ثقافة

الناقد التونسي الطاهر أمين: المثقف كائن مزدوج يدفع ثمن حنين الاقتراب من السلطة

حوار مجلة ميم مع الناقد المعروف الطاهر أمين

يطرح الكاتب والناقد التونسي الأسئلة التي يعتبرها ضرورية حول مشروع النهضة العربية، بما فيه من مفاهيم تتعلق بـ”الثورة المجهضة والثورة المعوقة..” وإعادة طرح الأسئلة المؤجلة التي تم التحايل عليها.

ويرى أن “المثقف العربي متخلف عن فكر النهضة للطهطاوي ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني أو الكواكبي..” وهو عاجز عن النقد الذي يعد أساس عملية التغيير في الوطن العربي وعماد الرقي الثقافي والتطور الحضاري.

سال قلمه بعد ثورة 14 جانفي، ورغم احترازه عليها فقد شكرها لأنها كانت الدافع الأبرز لعودته للكتابة، بعد قرابة 20 سنة من القطيعة بسبب “حرب الخليج”، التي كانت اللحظة الفاصلة بين الطاهر أمين الكاتب والمواطن العربي.

“بؤس الثورة”، كانت أولى كتاباته الذي بيّن من خلالها أن العرب لم يكتشفوا نظرية الثورة على الإطلاق، وأن الثورات العربية من الثورة الكبرى لسنة 1916 إلى اليوم تقود إلى خيبات، حيث تنقلب إلى نقيضها.

مفهوم طوره في شكل” ثلاثية البؤس” بما تشمله من مفاهيم “الثورة والثقافة والهوية”.

ويبدو أن الحاجة الملحة لطرح الأسئلة في رحلة البحث عن المعنى دفعته لمواصلة الكتابة وهو اليوم بصدد إنتهاء رباعيته “متسول العشق” و”الموت” و”النسيان” و”الكتابة”.

 

خيانة المثقفين

“كنت قاسيا جدا لتأديب المثقفين”، هكذا تحدث الطاهر أمين لمجلة “ميم” عن كتابه “بؤس الثقافة”، الذي يعد أحد عناصر “ثلاثية البؤس”، إذ لا يؤمن بصداقة المثقفين ويعتبر أن هذه الأمة ابتليت بخيانة مثقفيها، وهذا المفهوم الذي تبناه عن “جوليان بيندا “و “ادوارد سعيد”، حتى أنه اعتبر أن خيانة المثقف هي أكثر أشكال الخيانة فداحة.

وفي تفسيره لأسباب الخيانة يقول: “المثقف يخون لأنه كائن مزدوج يدفع ثمن حنين الاقتراب من السلطة”. فالمثقف، حسب الكاتب: “كائن سلطوي، من جهة، يجلس على حافة السلطة يشتمها ويعارضها، ومن جهة أخرى لا يعي حنينه للاقتراب منها، فيدفع ثمن هذه الازدواجية”.

ويضيف: “يعود ذلك إلى طبيعة الثقافة العربية السياسية، نتيجة الخلط بين السياسي والثقافي، ونحن ضحايا علاقة لم تصحح بعد في ثقافتنا السابقة”.

واتهم، الناقد التونسي، السياسي بأنه: “نجح في أن يحوّل الثقافة إلى مجرد ملحق هامشي للسلطة في جدلية صاحب القلم وصاحب السيف، ينتصر صاحب السيف ثم يستدعي المثقف صاحب القلم ويحوّله إلى حاجب على أبوابه”. فعندما يذهب صاحب القلم إلى السياسة يكف على أن يكون مثقفا، وكل مثقف يلتحق بالسياسة يجب إخراجه من المجال الثقافي، لأنه أصبح سياسيا ولم يعد مثقفا.

وهذه “العلاقة المشبوهة” وتبعية الثقافي للسياسي، حسب تعبير أمين، آن الأوان لتصحيحها من قبل النخب الفكرية. لأنّ “السياسي ليس أكبر من الثقافي ولا يجب أن يكون أكبر. والسياسي هو جزء من الكل الثقافي، ولا يمكن للثقافي أن يكون جزءا من الكل السياسي”. حسب تعبيره

وأشار إلى أن خيانة المثقف متأتية أيضا من جهله بقيمة الدور الذي يلعبه والمتمثل في “النقد”، الذي لم يتأسس بعد في ثقافتنا العربية الإسلامية. وخيانة المثقف ترتبط بالصراع على الامتيازات الاجتماعية، “ولدينا نسبة كبيرة من المثقفين المرتزقة للخارج والداخل”، حسب أمين.

وبيّن الطاهر أمين في كتابه “المثقف النقدي والمسألة الدينية”، أن المثقف لا يجب أن يستند إلاّ إلى حسّه وسلطته النقدية.

ورغم أن النقد لا يمثل سلطة في حد ذاته، “يجب أن نبحث في الهامش الذي يسمح لنا أن نقول ما يجب أن يقال وأن نطرح المسألة الحقيقية”، حسب قوله.

 

الفكر النقدي حاجة مؤجلة

يرى أمين أن الحاجة إلى النقد لا تزال مؤجلة رغم أهميتها، خاصة أن السبب الرئيس في فشل مشروع النهضة العربية هو غياب النقد، ويعود ذلك إلى قدرة السلطة العربية على تدمير الثقافة النقدية.

ورغم قساوتها، فإن نكسة 1967، فتحت الثقافة العربية على معطى ثابت، وهو كما يقول الكاتب: “أن نعلن موت ونهاية المشروع النهضوي الذي تم تأجيله طويلا لنصطدم به الآن، وعلينا التفكير في الأمة وفتح الثقافة على أفق نقدي جديد”، فلا مستقبل للثقافة إلا إذا اكتشفت بعدها المغاير باعتبار أن النقد يعمق الوعي.

ولن يكون ذلك وفق الكاتب إلا: “باستعادة النقد الحضاري لهشام شرابي وتعميق ما بدأه، والرهان على إدوارد سعيد ضمن النقد العلماني أو الدنيوي، وإلياس خوري، وغيرهم من الكتاب الذين يملكون وعيا نقديا وروائيا، كالنقد التفكيكي مع علي حرب والنقد المتنوع والنقد التاريخي”..

 

الإسلام من منظور نقدي

يعتبر الناقد التونسي أن “أساس كل نقد هو نقد الدين”، مستندا في ذلك إلى كارل ماركس.

وتظل المسألة الدينية بالنسبة إليه أم المسائل، فعلاوة على كونه كاتبا وناقدا، هو باحث في الإسلاميات وخريج جامعة الزيتونة.

ويرى أن الكاتب المصري طه حسين كان على وعي بذلك، وانطلق بنقد الشعر الجاهلي ليصل إلى الكتاب المقدس، إلاّ أن مشروعه أجهض بسبب غياب طبقة اجتماعية رائدة.

كما شدد على ضرورة طرح المسألة الدينية بشكل جدي ومستعجل إذ: “لم يعد من الممكن التحايل عليها أو تأجيلها اليوم، لأنها قادت إلى الرعب الداعشي، ونحن ندفع الآن ثمنا باهظا بسبب العجز والخوف والانتهازية”.

وهذا يحيل أمين الى الخلل في الحداثة العربية والمشروع التنوير العربي “الشكلي”. والحل بالنسبة إليه يكمن في استغلال “الفرصة التاريخية التي يقدمها لنا الغرب في هذا السياق الضيق وتقديم تصور جديد للإسلام شرط مراجعة المسافة الفاصلة بين نهاية التاريخ لفوكو ياما وصراع الحضارات لصموئيل هنتنغتون”.

وتحدث أمين عن ضرورة إعلان موت الإسلام التاريخي، معتبرا أن: “داعش هي الإعلان بغير شفقة عن موته”، كما دعا إلى   تحويل الإسلام إلى بناء إنساني ليصبح عنصرا وشريكا ثقافيا، إذ أن داعش وضعت المجتمعات العربية الإسلامية أمام “جدار”، وعلى هذه المجتمعات أن تلعب هذا دور البناء، أو ستقدم تنازلات موجعة. وتابع الطاهر أمين قائلا: “قد يأتي يوم نقرأ فيه القرآن ولن نجد فيه سورة البقرة أو التوبة.. السعودية اليوم تقدم تنازلات لأنها الطرف المغلوب ولا تملك خيارا”.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد