنا كأم وكزوجة وكناشطة أيضاً، معنية بهذه المسألة على وجه الخصوص، لذا أحرص دائماً على تفعيل وابتكار الكثير من برامج التثقيف والتوعية والنهوض الاجتماعي لرفع مستوى الأسرة اليونانية المسلمة في شتى الإيجابيات.

 

* بعد تجربة زواجك من مسلم، هل تعدّين المصاهرة مجدية في نشر الإسلام بين الأوروبيين؟

ـ في اليونان وكل أوروبا إذا كان الزوج مسلماً فليس حتمياً أن تعتنق الزوجة الإسلام، اللهم إلا إذا توفرت شروط بعينها في هذا الزوج كأن يكون الزوج المسلم عميق التدين فاهماً لأصول دينه مدركاً لحقوق الآخرين، وإلا فإن علاقة المصاهرة سوف تتحول مع مرور الوقت إلى عداوة وكراهية، خاصة مع وجود أبناء بين الطرفين؛ لذا فإن مسؤولية الرجل هنا تكون كبيرة ومحورية، وبصفة عامة لا تعد المصاهرة الطريقة المثلى في كل الأحوال لنشر الإسلام.

 

مع أسرتها المسلمة

 

* في الختام، كيف تعاملتم مع تجاوزات ترامب الأخيرة في حق القدس؟

ـ قضية القدس بالنسبة لنا من الثوابت الدينية والإسلامية، كما أنها حق من حقوق الشعب الفلسطيني؛ لذا فنحن ندعم قضية القدس بشكل خاص والقضية الفلسطينية بشكل عام، ونشارك في أية فعاليات جادة للتعريف بكل هذه الحقوق، ومنذ إعلان ترامب عن نيته تحويل السفارة الأمريكية إلى القدس الشرقية، ونحن ندشّن الكثير من الفعاليات والوقفات الاحتجاجية أمام السفارة الإسرائيلية بأثينا، كما أننا نؤسس لحوار جدي وفاعل مع كل الأطراف المعنية ثقافياً وسياسياً في اليونان وأوروبا لشرح أبعاد هذه المسألة وتكوين رأي فعل عام مضاد لتلك النوايا الخبيثة تجاه القدس وفلسطين وشعبها المناضل.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد