منوعات

الهريسة: حرارة تونس في طبق

مطبخ تونسي

 

يعرف التونسيون، بعاداتهم الغذائية، التي ترتكز أساسا على التوابل والبهارات التي تميز المطبخ التونسي عن غيره. ومن أشهر هذه البهارات، “الهريسة العربي”، سيدة المطبخ التونسي، التي تذكر المراجع التاريخية، أنها أندلسية الأصل.

 

من “المهراس”

تسمى في اللهجة المحلية، التونسية بـ”الهريسة”، وهي كلمة اشتقها التونسيين أساسا، من كلمة “الهرس”، في إشارة إلى عملية دق الفلفل بـ”المهراس” النحاسي، الذي كان يعتمد بكثرة في المطابخ التونسية، قبل أن تزحف الرحى الحديدية، ثم الكهربائية، التي عوضت تلك الآلة التقليدية وأزاحتها من المطبخ التونسي.  

 

 

 

 

ويطلق على الهريسة، كذلك اسم الفلفل المرحي، كما تعرف بالهريسة الحارة، أو الهريسة العربي. وهي تعتمد بشكلأساسي في إعداد كل أنواع الأطباق التقليدية، من الكسكس والنواصر والمحمص والحلالم والعجة والكفتاجي واللبلابي، وكل أنواع المرق.

ويمكن تناول الهريسة، دون إضافتها للطعام، بعد أن يضاف إليها القليل من زيت الزيتون.

 

مصدرها الفلفل

 الهريسة مصدرها نبتة الفلفل، الذي يزرع بكثرة في الحقول والسهول التونسية، خاصة في مناطق الشمال التونسية، مثل منطقة “تسكراية”، التابعة لمدينة بنزرت، ومناطق الوطن القبلي، حيث يزرع بكثافة في مدينة نابل، التي اشتهرت بتصديرها للهريسة، كما تشتهر مدينتا سيدي بوزيد والقيروان، بزراعة الفلفل، وهو من النباتات السقوية، التي تعتمد كثيرا على الماء، وذلك ما يعكس فوائدها الصحية، إضافة إلى مذاقها وطعمها المميز.

 

 

مراحل الإعداد 

تمر الهريسة، قبل مرحلة الرحي، بعدة مراحل، هامة، أولها، تجفيف الفلفل، لأيام وأسابيع تحت أشعة الشمس الحارقة، وذلك من خلال تجميع الفلفل في عقود وسلاسل طويلة، تعرف بمرحلة “التشكيك.

ثم تنشر على الجدران، أو تفرش على مفارش فوق السطوح، ويكون ذلك في فصل الصيف وتحديدا في شهر أغسطس، وهو شهر جمع الفلفل وتجفيفه، ثم يقع خزنه في غرفة مظلمة، بعيدا عن أشعة الشمس قبل أن يعرض للبيع في الأسواق الشعبية والمحلات أو يقع استعماله الذاتي، “عولة” موسمية.

 

فوائد صحية

وبعد التجفيف، يقع شق الفلفل الأحمر ويستخرج منه لبّه، المكون أساسا من حبيبات صغيرة، وهي عملية تتطلب خفة اليدين، ثم يغسل جيدا بالماء، قبل أن يتم عملية رحية بالرحى النحاسية، مع إضافة الثوم والزيت الطبيعي والملح، وهو ما يضفي نكهة طيبة للهريسة. وتتكرر عملية رحي الفلفل 3 مرات أو أكثر، حتى يقع التخلص من الشظايا.

تتميز الهريسة التقليدية التونسية، بفوائدها الصحية، فهي تحتوي على عدة فوائد الغذائية الهامة،  نظرا لتشبع نبتة الفلفل من الماء. فضلا على احتوائها على نسب عالية من الفيتامينات، منها فيتامين ” C”،  و فيتامين “B”  والحديد، والمغنيسيوم، والبوتاسيوم. إضافة إلى مركّب بيتا كاروتين الذي يتحول في الجسم إلى فيتامين” A”. كما أنها تعرف بوظائفها العلاجية، فهي تخفف من الالتهابات في الجسم، كما تعد أكبر مقاوم للزكام، الذي ينتشر بكثرة في فصل الشتاء، وتساعد على عملية حرق الدهون وتعزز الدورة الدموية وتخفض مستوى السكر في الدم  وتقي من سرطان البروستات.

نشاط نسائي

ارتبطت الهريسة العربي، في المجتمع التونسي، بالمرأة التي تعدها، فهي التي تقوم بزراعة الفلفل في الأراضي والحقول، وهي التي تجمعه عندما ينضج ويصبح جاهزا للاستعمال، وهي التي تقوم بتجفيفه تحت أشعة الشمس، ليصبح جاهزا للرحي. إضافة إلى ذلك، فالمرأة، هي التي تقتنيه من الأسواق، وكل من يقصد الأسواق الشعبية التونسية، سيلحظ ذلك، فنادرا ماترى الرجال يشترون الفلفل الأحمر المجفف، بل تجد صفوفا من النساء، اللواتي يحولن الفلفل المجفف إلى هريسة تقليدية، تطبخ بها الوجبات الأساسية.

 

 

الهجرة من الأندلس

يؤكد الباحثون أن الفلفل الأحمر، الذي يحوّل إلى “هريسة تقليدية”، هو أندلسي الأصل، وقد جلبه الموريسكيون، الذين قدموا إلى البلاد التونسية، في بداية القرن السابع عشر، فرارا من بطش الإسبان، وجلبوا معهم العديد من العادات الغذائية، التي رسخت في البلاد التونسية، بعد أن استقروا في مدنها وقراها.

 

للهريسة عيد

ونظرا لأهمية “الهريسة التقليدية”، في المجتمع التونسي، فقد بادرت مدينة نابل التونسية، التي تبعد حوالي 60 كم شمال تونس العاصمة، وتشتهر بـ”الهريسة النابلية”، منذ 3 سنوات، إلى تنظيم مهرجان، للاحتفال بـ”عيد الهريسة والفلفل”، للتعريف بها باعتبارها موروثا ثقافيا وتراثيا بلغت شهرته عديد البلدان الأوروبية والآسيوية والأمريكية.

 

 

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد