سياسة

البوسنة والهرسك امتنعت عن التّصويت .. المعادلة الصّعبة للمسلمين البشناق

لماذا لم تصوت البوسنة لصالح قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يدعو الولايات المتحدة إلى سحب اعترافها بالقدس عاصمة لإسرائيل؟

 

128 دولة صوّتت لصالح قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يدعو الولايات المتحدة إلى سحب اعترافها بالقدس عاصمة لإسرائيل، فيما اعترضت 9 دول، وامتنعت 35 دولة عن التصويت لصالح القرار، ومن بين الدول الممتنعة البوسنة والهرسك.

امتناع البوسنة والهرسك عن التصويت يفتح الباب للحديث عن المأزق السياسي الذي يعيشه مسلمو البوسنة “البشناق” نتيجة اتفاقية دايتون التي وصفها الرئيس الراحل علي عزت بيغوفتش بقوله “ان هذا قد لا يكون سلاماً عادلاً، ولكنّه أكثر عدلاً من مواصلة الحرب “، تلك الإتفاقيّة لا تمنحهم السيادة التي يستحقونها لكونهم اكبر مكوّن في دولة البوسنة،بل تمنحهم ثلث  المجلس الرئاسي المكوّن من عضو من مسلمي البوسنة وعضو من كروات البوسنة وعضو من صرب البوسنة.

وفي ضوء المادة الخامسة من الدستور البوسني أيضاً، يحصل مسلمو البوسنة على ثلث البرلمان، مع أن نسبتهم تصل الى 52٪ ،ونسبة الكروات لا تتجاوز 15٪ والصرب 33٪، وبالتالي فكلّ القرارات المتعلقة بالسّياسة الخارجية التي هي من صلاحيات المجلس الرّئاسي لابدّ أن تتّخذ بالإجماع  بين الرؤساء الثلاثة، وهذا يجعل المواقف السّياسيّة الخارجية لدولة البوسنة أقرب للإمتناع عن التّصويت، نتيجة صعوبة الوصول للتّوافق وتعقيد الإجراءات الممكن اتّخاذها في حال إصرار أحد الرؤساء الثلاثة على إحالة الموضوع للبرلمان للتّصويت عليه.

لم يصدر توضيح رسميّ لموقف مجلس الرئاسة بالإمتناع عن التّصويت، وإن كانت مصادر مقرّبة من عضو مجلس الرئاسة الممثّل للمسلمين باقر علي عزت بيغوفتش ذكرت أنّه كان مع القرار، وأن توصيات وزارة الخارجية البوسنية كانت مع تأييد القرار، ولكن من جانب آخر، نشرت وسائل الإعلام رسالة بعثها رئيس كيان صرب البوسنة ميلوراد دوديك لعضو مجلس الرئاسة ممثّل صرب البوسنة ملادين ايفانيتش يقول فيها

“تقديرا لحساسية المشاكل الممتدة عبر السنين بين إسرائيل وفلسطين، وفي ضوء قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنقل البعثة الدبلوماسية  للولايات المتحدة إلى القدس، أطلب منكم  كعضو صربي  في مجلس رئاسة دولة البوسنة، أن تبذلوا كل ما بوسعكم كي لا يدعم سفير البوسنة والهرسك في الأمم المتحدة قرار الجمعية العامة برفض قرار الرئيس الامريكي، جمهورية صرب البوسنة “صربسكا” وإسرائيل لهما علاقات ودية، ونحن نقدر أنه يجب التوقف عن أي عمل دبلوماسي للبوسنة والهرسك يمكن أن يقوض هذه الصداقة. أنا أفهم تماما تعقيدات الوضع في الشرق الأوسط، وأدعو إلى إيجاد حل سلمي للمشاكل بين اسرائيل وفلسطين”.

ومعروف عن دوديك انّه يشكّل الزّعامة الحقيقيّة لصرب البوسنة، ومعروف أيضاً متانة علاقاته مع اسرائيل، فهو يكاد يكون  الوحيد  من الزعماء الأوروبيين الذي أبدى دعماً غير مشروط للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في 2014، وفتح الأبواب لرجال الأعمال الإسرائيليين للإستثمار في اراضي كيان صرب البوسنة “صربسكا “، ويحاول بكلّ الطّرق استمالة  جانب الولايات المتّحدة التي صنفته ضمن القائمة السوداء لأنشطته السّياسيّة التي تقوّض تطبيق  اتفاقية دايتون.

امتناع البوسنة  عن التصويت فيما يخص القضية الفلسطينية أمس ليس هو السابقة الأولى في الحقيقة،  فقد قامت أيضاً بالإمتناع عن التّصويت عام  2011 عندما تم طرح الاعتراف بدولة فلسطين في مجلس الأمن وكانت البوسنة والهرسك من ضمن الدول الـ15 الأعضاء، ولكن لم يتمّ الاجماع عليه مع أن العضوان المسلم والكرواتي في مجلس الرئاسة كانا مع القرار، ولكن ّالعضو الصربيّ رفض القرار بأمر من زعيم صرب البوسنة دوديك.

 

علم فلسطيني في إحدى مقاهي البوسنة

 

ويؤشر قرار الامتناع عن التّصويت إلى المعضلة التي يعانيها مسلمو البوسنة، سببها حاجتهم الى دعم قوة كبرى عالميّة، ففي حين تدعم روسيا الصرب ومن ورائهم صرب البوسنة، وتدعم ألمانيا ومن ورائها الإتحاد الأوروبي الكروات ومعهم كروات البوسنة، تقف الولايات المتّحدة موقف الدّاعم الأبرز لمسلمي البوسنة، فهي التي أوعزت بتدخّل الناتو الجوّي ضد الصرب الذي أوقف عمليّاتهم القتاليّة بعد مجزرة سربرينتسا عام 1995، وهي التي ترعى اتفاقية دايتون.

ويتناقض هذان الموقفان بالإمتناع عن التّصويت الذي من شأنه أن لا يدعم مطالب الفلسطينيّين مع الموقفين  السّائدين لمسلمي البوسنة رسميّاً و  شّعبيّاً، إذ شوهد ممثّل المسلمين البشناق في مجلس الرّئاسة باقر علي عزت بيغوفتش وهو يتصدّر المسيرة الضّخمة المطالبة بإنهاء العدوان الاسرائيليّ على غزّة.

وله مواقف واضحة مؤيدة لحقوق الشّعوب العربيّة، ويشترك في هذا مع عموم مسلمي البشناق الذين تنتابهم مشاعر جارفة تجاه القضيّة الفلسطينية انطلاقاً من ثوابت إنسانيّة ودينيّة حملوها معهم على مرّ السّنين، فيذكر التّاريخ أن قسماً من المسلمين البشناق يمّموا وجههم صوب فلسطين للهجرة والإستقرار فيها بعد احتلال امبراطورية النمسا والمجر لبلادهم عام 1878، وتفاعلوا مع المجتمع العربيّ وذابوا فيه، وبقي اسم العائلة “بشناق“ مذكّراً بأصولهم وحبّ اجدادهم للأراضي المقدّسة، وفي سنة 1931، عُقد في القدس “مؤتمر العالم الإسلامي”، وجاء وفد كبير من أعيان البوسنة والهرسك إلى فلسطين، للمشاركة فيه، يتقدم الوفد الدكتور محمد سباهو (وزير في مملكة يوغوسلافيا) وسالم مفتيش (مفتي سراييفو) ومحمد موغاييش (قاضي المحكمة العليا في سراييفو) والحاج مصطفى مرهميش.

وكذلك كتيبة المجاهدين البشناق التي قدمت بصحبة المفتي أمين الحسيني للدّفاع عن ثرى فلسطين  وخاضوا معارك مشهودة، وقدموا مثالاً للتضحية والشجاعة، وسقط منهم شهداء قدّر عددهم بـ 220 شهيداً، وشاركوا في معركة القسطل، وفي معركة يافا،  وفي معركة المالكية، ومعركة الشّجرة، ومعركة باب الواد.

الوسوم

مريم تولتش

صحفية متابعة للشؤون الأوروبية ومتخصصة في البوسنة والهرسك

مقالات ذات صلة

اترك رد