مجتمع

جَارة الأقصى “آية” حقاً فتاةٌ ذهبية

المقدسي هو كل إنسانٍ سكنت القدس قلبه

 

هديل عطا الله- فلسطين- مجلة ميم

كل الذين قلوبهم مُعلقة بالأقصى سييُسر الله لهم “فرصة العمر” بزيارته يوماً ما؛ وحينها سيدركون معنى ما قاله تميم البرغوثي “في القدس تعريفُ الجمالِ “مُثَمَّنُ الأضلاعِ” أزرقُ، فَوْقَهُ، يا دامَ عِزُّكَ، قُبَّةٌ ذَهَبِيَّةٌ، تبدو برأيي، مثل مرآة محدبة ترى وجه السماء”.

في تلك الرحلة التي يحلم بها كل المسلمين؛ ليس كافياً أبداً أن يصلي المرء في المسجد الأقصى أو أن ينزوي في ركنٍ من باحاته لتأمل سرب الحمام يحطّ على قبة الصخرة بطمآنينةٍ عجيبة؛ هناك عَبق القدس وكعك حاراتها القديمة لا يُشبع من طِيبه؛ فقط في هذه البقعة و لأول مرة ستقابل أناسٍ من صنف قلما يُرى؛ لتعيش حيواتٍ أخرى حين تصغي إلى بطولات لمعارك قاسية تُخاض كل يوم.

 

الليمون والاقصى

 

ستود كثيراً- على سبيل المثال- أن تلتقي بفتاةٍ قمحية البشرة اسمها آية أبو ناب؛ حين تجلس إلى فتاةٍ كهذه لن تصدق أن عمرها لا يتجاوز التسعة عشر ربيعاً؛ ففي البلد الذي يحلم أن تُوضع بجواره مفردة “الأمين” “الآيات” لا تُحصى.

“جارة المسجد الأقصى” التقطتها “مجلة ميم” بالكاد؛ فوقتها يتوزع بين مشاركتها في فعاليات القدس المشتعلة هذه الأيام؛ وبين اختباراتها الجامعية؛ إنها “صاحبة الحظ السعيد” واللائقة بــ الجيرة المباركة؛ وبشرف المُرابطِةً في “مسرى الحبيب المصطفى”؛ إلى درجة أن اسمها غدا مدرجاً في “القائمة الذهبية” أو ما يسمى “القائمة السوداء” لتُبعد عدة مرات عن المكان الأحب إلى قلبها.

 

بنفسج

 

إبعادٌ يؤلم الروح

تعيش آية على بعد أمتار قليلة من الأقصى حيث مدة الوصول لا تزيد عن خمس دقائق؛ تحديداً في حي البلدة القديمة؛ ما يعرف بــ “حي باب حطة”.

عميقةٌ سكينة الفتاة؛ التي تبدو في صوتها وهي تبدأ الحديث لــ “ميم”: “نشأتُ بين أحضان عائلة تعشق المسجد الأقصى والقدس؛ رباني والديّ على حب الأقصى؛ منذ طفولتي كان أبي يصحبني إليه عند صلاة الفجر وبعدها أذهب للمدرسة؛ وأحياناً أرافق أخي وأختي وصديقاتي في أغلب الصلوات؛ إنه بيتي الأول الذي ترعرعت فيه؛ كنت أمارس فيه كل أنشطتي؛ أوقات دراستي وحزني وفرحي.. بمعنى أدق حياتي كلها هنا”.

وببراءة طفلة راحت تصف مشاعرها: “الأقصى هو مقر سعادتي؛ التي تزول إن أصابه سوء؛ الإنسان قد يعشق شخص؛ ولكن أنا عشقت مكاناً له مكانة عظيمة في روحي؛ إنه عقيدتي ويجب أن أدافع عنها؛ في كل مرة أصلي فيه أشعر بنعمة وأمانة لا تقدران بثمن؛ إنها نعمة لا يمنحها الله لأي أحد وقد اصطفاني أن يكون بيتي قريب من الأقصى”.

لو أن الرئيس الأمريكي التقي بمقدسيات من قبل لأدرك أن مسعاه خائب لا محالة؛ تقول آية بقوةٍ وحزم: “قرار ترامب مرفوض ولا يضيرنا فالأرض تعرف أهلها؛ ونحن المقدسيين لم ولن نعترف به؛ ستبقى القدس عاصمة فلسطين الأبدية؛ أمامنا الكثير كي نقدمه لنصرة الأقصى و القدس؛ سنحاول الدفاع عنهما بكل الطرق؛ بالدعاء أولاً؛ وبنزولنا إلى الشوارع والرباط في الأقصى؛ كي نثبت للمحتل رفضنا للقرار الظالم مهما قمعنا جنوده”.

