مدوناتالرئيسي

المدينة المنورة بؤبؤ عين الخلافة العثمانية

بقلم: محمد عثمانلي 

يستثمر كثير من الساسة التاريخ، وقد يكون هذا الأمر إيجابيًا في حالة شحن الهمم ورفع المعنويات، وقد يكون من أجل الاعتبار والفهم السليم، فلا يكون هذا الاستثمار مرفوضًا لو لم يكن متناقضًا، بحيث يتأسّى بإيجابياته ويجتنب سلبياته؛ ولكن إن كان استغلال الماضي من أجل نشوة سياسية زائلة يكون من أكثر أشكال الجهل التي لا يمكن للمؤرخ ولا للسياسي العاقل تقبلها.

محمد عثمانلي

من المهم إيضاح الوثائق أمام البهتان فهي خير دواء للافتراء التاريخي، ولكن هل ينفع الاستحضار الوثائقي ونحن أمام حالة مرضية وأزمة أخلاقية، تتعدى الاستدلال الوثائقي عليها، وهي تحتاج إلى كشف عقليتها ومرادها من نشر التاريخ بشكل مزّور يستعصي تصديقه على الأطفال الرضّع، هذه حقيقة فلم يتم نشر تلك المعلومات الزائفة من أجل نقد التاريخ، إنما من أجل إهانة أمّة!

الحديث عن القائد العسكري فخر الدين باشا تعد مسألة شخصية بالنسبة لي؛ لأنه من الذين خرقوا حاجز الزمان السياسي، ورمى المعاهدات غير العادلة التي ضيعت البلاد وأهلكت العباد خلف ظهره، وكان قد قدّم زمان انتهاء الحرب العالمية الأولى لنحو ما يقارب 62 يومًا وهو يقوم بحماية الحرم المدني من أن يدنسه جنود الاستعمار، ولكم أن تتخيلوا وقوفه أمام قبر الرسول في المدينة المنورة التي انطلق نور الإسلام منها على يد النبي الأمي وهذا النور ينطفئ أمامه كشمعة آفلة، وعلى كاهله هذا الإصر الأليم، نعم إنها مدينة الخلفاء الراشدين الذين فتحوا العالم بهذا الدين الخاتم، وهل سيتخلى عنها ببساطة؟!

هي مسألة شخصية لي وللكثيرين من أحفاد العسكر العثماني الذي تبّقى في الأقاليم الجنوبية للدولة العثمانية، فكان هذا المغوار الإسلامي العنيد رمزًا لنا، فهو ليس مجرد قائد تركي قومي أو بطل حافظ على المدينة المنورة، لكنه جندي في أخر دولة اعتبرت امتدادًا للحكم الخلافوي المتعلق بسياسة الإسلام الشرعية، ولقد تربّى تربية عسكرية منذ شبابه، وقضى نصف حياته في الحروب والتدريب العسكري، وفق العهد الجهادي الذي أخذت الدولة العثمانية على عاتقها استلامه منذ نشأتها، وهو الذي لم يرتض خلع بزّته العسكرية تحت أي ظرف مارق، والتي رمزت للجهاد الإسلامي العثماني.

 

الفريق أول فخر الدين باشا

 

الساسة الذين يشوهون التاريخ استثمارًا لمكاسب سياسة ضيقة زائلة، أعمت عنجهيتهم أبصارهم، لم يعرفوا من خلالها أن وسائل التواصل الاجتماعي ساوت بين الشريف والضعيف، ويظنون أنهم يحسنون في عصر السرعة قذف التاريخ! ونسي أولئك أن الحقيقة تخرج بسرعة الضوء، وعلى أي حال فلقد صدقت فيهم الآية ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾، والأثر «إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسًا، يهوي بها سبعين خريفًا»، فهم يتاجرون بما لا يعود عليهم إلا بالخسار والحسار، حسرة عليهم أن انتشرت -بسببهم- سيرة هذا القائد الناصعة البياض في وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الإعلام المختلفة، وهوت بناقل الأكاذيب سبعين خريفًا بمزيد من السقوط لتجار التدليس ومخربي رموز الأمة، هي حسرة في بيان كرههم للأمة والملة، وهي هاوية في تثبيت التزوير لكل من يحاول المساس بأكثر فترة حساسة كان الصراع فيها بين حماة الدين الإسلامي وجباة الاستعمار الامبريالي.

القائد فخري أشهر من علم على سارية، فهو الذي اشترك في جبهات ليبيا والبلقان والأناضول وكذا كان قد حاز على كثير من الألقاب أهمها “مدافع المدينة” في الحجاز إبّان العهد العثماني، وكل قدح يوجه له فإنّه يوجه لذات الدولة التي تربى في مدارسها العسكرية وفق البروباغاندا الإنكليزية، فهو لم يتصرف من رأسه حينما رفض طلبات الحكومة العثمانية بتسليم مدينة رسول الله عليه السلام، وكذا حينما أخرج الأمانات المقدسة منها، كل هذا واقع ضمن شرعية سيطرة السيادة العثمانية على أراضي المسلمين، والتحكم في محتويات ما تحت هذه الأراضي وفق المصلحة التي تخدم الدين والمسلمين، وكذا وفق التربية العسكرية التي نالها في عدم الاستسلام بسهولة أمام العدو، وهل سيترك تركة العثمانيين للهيمنة الاستعمارية وللجيوش الغازية! وهل سيترك الأمانات المقدسة تحت احتمالات نيران المدافع الأنكلوسكسونية؟

 

نقطة مراقبة عثمانية على طريق الحجاز

لقد كانت المدينة المنورة مبتدأ السياسة الإسلامية منذ قرون مضت، وهي منتهاها مع انتهاء الحرب العالمية الأولى، لقد كانت جولة عناد مستعصية بين المسلمين وأعداء الدين، ولقد سببت عقدة نفسية لدى قادة الإنكليز؛ بسبب خسارتهم في حروب غزة الأولى والثانية وكذا خسارتهم الشنيعة في كوت العمارة ومضيق جنق قلعة 1915، بالإضافة إلى تمركز نقطة استقطاب مخالب الإنكليز الشرقي_الهندي، والغربي_المصري في هذه المدينة المباركة، وكان واضحًا انتشار كبار الضباط والجواسيس البريطانيين والفرنسيين الذين يسيّرون الجيوش المحاصِرة؛ فالضغط كان كبيرًا عليها، وهذا بالضبط ما كان لدى ذهن القائد فخر الدين باشا عندما قال لجنوده “إن المدينة المنورة هي بؤبؤ الخلافة العثمانية”!

 

فخر باشا مع الحامية العثمانية بعد تلقيه أمر الإنسحاب من المدينة من الباب العالي ورفضه تنفيذه

 

هنالك ثلاثة عوامل تجعل التيار الذي يهاجم التاريخ الإسلامي في صدام مع أبناء هذه الأمة، الأول وهو أنّه هاجم التاريخ الإسلامي العثماني، والذي يكن له الكثير من أبناء المسلمين الود والولاء، والثاني أنه هاجم شخص الرئيس أردوغان، من خلال هجومه على التاريخ الذي ينتمي له هذا الرئيس وبلده تركيا، والتي تعتبر أيقونة للكثيرين من الشعوب العربية، وثالث العوامل هو استمرار استغلال أحداث الماضي في الحاضر ضمن تناقض غير منطقي، وترك الجسر الأمين والوحيد لربط الماضي بالحاضر ألا وهو جسر العبرة والعظة والنقد البناء الصحي.

في النهاية لا يمكننا القول سوى أن هذا التيار المنافر لتوجهات المجتمع الإسلامي في تشويه تاريخيه وتحطيم قدواته، ليس أثره إلا كعثّة تحاول خرق جدار شامخ، ولو أن هذا التيار حريص على مصالح الأمة بالفعل، وأنه يعتبر قادة العثمانيين سارقين وقاتلين، لنرى فعله يوافق نقده للتاريخ! لنراه يحاسب من نهب أموالنا، لنراه يحاكم القتلة والمجرمين، لنراه يعدل في توزيع الثروات، لنراه يصدق في عدم اقتدائه “بأجداد أردوغان السارقين”! «أيها البائس!».

سيبقى فخر الدين فخرًا لكل مسلمة ومسلم، إذ أبقى على أمانات رسولنا الكريم في ديار المسلمين ولم يجعلها هملًا في متاحف الدول الاستعمارية يعبثون بها في المزادات العلنية ويقدرونها بالأسعار الدنيوية، ويعبثون بها بأصابعهم الصدئة المهريّة، هذا بطل من أبطال الإسلام، هذا من إخوان رسول الله عليه الصلاة والسلام، هذا من السائرين على درب الحق والجهاد، رحمه الله وجعل مثواه فسيح الجنان، وليستمر هذا التيار الأحمق في تهييج الجماهير حتى يكتشفوا تاريخ أمتهم الحقيقي! وأختم بقول أستاذنا المؤرخ ألبير أورطايلي: «في الأصل يجب علينا تقديم الشكر للوزير الإماراتي على هذا التذكير الذي تجاوز به الحدود»!

محمد عثمانلي 

كاتب وباحث في التاريخ العثماني

الوسوم

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “المدينة المنورة بؤبؤ عين الخلافة العثمانية”

  1. رد اكاديمي متحمس ، وتحليل منطقي وواعي ، ورؤية ثاقبة للحدث قديمه وجديده ، وفقكم الله لخدمة التاريخ بمنهج رشيد

اترك رد