ثقافة

رضوى عاشور والحياة التي نتشاركها مع الأطياف

مبدعات: سلسلة رضوى عاشور

 

في نصها المزدوج “أطياف”، تمد رضوى عاشور يدها إلى الأبواب التي تفتحها لها الكتابة، لا تختار رضوى هنا طريقاً واحداً محدد المعالم لكي تمضي فيه، بل ترفض هذه الأحادية، أحادية النظرة وأحادية التجربة. لذلك فإن ازدواجية نص أطياف، المتمثلة في مزجه بين الرواية والسيرة الذاتية، تخفي في داخلها تعدديات مختلفة لنصوص أخرى ولتجارب أخرى، قد لا يلتفت لها القارئ أول الأمر، ولكن تجمعها وتتابعها خلال النص لا يجعل لك مهرباً من الحكايات التي ترويها الأصوات التي تعبر الكلمات إليك ولا تترك لك خياراً سوى أن تسلم نفسك كما سلمت رضوى عاشور نصها لهذه الأصوات التي لم تجد من يسمعها.

تحكي أطياف قصتين تديران الخط العام للرواية، قصة رضوى عاشور، وقصة شجر، وشجر ليست شخصية واحدة، بل هي هنا شخصيتان، شجر الجدة التي مات زوجها وخلّف لها حمل الصبيين والفتاة، وقصة حفيدتها شجر التي تشارك رضوى عاشور الكثير من تفاصيل حياتها، فكلاهما ولدتا في نفس اليوم، وكلاهما أستاذتان جامعيتان، وكلهما لهما ولع بالتاريخ، وألم من التاريخ، وكلاهما تؤرقهما الأسئلة، أسئلة حول ما كان وما سيكون، حول المصائر والأقدار، وحول ما يمكن فعله.

إن قصة شجر الجدة هي المدخل الأول الذي تدلج منه رضوى إلى عالم الأطياف، قد يسأل البعض وما علاقة الجدة هنا؟ لماذا قد تحكي لنا رضوى عاشور عن جدة شخصيتها وتفاصيل رحلتها في هذه الحياة؟ والجواب يكمن في سؤال آخر، وهو لماذا تحكي لنا رضوى عاشور عن شجر الحفيدة في الأصل في حين أن النص من المفترض أن يكون سيرة ذاتية في صورته الأولى؟ تقول رضوى:

“ماذا حدث، لماذا قفزت فجأة من شجر الطفلة إلى شجر في كهولتها؟ أعيد قراءة ما كتبت، أتملّاه، أحدق في الشاشة المُضاءة، أتساءل هل أواصل حكاية شجر الصغيرة أم أعود إلى الجدّة القديمة وأتتبع مسار ذريتها وصولاً إلى الحفيدة؟ قد تقتضي الحكمة أن امحو كل ما كتبت وأبدأ في سرد حكايتي مباشرة. وشجر؟ هل أبقيها وأعلّق الحكاية بيننا أم أسقطها وأكتفي بالكلام عن رضوى؟ ولكن لماذا جاءتني شجر وأنا أشرع في الكتابة عن نفسي؟ من هي شجر؟!” (أطياف، رضوى عاشور)

 

إذاً فنحن جميعاً نشترك في طرح الأسئلة، وكأن الأطياف التي كانت تخترق أمسيات الجدة شجر، اخترقت أيضاً حياة الحفيدة وكتابات رضوى، فلم يعد لها عليها سلطان. إن فكرة الأطياف التي تسيطر على النص هي إحالة صورة ما إلى تواريخنا الشخصية وتواريخنا العامة التي تؤثر في ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، والتي يمتد تأثيرها إلى أبعد مما نظن، حتى وإن لم يتبدّ لنا ذلك.

فحكاية الجدة شجر التي تقتل ابنتها ربما مخافة العار، أو حفاظاً على شرف العائلة، كما خُيل إليها، وتأتيها ابنتا لاحقاً طيفاً في آخر حياتها، فتتباكيان وتجتمعان دون فراق إلى لحظة موت الجدة، هذه الحكاية هي حكاية حمل الفاجعة التي ارتكبتها شجر الجدة، تلك الفاجعة التي بقيت تعيش بحملها طوال حياتها، متوارية خلف أحداثها وتقلبات أيامها.

حتى إذا ما شاخت وأقعدت وتفرغت لأفكارها عاودتها، والذاكرة هنا ليست انتقاءً لما نريد استرجاعه، ولكنها كالنهر، تختفي تحت سطحه كل تلك الذكريات، تقبع في قاعه، ثم فجأة يحملها التيار إلى السطح، ويظهر لنا ما كنا نظنه قد اندثر من زمن بعيد. هكذا كان طيف الأندلس:

“كانت تجلس أمام التلفزيون، هل يعرض خبرًا مصورًا عن قصف بغداد، أم كانت الصور للأسرى العراقيين، أم كانت مقابلات مع الجنود الأمريكيين؟ ربما كانت لقطات من طريق الكويت البصرة، السيارات المدمرة والجثث. لم تنتبه أن هذه المشاهد تفتح أبواباً في الذاكرة تندفع منها صور تنحل إلى أصولها، الطائرات تقصف، الجنود المصريون في سيناء، مطار بيروت، الخيمات الفلسطينية، بيروت المحاصرة، صيدا وصور والنبطية وإقليم التفاح. تطفو صورة امرأة عارية تمشي ذاهلة في صباح غائم بارد، تخوض قدماها الحافيتان في وحل الطريق. هل هو الموت الوشيك؟ موتها؟” (أطياف، رضوى عاشور)

 

كانت صورة هذه المرأة العارية هي مشهد البداية في ثلاثية غرناطة، تلك الصورة التي غزت عقل وفكر رضوى عاشور كانت طيف نص آخر، كما أن “أطياف” حافل بأطياف نصوص أخرى، شهادات لضحايا مجزرة دير ياسين، والتي تحيلنا إلى نص الطنطورية الذي كتبته رضوى لاحقاً، ونصوص لمقالات إخبارية أوردتها الكاتبة، وسجلات شخصية ومذكرات عائلية، ونصوص شعرية وأساطير فرعونية.

إن تزاحم هذه النصوص في رواية أطياف ليس عشوائياً ولا من باب التداعي، بل هو تمثيل آخر لحقيقة الأطياف التي تسكن عالمنا المرئي والمسموع والمكتوب والمحسوس والمتخيل حتى. فالنص هو أيضاً ليس منعزلاً عن كل التاريخ الذي يحيط به، بل هو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالنصوص التي سبقته، وسيكون جزءاً من النصوص التي لحقته، كما أن أطياف النصوص التي فيه هي الآن جزء من نص هذه المقالة.

وكذلك الحياة، حياتنا الخاصة والعامة، فنحن نعيش محملين بأثقال الماضي الذي سبقنا، ومدفوعين به، فيه من الأحداث ما يسحبنا إلى الخلف وفيه من المحفزات ما يدفعنا إلى الأمام، نتعامل مع هاتين القوتين بشكل دائم في محاولة لنوازن بين التراجع والتقدم.

رضوى وشجر القرينتان، الطيفان اللذان تشاركا في كثير من الأحداث العظيمة والمصيرية اختلفت حياتهما في تفاصيلها ربما، ولكن تأثير ما يدور حولهما لم يقتصر على واحدة دون الأخرى، بل تأثرت الحياتان بهذه الظروف ودفعت كلا منهما في طريقها للتصرف بصورة تناسب طريقهما الخاص.

رضوى الكاتبة كتبت عن الطنطورية رواية، وشجر الباحثة اتجهت للبحث في تفاصيل دير ياسين وجمع شهادات أهلها، تقاطعتا وافترقتا. وهكذا تظهر الأطياف في حياتنا، على اختلاف تجاربنا، منها ما نألفه جميعا ومنها ما يخصنا نحن فقط.

إن انشغال رضوى المزدوج بالتاريخ والكتابة، يجعل كلاً منهما حاملاً للآخر، فالكتابة هي التي تعطي صوتاً لأولئك الذين لم يظهروا في التاريخ كما ينبغي، والتاريخ في أغلب تجلياته هو كتابة من نوع ما، هو حكي، ولهذا فإنه من غير المستغرب أن نجد رضوى عاشور مهتمة باستدعاء أطياف من التاريخ ومن الحاضر، فهذه الأطياف هي جزء من الحكاية، بل وربما تكون هي الحكاية، وهي التاريخ الذي غاب عنّا، لذلك فإن إعادة رسمها من خلال الكتابة، ومن خلال النصوص التي ظهروا فيها هي طريقة أخرى لترتيب وجودها في حياتنا بعيداً عن فوضى الذاكرة التي لا تعرف النظام ولا تهتم بقدرتنا على التعامل مع ما تحمله لنا. إن الأطياف التي تسكننا لا فرار منها، ولكن يمكننا بصورة ما أن نستحضرها طوعاً، بدلاً من أن تظل تطاردنا ونحن نسعى دون جدوى للهرب.

الوسوم

أحلام مصطفى

مُدونة وطالبة فلسطينية تحضّر لدرجة الدكتوراه بجامعة سيدني الأسترالية في مجال اللغة العربية وثقافاتها يركز عملها البحثي على كتابات الذاكرة والفاجعة في السياق مابعد الاستعماري

مقالات ذات صلة

اترك رد