 

 

هذه “الأقصاوية” الصغيرة أبُعدت عن المسجد المُبارك عدة مرات؛ وكانت أقسى مرة حين أُبعدت عامين كاملين؛ تصف مقدار الحزن الذي ألّم بقلبها حينها:”عندما علمت أني من القائمة الذهبية التي لا موعد لأعضائها لدخول الأقصى؛ اجتاحني ألمٌ كبير؛ هل تدركون أي إحساسٍ كان ينتابني حين أسمع صوت الآذان من بيتي ولا استطيع الصلاة فيه؛ لقد خضعت لأكثر من عشر محاكم؛ وفي المرات التي اعتقلت فيها تعرضتُ للضرب المبرح والحمد لله على كل حال”.

حياة المرابطات بلا أقصى تغدو بلا معنى؛ هكذا يبدو من كلام آية عن فترة الإبعاد: “لطالما حاولنا التحايل؛ كأن ندخل للمسجد إذا كان الشرطي الواقف بالباب لا يعرفنا؛ هذا الإبعاد القسري من شرطة الاحتلال ليس بقرار قانوني من المحكمة؛ وفي أوقات كثيرة لم نفلح في الدخول؛ يا له من قهر لقلوبنا وأجسادنا المعلقة به”.

وتشير أن إبعادها وصويحباتها الآن يخضع “للتقسيم الزماني”؛ توضح: “فترة الصباح منذ الفجر حتى الثانية والنصف ظهراً هو موعد دخول المستوطنين للأقصى؛ وبالتالي “القائمة الذهبية” يُسمح لها بالدخول فقط بعد العصر”.

 

عروس في الأقصى

 

مصورة ومعلمة

بابتسامة تشبه صفاء السماء بعد المطر؛ تتحدث لــ “ميم” عن أصعب موقفٍ مرّ بها: “في أول يومٍ علمتُ بإبعادي أرادوا اعتقالي لأنني كنت قد انضممتُ إلى النساء المبعدات أمام “باب السلسلة”؛ عندئذٍ هربت منهم وأخذت أركض وأركض فلحقني ثلاثة من جيش الاحتلال ومن بينهم ضابط؛ دخلت في محل فاقتحموه وكّسروا كل ما فيه على رأسي؛ لكم أن تتخيلوا شراستهم؛ لا أبالغ إن قلت: لم يبقى شيء إلا وقذفوني به؛ ونُزع حجابي وتعرضت للشتم وللضرب المبرح؛ حتى حين اُدعيت أنه أغمي علي استمروا في ضربي على رأسي”.

لــ ضيفتنا “آية عين ماهرة تلتقط المسجد الأقصى من زوايا غير معهودة؛ بشغفٍ جميل تتحدث عن موهبتها: “منذ أكثر من ثلاث سنوات بدأت علاقتي مع الكاميرا تتشكل؛ فوجدت أن صوري جميلة؛ وأبدى المقربون إعجابهم بأدائي وبلا شك تشجيعهم دعمني؛  بدأت أنمي موهبتي مع أن دراستي الجامعية في تخصص التربية؛ رأيت أن التصوير يتناسب مع قوة شخصيتي؛ لا سيما أن لدي جرأة كافية للنزول للشارع لالتقط الصور في أي موقف كان؛ ونجحت في استثمار قدراتي لنصرة الأقصى والتعريف بكل ركن فيه”.

 

 

وحول موقف عائلتها من أنشطتها؛ تفصح بالقول: “اعتدى الاحتلال علي كثيراً أثناء التصوير؛ وبالتالي اعترض أهلي على عملي في هذا المجال؛ ومن خوفهم علي أرادوا مني ألا أخرج في وقت المواجهات؛ عندئذ كنت شجاعة وحاولت إقناعهم:”أنتم من رباني على حب القدس والقضية؛ كيف ستمنعوني الآن؛ طلبت منهم احترام رغبتي بأن أنصر الأقصى بكل الوسائل سواء التصوير أو الرباط؛ .أحياناً يتفهمون رغبتي وأحياناً يغضبون مني ولكنهم اعتادوا على تصميمي”.

