مدوناتغير مصنف

تونس.. غَنَج المدينة

 

إن وصفتُها بالفاتنة فهو تجسيد بارد، وإن نعتُّها بالساحرة فهو احتمال وارد، ولو كان الخيال جزءًا مختبئًا من عالَم الحقيقة فقد يتجلَّى على هيئة مدينة تتَّخِذُ من صخب الحضارة وهدوء التاريخ أروع سمفونية يمكن للقلوب أن تتراقص حولها .. هكذا يمكن لي أن أختصر جولتي في مدينة تونس العاصمة.

على امتداد شارع الحبيب بورقبية الذي يتناهى عند فوَّارةٍ مائيَّة تتوسطها مَسَلَّة تُعرف بين التونسيين باسم “المُنقالة” وهي أحد معالم العاصمة التي يلتقي عندها الناس ويتواعد قرب مياهها الأصدقاء والعاشقون؛ هذا الشارع الذي يعُجُّ بالحركة منذ ساعات الصباح الأولى تتوزَّع على جانبيه المقاهي والمطاعم والفنادق الفاخرة، ويتزيَّن في الجهة المقابلة للمنقالة بتمثال الإمام المؤرخ ومؤسس علم الاجتماع ابن خلدون رحمه الله، وعلى يمينه مبنى المسرح البلدي وعن يساره كنيسة القدِّيس فانسان دو بول (Saint-Vincent-de-Paul).

 

شارع الحبيب بورقيبة

 

وإذا تركنا وراءنا ابن خلدون الشامخ يكتب للناس فصولا من مقدِّمة “ديوان المبتدأ والخبر” سنجد أنفُسنا أمام قوس “باب البحر”، حيث تتضايق الأزقة وتتعالى أصوات المارَّة وأصحاب سيارات الأجرة الذين سوف يُقِلُّونك إلى كثير من الوجهات ومن بينها بعض ولايات الشرق الجزائري مثل عنابة وسطيف، نحن الآن على بعد خطوات من المدينة العتيقة .. القصبة .. أين تتشنَّف الأسماع بموسيقى الشرق الجميلة، ونغمات تونس القديمة التي حفظنا كثيرا منها عبر إذاعاتنا وشاشة التلفزيون الجزائري قديمًا، هنا سوق الشوَّاشين صانعي الشاشية التونسية الحمراء، والتي نجدها زِينة على رؤوس الأشياخ هنالك.

 

 

نحن هنا لسنا بعيدين عن جدار جامع الزيتونة العظيم، حين تدخل باحة هذا الجامع التاريخي سيُداخلك شعورٌ باهر بأنك فعلًا تقضي لحظاتٍ من أيام الزمن الجميل، جامع الزيتونة ليس مكانًا للتعبُّد فحسبُ.. بل قد رصَّع على جبين تاريخنا نجوم العلم والدِّين والجهاد ضد الاحتلال الفرنسي، فهنا دَرَس ودرَّس الإمام المفسِّر المجدد الطاهر ابن عاشور (1879 – 1973) صاحب أحد أعظم الكتب في تفسير القرآن المسمَّى بـ”التحرير والتنوير”، وهنا قبَس علماء الجزائر الذين أسَّسوا فيما بعد “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين” كالإمام ابن باديس والشيخ البشير الإبراهيمي وغيرهما، وهنا ألفيْنا الشيخ محمد الخضر حسين (1876 – 1958) ينهل من ينابيع العلم والحكمة ليتولى مشيخة الأزهر في مصر لاحقا بين سنتي (1952 – 1954).

 

جامع الزيتونة

 

حين تنسَلُّ من بين ثنايا التاريخ الذي تحتضنه تلك المدينة القديمة؛ ستجد نفسك أمام مدينة عصرية بكل المقاييس، وبين القديم والعصريِّ يجد السائح أنه ليس غريبًا في تلك البلاد، الاحتفاء التونسي بضيوف الخضراء ليس له مثيلٌ، كثيرٌ من الحبِّ والترحيب يجعلانك تغيِّر برنامج سَفَريَّتك لتزيد يومًا وثانيًا وثالثًا حتى تتورَّط في حبِّ إحدى الجميلات هنالك أو في التسكُّع بين شوارع مدينة “سيدي بوسعيد” التي هي قطعة حقيقية من الأندلس، في هذه المدينة البيضاء يُشِعُّ بين يديك نورُ الأَزِقَّة القرطبية والقصور الغرناطية، هنا تستعيد حضارةَ الحبِّ لتعيشها بنفسك دون حاجةٍ للسينما، في “سيدي بوسعيد” كلُّ شيءٍ تقليديٌّ بامتياز: ماء وليِّها الصالح، محلَّاتها، مقاهيها ومطاعمها، عيون الأطفال هنالك تحكي للقلب كلَّ جميل، برانيس الأشياخ تعطيك من دفء أمجادنا ما يُعفيك عن مآسينا اليومَ .. جولةٌ في مدينة الولي الصالح هي طهارة روحانية للقلب من أسقامه.

 

مدينة سيدي بوسعيد

 

حين كنت أتجول مع صديقتي بين ضفاف الغروب قلت لها: لا شكَّ أني لو بقيتُ هنا (في مدينة سيدي بوسعيد) سوف أكتب رواية، فهذه المدينة المُلْهمة أخشى أن تُغريَني بالمكوث لأجد نفسي محمَّلًا بأضابير الأوراق متغزِّلًا بها أو راويًا لقصة عشقٍ أتخيَّلها تجري هنالك عند الأبواب الزرقاء، فالحُبُّ هنا إما قصيدة أو رواية.

لا أدري ماذا يجب أن أكتبه عن تونس بالضبط، ولكن هناك ثلاثة أشياء لن تخفَى على أي زائر أو سائح ولأني أحمل معي قلبًا شاعرًا وقلمًا كاتبًا يصحبانني فقد شعرتُ بهذه الثلاث وكأنها لي دون الناس: حفاوة الاستقبال، التميز في الجمال، وسِحْرُ ذاك الدلال.

الوسوم

الطيب صياد

صاحب رواية "العثمانية" خريج لغة ودراسات قرآنية وباحث في العلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق