مدونات

وآفة الحبّ يا قدس الخذلان

 

هنا أنا، أقف بين حروفي المبعثَرة يا قدس، لا أجد من يلملمها وما يلملمها، كلّ حروفي من هنا تشتّتت كما تتشتّت وعود العرب وأحلامهم وأجسادهم وأوطانهم. كلّ حروفي هنا خائرة كما خارت قوّة العرب والمسلمين ووحدتهم وعزيمتهم، كلّ حروفي هنا ضائعة كما ضاع إيمان العرب والمسلمين ويقينهم وكلّ حروفي متلاشية كما تلاشت كرامتهم. هنا أنا، أجدني جسدا ضعيفا واهنا، لا أكاد ألتقط نفسي من وحل الفواجع وأحملها عليّ، أحول بين قلبي وقلمي، هذا الذي يخشى أن يكتب اليوم فيك وإليك، هذا الذي لا يستقرّ عند كلمة إلّا وقد نزفت دموعي من مآقيه ومشاعري من ثغره وثورتي من مجراه.

هنا أنا أحملك في صدري حبّا وفي روحي عشقا لا زال يتردّد على دار الخذلان ويرتاد أرض الخيبة ليخيّب ظنّك. هنا أنا يا قدس، أتسمّر بحبّي في هذا المكان، أحمل بين يديّ كوفيّة رماديّة ينام فيها قلبي، أتسمّر بالوضعية نفسها التي يكتسي بها هيكل رجل جاث على ركبته يطلب يد حبيبته للزواج، لا لأطلب يدك الطاهرة التي عذّبناها منذ زمن بالتخاذل والإهمال، وانشغلنا عنها بالمال والأعمال ولكن لأقبّلها وأشمّها، لتلامس عبراتي وشهقتي ولأسألك يا سيّدتي الغفران، فأنت من أترعتني حبّا لكلّ ما فيك، وآفة الحبّ يا حبيبتي الخذلان. فلتغفري ولتصفحي بالله عليك.

قلمي اليوم يا قدس يا عاصمة فلسطين الأبديّة يعاني من إمساك نفسي حاد ومزمن، ويرتجف في يديّ، إنّه لا يستطيع التركيز في خرائط الأوراق ولا يكاد يلبث في ورقة واحدة، كيف لا وفي كلّ مرّة نبيعك بورقة، ونقسّمك بورقة ونجرّح فؤادك بورقة ونشمّت آمالك وآمالنا معا بورقة ونكسر أنفنا بورقة ولا زلنا نواسيك وننصرك بورقة فنكسر قلبك بها، ألا تبّت أوراقهم وأوراقنا. بالله عليك يا حبيبتي اغفري، ولتصفحي.

 

 

يا سيّدتي قيل “ثمّة خذلان لا يكفيه أسف”، وأعلم أنّ كلمة آسف لا تكفيك، أعلم أنّها لا تدفّيك، أعلم أنها لا تمسح ما يضنيك، وأعلم أنّها لا تجفّف مآقيك، ولو كانت تفعل لداوت جراح قلبي أنا وأزالت ما يقاسيه من ضنى. يا سيّدتي خذلناك ونخذلك وسنخذلك، فحكّامنا ومنتخبونا مصابون بداء الاحتيال العاطفي ووباء الوعد الكاذب الذي يستدرجوننا بفضله إلى فخّ حبّ الوطن الآمن والعيش الكريم، ونحن أسرى معتقلاتهم تارة وسجناء هوّنا وتهاوننا تارة أخرى، نحن ذاك الشعب الذي غطّى بتثاؤبه سماه، وا أسفاه.

ونحن إذ نبكي عليك لا نبكي إلّا على عجزنا. نبكي على عجزنا يا قدس وأيّ عجز هو عجزنا! عاجزون عن قول “لا” وعاجزون عن مقاطعة الأعداء والاتحّاد لأجلك ولأجلنا، عاجزون حتى عن تتبّع أخبارك في نشرات الأخبار ولهذا نبكي ونبكي كالرضّع على عجزنا، عاجزون أن نحبّك بإخلاص وصدق، عاجزون أن نهتمّ بك دون تقطّع، عاجزون أن نحبّك دون خوف من الموت وبقاياه، عاجزون أن نحبّك بقوّة وأن نصونك بالعطاء.

خذلناك عندما رضخنا للصمت وخضعنا للخوف والجهل، خذلناك عندما سلّمنا أنفسنا للكسل، خذلناك حينما أذعنّا للنسيان، خذلناك حيثما امتدّ صوتك وحيثما كان، خذلناك لحظة الملل، خذلناك حتى بالأمل، وكم تخدّرنا وسكرنا بالأمل حتى أعييناه وأعييناك. خذلناك بتعليمنا وأخلاقنا وعلاقاتنا، خذلناك وما فتئ الخذلان سيّدتي يمشي في عروقنا وتناسينا وصايا تعلّمناها منذ الطفولة، تناسينا مثلا أنّ المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله. ظلمناك وخذلناك حقّا. ألا فلتغفري.

سنخرج اليوم بحبّنا في عشرات المدن نحمل عشرات الشعارات، سنخرج لنتظاهر بأنّنا لم ننس ولن نصمت وسننصرك، سنخرج ليلا ونهارا، نغضب ثلاثة أيّام ولا نتكلّم إلّا رمزا، نغضب أسبوعا وشهرا ثم نسمع للشيطان همزا ونعود، نعود لبيوتنا الدافئة وأمننا الكاذب وسلامنا المزيّف لنمارس فنون الخذلان من جديد، لنعيش حياة العبيد، لنُنفى إلى الجوع ونقدَّم قرابين للروع في أوطاننا، فهذا ما نريد.

يا قدس أ تذكرين يوم تجوّلت فيك قبل أربع سنوات؟ لم أدخلك من باب الأسباط المقوّس ولا من باب حطّة العتيق ولا من باب الساهرة الكريم، لم أدخلك من أبوابك العريقة ولم أقتنِ لوالدي قمبازا من سوق الخواجات ولم أقتنِ لنفسي كوفيّة لأملأ بها صدري أو لألحّف بها وجهي كما يفعل المناضلون الثائرون بالحجارة ولم أمرّ بسوق العطارين لأتداوى بأعشابه، لم تأخذني رجلاي صوب قرية المالحة الجميلة ولم تحملني إلى عين كارم الخضراء لأتوقف وأسمع ما يرويه الناس عن الحسيني أو ما ترويه الجدّات عن حطّين، حتّى أنّني لم أشاهد يومها كنيسة مريم المجدلية الخلّابة ولم أسمع أجراسها. لا ولم  أسلّم على رابعة العدويّة هناك بجبل الزيتون وقد كنت أتمنّى لو قمت بكلّ هذا، لكنّ زمن الرحلة كان ضيّقا لا يتعدّى بضع لحظات.

كلّ ما فعلته هو التجوّل في شارع من شوارع البلدة القديمة العتيقة بعد العصر، حيث شاهدت الأطفال يلعبون في سلام تام، وشمالا ظهرت قبّة الصخرة  بالمسجد الأقصى أمامي كأنّي بها لم تتألم يوما ولم تعرف الحزن يوما ولم تشهد الأسى يوما، وكنت كلّما خطوت خطوة كلّما اتّسع نور الأقصى. يومها والله لم يكن فيك صهيونيّ واحد وكانت دروبك مشّجرة وشمس أصيلك في غاية الجمال. ويا ليتني ما استيقظت لأتفاجأ أنّنا التقينا في الحلم، نعم يا سيّدتي، في الحلم كان لقاؤنا، ولربّما كانت هي رغبة مكبوتة تلك التي جمعتنا لكنني رأيتك بوضوح وللّحظة لم أنساك.

مع هذا الخذلان يا حبيبتي والتخاذل المستمر الذي يصبّه عليك العالم أتساءل إن كنت سأطلّ عليك من جبل الزيتون يوما ما وإن كنت سأصلي في المسجد الأقصى، وإن كنت سأجوب حارات البلدة القديمة وأبوابها وإن كنت سأنصت لقصص النضال يرويها شيوخ أحيائها، وإن كنت سأحظى بتذوّق حلوى “المطبّق الفلسطيني” من أيادي المقدسيّات ونضحك من أعماقنا، وإن كنت سأرتدي ذلك الزيّ المقدسي الجميل الذي يحوي خارطة تاريخ القدس العربيّة مطرّزا بألوان الفرح لا بألوان الحزن وإن كنت سأرى قدسنا باسمة فأبتسم.

حياة بن بادة

كاتبة جزائرية، مترجمة، أخصائية في علم النفس ومهتمة بالشأن الإنساني

الوسوم

حياة بن بادة

- كاتبة جزائرية ومترجمة وأخصائية في علم النفس ومهتمة بالشأن الإنساني

مقالات ذات صلة

اترك رد