لكن آية تمتلك همم الجبال؛ فهي إلى جانب هوايتها؛ تجتهد كثيراً كي تبلغ حلمها بأن تصبح عما قريب معلمة للأطفال؛ تود أن توظف مهنة المستقبل بما يخدم حبها للمسجد الأقصى؛ تقول: “أغمض عيني وأتخيل نفسي وأنا أتجول بطلابي في رحاب أقدس مساجد الأرض؛ لأشرح لهم  معالم الأقصى؛ وكيف أنه ذات يوم كان هناك محتلٌ اغتصبه؛ وأن أهل المقدس دافعوا عنه بأرواحهم؛ سأحببهم فيه كما أحببته وأكثر”.

ومجدداً تصدق قصيدة تميم البرغوثي القائل فيها: “في القدس لو صافحتَ شيخاً أو لمستَ بنايةً لَوَجَدْتَ منقوشاً على كَفَّيكَ نَصَّ قصيدَةٍ يابْنَ الكرامِ أو اثْنَتَيْنْ”؛ ولعله من المدهش أن تكون المرابطة “خديجة خويص” بالنسبة لآية “أماً في الله”؛ تتطرق إلى الرابط الدافىء بينهما :”لا أنسى أبداً أول لقاء لي مع “أمي في الله”؛ كنا يومها بالأقصى المبارك نكّبر سوياً؛ استغربت أني لم أرها من قبل؛ وإذ بها تُرابط منذ سنوات؛ التقينا في ظروف قاسيةٍ على الأقصى؛ لن أنسى مشهد تعارفنا أثناء التكبير؛ ومن وقتها اعتبرتني مثل ابنتها”.

 

مسن مقدسي

 

لا نبرح حتى نبلغ

ترى آية أن قرار ترامب بإذن لله تعالى سينقلب عليه؛ ولا يرفّ لها رمش وهي تبرق عبر “ميم” رسالةً للشعوب العربية الحرة: “القدس ليست للمقدسيين فقط بل لكل إنسان تسكن قلبه؛ المقدسي ليس فقط من سكن القدس بل أيضاً لمن سكنت القدس قلبه؛ وثمة طرق لنصرتها؛ من بينها الدعاء والتعرف على تاريخ المدينة العتيدة والتبرع لها”.

وتأسف “جارة الأقصى” لهذا التطبيع العلني الذي يحدث بين (إسرائيل) والعرب؛ تتغير نبرة صوتها لتكتسي بالخيبة :”نحن مسلمون يجمعنا قضية وهمٍ واحد؛ لا أصدق أن يُطّبع شعب عربي مع الأعداء المحتلين الغاصبين؛ كان الأوَلى أن يقف إخوتنا العرب إلى جانبنا ؛ أقول حسبنا الله ونعم الوكيل؛ ألا يكفي أن الاحتلال ينغص علينا؛ ليأتي إخوتنا في الإسلام ويسجلوا هذا الموقف غير المشرف بتاتاً؛ هؤلاء العرب المُطبعون خاسرون؛ عليهم أن يخجلوا من أنفسهم لأن الله ورسوله نهيا عن الوقوف في صف الأعداء ضد المسلمين؛ بأي وجهٍ سيقابلون المولى عز وجل”.

 

داخل الأقصى

 

وفي سؤالها عن أبرز ما يميز الفتاة المقدسية عن غيرها من فتيات العالم؛ سارعت إلى القول “ما يميزها أنها تسكن بالقدس وهل هناك ما هو أكثر”؛ موضحةً: “كل مقدسية هنا تعاني من الاحتلال بشكلٍ أو بآخر؛ كل ما يفعلوه بالقدس و”المحاسيم”- أي الحواجز-  وتعمد إذلال المواطنين؛ هذه العقبات من شأنها أن تؤثر على أوقاتها ودراستها”.

فارسٌ عاشق للأقصى يحفظ كتاب الله وتنطبق عليه مقولة:”وراء كل مرابطة رجلٌ عظيم” هو من سيكون محظوظاً بــ”آية” التي تختم حديثها:” أدعو الله أن يرزقنا جميعاً القدرة على خدمة الأقصى والقدس؛ نحن مقصرون جداً ويجب أن نجتهد في البذل من أجلهما؛ لذا علينا ألا نبرحَ حتى نبلغ.. ويرن في أذني قول أمي خديجة: ” إنها دعوة لا ترضى بفضول الأوقات ولا تحملها الأيدي المرتجفة ولا الأعناق الملتفتة ولا الأكتاف الهشة”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد