ثقافة

خليل حاوي: الشاعر المنبعث من رماد الهزائم

ثقافة

مع كلّ جريمة يرتكبها الجيش العدوّ في حقّ شعبنا العربي، نستحضر سيرة الشاعر الراحل “خليل حاوي” الذي وضع حدّا لحياته لحظة اجتياح بيروت من طرف الجيش الصهيوني عام 1982، ربّما كانت نهايته هي نهاية  “الذات الضائعة في أمة منحلة ” على حدّ عبارة الكاتب أنطوان غطاس كرم.

لم يقدر الشاعر اللبناني  خليل حاوي (1919-1982) على مشاهدة  قوّات العدوّ الصهيوني وهي تجوب شوارع بيروت، لم يتحمل فكرة أن يرتع العدوّ الصهيوني في وطنه، فكان انتحاره هربا من معايشة الهزيمة والاستسلام لها، أو لعله ذهب بعيدا عن مقولات العجز والخوف والهرب  ليطبق بانتحاره مقولة الشاعر الألماني نوفاليس “الفعل الفلسفي هو الانتحار”، الانتحار الذي أكمل الفعل الفلسفي للفيلسوف الفرنسي جيل دولوز (1925-1995) بإلقاء نفسه من شرفة شقته.

سنتساءل من جديد لماذا يبدد الشعراء والفلاسفة حياتهم بهذا الشكل المأساوي، أو أنّهم بموتهم يقتلون معهم العالم، سيجيبنا عن السؤال  الشاعر الأرجنتيني الأكثر ولاء للكيان الصهيوني  لويس بورخيس (1899-1986)  “سأموت ومعي سيموت العالم الذي لا يحتمل”، في مفارقة غريبة جدّا عندما نبحث عن إجابة عن السؤال نجدها لدى أحد أعدائنا، ترى هل سيقبل خليل حاوي بهذه الإجابة وإن قبل بها هل سيقبلها من بورخيس؟

 

الشاعر خليل الحاوي

لقد كانت لحظة موت خليل حاوي مشهدا سرياليا لا يمكن أن توثقه سوى لوحة من لوحات رسام عالمي أو مشهد سينمائي لمخرج هاو للخدع البصرية، يتهاوى الشاعر من شرفته وبيديه بندقية صيد رسمت نهاية لمأساته وأحزانه وهزائمه وخيباته الكثيرة آخرها اجتياح الكيان الصهيوني للبنان.

 

لم يكن انتحار خليل حاوي يرسم لحظتها الهزيمة العربية وخيباتها الكثيرة، بل كانت تتمة لهذه الهزيمة الثقيلة، فما عاشه الفرد “خليل حاوي” في حياته الطويلة من أحداث مأساوية  هو في الحقيقة يحاكي ما عاشته وما تعيشه إلى اليوم الأمة العربية من خيبات وهزائم.

 

اشتهر الشاعر خليل  خارج الدائرة العربية وأتقن لغات كثيرة كالفرنسية والانجليزية إلى جانب لغته العربية الأمّ، مكنه اطلاعه على الثقافات الأخرى من ثقافة واسعة من النادر وأن حظي بها شاعر عربي، وإن حدث فلن يكون عربيا فخورا وملتزما بهوية وقضايا أمته.

نال خليل حاوي شهادة الدكتوراه من جامعة “كمبريدج” وعاد أستاذا محاضرا في الجامعة الأمريكية ببيروت للأدب العربي، كما أنّه نشر كتبا عديدة مازالت تعتبر مرجعا هاما لاسيّما كتابه النقدي حول تجربة جبران، كان متمسكا بوحدة أمته وبدوره كشاعر، تطلع إلى محاربة العدوّ صفا واحدا، فسعد بالوحدة العربية بين مصر وسوريا وكأنّ انبعاث هذه الأمة سيكون قريبا جدّا، وحزن كثيرا بعد فضّها وكأنّ قدر العربي أن يعيش الموت والفشل.

لم يمنعه نجاحه الفردي كشاعر كبير متمكن نشر العديد من الكتب ونيله لمرتبة متميزة في الوسط الأكاديمي في أن يبصر ويدرك الفشل الجماعي للأمة العربية، فهو ليس فردا يعيش من أجل حياة خاصة، بل شاعر بمرتبة نبيّ عليه أن يؤثر في الجماهير ويقود ثورة أمّة. ربما كان ليأسه وإيمانه العميق دور في اختيار طريقة موته، فقد اختارها بعناية فائقة لتكون تراجيدية على وقع أحزان أمّة تعيش تاريخ التراجيديا بكلّ أوجهه.

 

 

تأثرت قصائده بهموم الأمة وبعداء الكيان الصهيوني، فكتب بعد اعتداء الصهاينة على جنوب لبنان سنة 1962 قصيدة “لعازر 1962″، تحدّث حاوي في قصيدته عن موت الأمة من خلال تقمصه لشخصية لعازر صديق يسوع الذي تروي الأسطورة انبعاثه من الموت حيّا بعد ثلاثة أيّام على يد المسيح، لقد عاد لعازر أو حاوي إلى الحياة، ولكنّه كان ميتا في حقيقة الأمر، لم يغرّه جسده المتحرك ولسانه الناطق، إنّه ميت لا محالة كحال هذه الأمة التي تعيش موتها وتحتفي به، وعندما تتفطن إليه تذرف الدموع ثم تنام منكفئة على ذاتها مطمئنة إلى قدرها السيّء.

لم يعلم خليل حاوي لحظة موته أن تلك السنة المشؤومة 1982 كانت ثقيلة جدّا على تاريخ العرب، لقد احتُلّ جنوب لبنان، وخرجت منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان نحو تونس لتصبح فيما بعد منزوعة السلاح، وتمضي بعد سنوات قليلة  معاهدة أوسلو، لم يعلم حاوي أنّ الصراع سيتحول إلى صراع عربي عربي، وأن بعض الأنظمة ستطبل للكيان الصهيوني وستسعى إلى التطبيع معه سرّا وعلانية.

انتحر شاعر الانبعاث في لحظة الاجتياح الصهيوني لدولة عربية مخلفا وراءه سيرته الذاتية وقصائده وأسئلة حارقة: هل ستنبعث هذه الأمة من جديد بعد هذا الموت الطويل؟ وهل يجب أن يقتلنا العدوّ ويشرد أطفالنا ويسلب أراضينا ألف مرّة؟ هل سننبعث وسنتوحد في صفّ واحد لمحاربة عدوّ واحد؟ هل يجب أن يموت عشرات المثقفين على شاكلة خليل حاوي، ولا نتساءل يوما واحدا لماذا لا يموت الخونة من الحكام العرب أو يذهبون إلى الموت خجلين وواثقين بالغد وانبعاث الشعب بعد سباته الطويل؟ ألا تكفي خياناتهم الطويلة؟

رحل خليل حاوي ومازلنا نحلم بانبعاث الأمة من جديد حول همومها المشتركة، وأن تعدّل البوصلة من جديد نحو القدس، ومازلنا نؤمن أنّ النصر قريب جدّا وأنّ المثقف الحقيقي هو قدوة الجماهير الثائرة، وأنّ الوطن سيلد ألف خليل حاوي ليعود الشاعر المنبعث من موته  مجددا في قصائد الشباب وفي إيمانهم العميق بقضايا الأمّة وتوقهم إلى التحرر والانعتاق من كلّ أشكال الاستعمار.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد