مدوناتغير مصنف

فلسطين .. يخذلها الصمت ونصف الموقف أكثر

بقلم: شيماء العباسي

 

لا تصدر فكرة “الصمت العربي” باعتبارها ميزة عند الشعوب إلاّ عن جاهل بطبيعة شعوب المنطقة وما تراكمه من نضالات ومحن بسبب صمت النظام الرسمي العربي عن ما يحدث من تجاوزات ومن جرائم في حقّ الأمّة، المسافة بين النظام الرسمي العربي وبين الشارع العربي لا تقاس بالزمن ولا بالجغرافيا بل تقاس بميزان آخر هو ميزان التاريخ الذي يبقيها ثابتة متجدّدة وينهي عروش الطغاة باستمرار حتى جاءت اللحظة التي أنهت فيها الشعوب نفسها الطغيان بثورات تعجز الأجهزة المفاهيمية عن تفكيكها وفهمها بالدقّة المطلوبة.

 

أثبتت الثورات العربيّة وقبلها وأثناءها وبعدها القضيّة الفلسطينيّة أن الشارع العربي حيّ رغم “موت السياسة” التي تحوّلت إلى ما يشبه “الملك الشخصي” لعائلات ولأشخاص تتوارثه بأشكال مختلفة، تشير إلى ذلك جل المراصد والدراسات ومراكز البحث والتحليل ولكنّ “أجهزة الهيمنة” لا تريد إظهار الحقيقة المرعبة بالرغم من واقعيّتها وتاريخيّتها بحثا عن وسائل إستيعاب التناقضات وتطويع الميكانيزمات نحو خلق قابليّة جديدة للتبعيّة والجمود وصولا إلى مرحلة تثبيت الخوف تحت عنوان “إرساء الإستقرار”.

 

ما حدث في الوطن العربي ولازال يحدث في السنوات الأخيرة وصولا إلى موجات ردود الأفعال بشأن القرار الأمريكي الأخير المتعلّق بالقدس يثبت الإستنتاجات السابقة ويزيد من تجميع “أركان جريمة الصمت والإنكسار” العربي التي تخنق الشعوب على مستوى “الجبهة الداخليّة” بالخوف وقبضة الحديد وتخنقهم على مستوى الجبهة الخارجيّة بالتطبيع والتواري وراء الصمت أوأنصاف المواقف.

 

حنظلة ناجي العلي كان محقّا في إستدارته لأنظمة إستدارت لقضيّتها التي باتت أعظم قضيّة تحرّر في العقود الأخيرة على وجه الأرض يسندها الأحرار من كل البلدان والأديان والألوان، أمّا عربيّا فلا صوت يعلو فوق صوت “نحارب الإرهاب” أو “نحارب الطائفيّة” بالإرتماء في أحضان من يعادي الشقيق ويشرّع للإستيطان ويقدم بعد ذلك على خطوة “إفتكاك” القدس عاصمة فلسطين الأبديّة التي يمثّل الذود عنها جزءا من الذود عن الشرف العربي.

 

لم يعد الصمت العربي الذي تحوّل تطبيعا علنيا وحده ما يخذل القضيّة الفلسطينيّة بل أضحت أنصاف المواقف التي تصدر عن النظام الرسمي العربي المتزعزع بفعل التطورات في المنطقة منذ الثورات العربيّة تخذل القضيّة أكثر باعتبارها جزءا من محاولات إستيعاب الغضب العربي العارم، هذا على الأقل ما بات يعلمه الصغير والكبير في الوطن العربي بالملموس وبالتجربة وهو ما حذّر منه المفكّر العربي عصمت سيف الدولة ذات يوم مناديا بإخراج المقاومة عن دائرة المخابرات العربية التي تتلاعب بها وهو نفسه ما تقوله الصحافة الأمريكيّة وحتى مراكز البحث بعد قرار دونالد ترامب الأخير.

 

القضيّة الفلسطينيّة باعتبارها حقّا يواجه فيه أهل الجغرافيا والأرض والتاريخ أسطورة “دولة متخيّلة” لـ”إسرائيل” ليست قضيّة تهمّ العرب لوحدهم ولكنّهم تهمّهم بشكل أوّل وليست قضيّة سياسيّة تستوعبها أساليب المناورة والمفاوضات بل قضيّة مصير لصاحب الحق وللمعتدي نفسه حسب سرديات أسطورته المزعومة، هي باختصار قضيّة لا تحتمل نصف الموقف فإمّا مع الضحيّة المقاوم وصاحب الحق أو مع المستعمر القاتل القادم وراء أسطورة تشرّع لإبادة متوحّشة لغيره.

 

يقول الشاعر العربي مظفّر النوّاب “أيقتلكِ البردُ ؟ انا …. يقتلني نِصفُ الدفئِ.. وَنِصفُ المَوقِفِ اكثر”، وهي الصورة ذاتها التي تنطبق على القضيّة الفلسطينيّة التي يخذلها الصمت و نصف الموقف أكثر فهي بالتجربة التاريخيّة لم تكن أقوى سوى في أحضان الشعوب العربيّة ولم يقدها إلى “مفاوضات سلام” سوى النظام الرسمي العربي لينتهي إلى وضع يدوس فيه المحتلّ على “السلام” نفسه الذي إقتادوا إليه الجبهة الفلسطينيّة يوم أخرجوها من بيروت وقاموا بكلّ شيء لتطويعها.

شيماء العباسي

كاتبة ومدونة من تونس

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد