مجتمع

ليبيا من “العقيد” إلى القبيلة والسلاح .. معركة النساء الخفيّة

مجتمع

This post has already been read 30 times!

 

أحلام مناع- طرابلس- مجلة ميم

لعلّ الربط بشبكات الإنترنت والعيش بالخارج من أبرز ما أتاح لكثيرين حول العالم إكتشاف صور مجهولة عن شعوب وعوالم وحركات وتيارات أخرى لم تسمح لها عدّة ظروف تاريخية وسياسية إجتماعية وحتى ثقافية أو دينية بالبروز من قبل، نفس الوسائل مكّنت كثيرين من التعريف بقضاياهم وبالتعبير عن أنفسهم بشكل من الأشكال خاصّة في الوطن العربي بعد الثورات التي أزاحت المساحيق عن مقوّمات صورة أخرى مختلفة تماما عن الصورة التي كانت تسوّقها الدكتاتوريات ولا تزال.

 

طيلة عقود من الزمن، كان للنساء الليبيّات إسهام كبير في السياسة والمجتمع والثقافة وغيرها، ولكنّه إسهام حكم عليه بالسجن في زمن “العقيد” الذي أسقطته الثورة معلنة النساء الليبيات ثائرات في الشوارع والساحات يطالبن بالعدالة والديمقراطية والحرية وبحقوقهنّ، ليكشف الستار عن دفاتر “نساء العقيد” في صنفين، أوّلهما من “كانوا تحت جناحه”، والثاني لمن رمين في السجون الليبيّة وطالهنّ التعذيب بأشكال فضيعة.

 

فاطمة التايب وشقيقتها زكية التايب، جميلة فلاق، إحسان بن علي، آمنة الجرنازي وغيرهن. معظمهن اعتقلن في الثمانينيات من طرف نظام العقيد معمّر القذّافي بسبب مطالبتهنّ بالحريّة والتغيير الذي وعد به قادما من الصحراء، وتنكّر له جالسا على كرسي عرش إختزل ليبيا في خيمة تجوّل بها في ليبيا وخارجها، قصر من قماش قدّته أياد لم تعد تقدر على حملها أكتاف نسوة إنهرن من ضرب الغزل في نسجها.

 

 

الطالبات الليبيّات كنّ في الصفوف الأولى لمسيرات 17 فبراير 2011، رافعات شعار “قولوا لمعمّر و عياله ليبيا فيها رجّالة”، المشهد متناقض ربّما لمن لم يزر ليبيا أو يعرف طبيعة سكّانها، فالشعار لا يتعلّق بتنكّر المشاركات في المظاهرات لأنوثتهنّ ولا يمسّ منها شيئا ما دام ينشد تغييرا يقطع مع القمع والدكتاتوريّة التي آن لها أن ترحل عن صدور ظلّت جاثمة فوقها لعقود.

 

 

في قلب العاصمة الليبيّة طرابلس، وقبل سقوط نظام القذّافي، صدمت طواقم الصحافة والإعلام الغربيّة بمشهد إقتحام المحامية الليبيّة الشابة إيمان العبيدي للفندق الذي يقيمون فيه عشية 26 مارس 2011، لتطلعهم على آثار ضرب وكدمات في جسدها بعد تعرّضها للإغتصاب من عناصر الكتائب الأمنية الموالية للعقيد معمر القذافي، كذلك كان الشأن للإعلاميّة سناء المنصوري التي قامت بتغطية أطوار الثورة الليبيّة رغم التهديدات، أمّا الممثلة سلوى المقصبي أصيلة مدينة بنغازي فقد كان لها دور فعّال في الإبقاء على لهيب الثورة مشتعلا إبّان محاصرة المدينة في ثورة 17 فبراير.

 

 

طيلة عقود من الزمن، إنتقلت نساء ليبيا بين سجن القبيلة بعقليّتها الذكوريّة وسجن النظام الذي إغتصبهنّ لرفضهنّ “دخول الخيمة”، فكانت ثورة 17 فبراير مساحة تابع العالم بأسره صرخات الليبيّات من خلالها مستشعرا مؤشرات عن نضال نسوي ظلّ مخفيّا لأسباب كثيرة طيلة سنوات، وسقطت كلّ مقوّمات تلك الأسطورة التي لا ترى نساء ليبيا شريكات في بناء وطن يضمن حقوقهنّ.

نضالات نساء ليبيا لم تتوقّف عند 17 فبراير، بل لعلّها أصبحت بعده أكثر أهميّة، فهاهي القبيلة مدجّجة بالسلاح تعود مجدّدا لتجعلهنّ من يدفعن ضريبة صراعات مناطقيّة وقبليّة ضارية على السلطة والنفوذ، صراعات حولتهنّ إلى حاملات الأمل الوحيدات في أجنّتهنّ بأجيال متجاوزة لواقع الدم والدمار وللثارات القديمة.

 

عادت القبيلة وحطّت الحرب أوزارها في ليبيا لأسباب عدّة، وتجاهل “المجتمع الدولي” مجدّدا نساء يحاربن الفناء بعيدا عن الكاميرا وعن إجتماعات تطرح حلولا سياسيّة وأخرى عسكريّة، وإجتماعات أخرى تطرح حلولا لأزمة “اللاجئين الأفارقة”، والأخطر أن تتحوّل التشريعات التي تسنّها سلط تشريعيّة متناحرة تستهدف حقوق النساء وتستنقص من قيمتهنّ في المجتمع.

من نساء ليبيا ثكالى وأرامل ومصابات بشظايا سلاح يتطاير رصاصه في الجو معلنا الرمال المتحرّكة سجنا آخر لليبيّات كثر، ولكنّ ليبيات أخريات يقطعن طريقهنّ نحو محاربة هذا “الفناء المدمّر” بشتّى الطرق، فهاهي نساء تفتتح مشاريعها الصغرى لتعيل أبناءها، وهاهي أخريات تدرّس أبناءها بنفسها بسبب الأوضاع التي تحول دون ذهابهم للمدارس، وهاهي زكيّة التايب ترسم حدودا مرتفعة وخطوطا عريضة لطموحات نساء ليبيا ومكانتهنّ، وهاهي المحامية الشابة عواطف الطشّاني تدقّ ناقوس الخطر بشأن التشريعات التي يريد البعض تمريرها لـ”إستعباد المرأة” أو تهديد وجودها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.