مجتمعغير مصنف

حوار ميم مع الفنانة مي عماد، أول مصرية ترسم لوحات للمكفوفين

"أحلم بتمكين جميع المكفوفين من أن يلمسوا عالمنا بأيديهم"

صفاء عزب- القاهرة- مجلة ميم 

ذات يوم، وبينما كانت”مي” في أحد المعارض التشكيلية تشاهد بعض اللوحات، لفت نظرها أن هناك ولدا مكفوفا برفقة والديه، فإذا بهما يجلسانه في مكان منعزل حتى ينتهيا من جولة المعرض نظرا لأنه لا يستطيع مشاركتهما في الرؤية. كان لهذا الموقف أثره العميق في نفس الفنانة والمبدعة التشكيلية مي عماد، لأنها كانت تتمنى لو لم يحرم هذا الطفل من مرافقة والديه في الجولة الفنية ويستطيع الرؤية على طريقته، وتساءلت: “ألا يمكن أن نجعله هو وكل نظرائه من المكفوفين يشاركوننا تذوق الفن بل والمشاركة فيه!؟”

وكانت البداية التي انطلق منها مشروع مي عماد باحثة الفنون الجميلة للحصول على الماجستير في رسوم المكفوفين، لتكون أول مصرية تنجح في تمكين هذه الفئة من مشاهدة اللوحات بل وتعليمهم الرسم من خلال أسلوب الرؤية باللمس الذي أثبتته من خلال دراستها البحثية، كما تعد أول متدربة تعمل في مجال الآرت ثيرابي أو العلاج بالفن. وهي تستعد حاليا لنيل درجة الدكتوراه في بحث إضافي ذي صلة بهذا المشروع الفريد من نوعه، والذي حظي باهتمام محلي ودولي كبيرين خلال معارضها وجولاتها الفنية لعرض تجربتها على المعنيين بالأمر في أكثر من 30 دولة بالعالم. حول هذا المشروع كان معها هذا اللقاء الذي اختصت بها “ميم” بعد عودتها من رحلة فنية بلبنان.

 

ما الدافع وراء اختيارك مجال الرسم للمكفوفين؟ وكيف كانت البداية؟

عندما فكرت في المشروع كان دافعي الأساسي إنسانيا قائما على كيفية جعل المكفوفين منخرطين بالمجتمع وفي مختلف

مي عماد خلال معرضها الأخير ببيروت مع السفير السعودي

الأنشطة دون عزلة بسبب ظروفهم، فكم يؤلمني مثلا أن تكون هناك لوحات معروضة ولا نستطيع أن نجعلهم يرونها، وكأننا نقول لهم عفوا ابتعدوا ليس لكم مكان هنا! بينما المفروض علينا إنسانيا أن نحتويهم ونقول لهم تعالوا لتروا العالم معنا وننهض بهم باعتبارهم جزءا مهما من المجتمع لا يمكن إهماله. ولكن على صعيد الواقع، لاحظت في تعاملي معهم أنه ليست لديهم دراية بتفاصيل الواقع المحيط  بهم، كشكل الشجرة أو الكرسي وهكذا، وأدهشني هذا الامر بشدة، فإذا كانوا لا يدركون هذه الأشياء البسيطة فما بال التفاصيل الاخرى مثل العمارة والتراث وغيرها؟ فهي تتطلب معرفة أكثر، ولا يوجد لديهم كتب تساعدهم في ذلك. لذلك فكرت في إدخال رسومات توضيحية في كتب تعليم المكفوفين.

 

هل كان الطريق ممهدا أمامك أم واجهتك  صعوبات؟

طبعا لم يكن الامر سهلا في البداية، فقد واجهتني عراقيل كثيرة، لكن بالارادة والإصرار على توضيح وجهة نظري وتحقيق هدفي، تم استيعاب الفكرة. وكأي شيء جديد كانت هناك صعوبات بداية من طرح موضوع رسالة الماجستير الذي يتناول بالأساس الـ”تكتيكال جرافيكس” والرسوم البارزة في كتب المكفوفين، وعندما عرضته على أساتذتي بالجامعة اندهشوا واستغربوا العلاقة بين الفنون الجميلة والمكفوفين!وسألوني كيف يمكنهم رؤية وقراءة الرسومات، فشرحت لهم كيفية إيجاد رسم بارز لمساعدة المكفوفين في مشاركتنا عالمنا سواء بالتذوق أو حتى بالرسم، فهناك مكفوفون في العالم نجحوا في ممارسة الرسم وحققوا شهرة كبيرة وعلينا فقط أن نجعلهم يرون باللمس.

بعد الموافقة الأكاديمية، واجهتني مشكلة التكنيك، وهي تتعلق بكيفية تحويل اللون إلى مسطح محسوس وملموس وليس مرئيا فقط حتى يدركها الكفيف ببصيرته، وهذا لم يكن سهلا من البداية، لكني تغلبت على هذه المشكلة ولو أنها مكلفة وتوصلت للأسلوب المناسب ونجحت في تطبيق ذلك عمليا في معارضي الفنية، وآخرها بمعرض بيروت حاليا بعد أن حولت لوحات المبصرين إلى لوحات يراها المكفوفون ولكن بطريقة مختلفة حيث يعتمدون على حاسة لمس البروز.

 

تذوق فني باللمس

ماذا عن ردود أفعال المكفوفين وأسرهم لهذه التجربة؟

منذ اللحظة الأولى التي تكلمت فيها مع المكفوفين أبدوا إعجابهم بالفكرة، وكانت ردود أفعال أسرهم إيجابية. وهم يشعرون بأهمية ما أقدمه وهو ما لمسته منهم ومن زوار معارضي الذين كانوا يأتون من مسافات طويلة اقتناعا منهم بالرسالة التي نؤديها. بل إن المكفوفين أنفسهم ساعدوني في مشروعي منهم أستاذ كفيف هو الذي كان يحول لي كلماتي للغة البريل. وقد شجعني ذلك لتطوير المسألة وقدمنا عرضا مسرحيا بمشاركتهم وهم متحمسون جدا ولديهم حب لتطوير الذات والتعلم. لكن هناك بعض المتطلبات، منها أن هذه الفئة تحتاج إلى تدريب خاص في البداية، وكلما بدأنا مبكرا من مرحلة الطفولة كانت النتيجة أفضل، لأن استيعاب الطفل يكون أقوى في تلك المرحلة. وهناك كورسات ألوان يمكن عملها لمن هم في مرحلة ضعف الإبصار الشديد لتقوية البصر، كما أن تدريب الطفل من الصغر على توظيف اللمس في إدراك الواقع المحيط يقوي لديه الاحساس والوعي، إضافة إلى أن هناك أكثر من تقنية يمكن للأمهات القيام بها مع أولادهن وكل سن له طريقة وفق ارشادات علمية. وقد صممت كتابا في مرحلة الماجستير يخاطب الفئة ما قبل رياض الأطفال وأظن أنه سيفيد كثيرا في تنمية القدرات الحسية والإدراكية.

 

برأيك هل يمكن نشر وتعميم هذا الأسلوب في كل بلادنا العربية؟

للأسف الشديد هناك 75% من المكفوفين في بلادنا لا يتعلمون و2% منهم فقط هم الذين يواصلون تعليمهم العالي، والباقي يتسرب مبكرا من التعليم بسبب ظروفهم الخاصة بهم من ناحية، وظروف مجتمعاتنا التي لا تولي اهتماما كبيرا بهذه الفئة ولا تسعى لتوفير وسائل تأهيلهم لذلك، مكتفين فقط بتأمين طعامهم وشرابهم رغم أنهم لو اهتموا بهم وعلموهم لأصبحوا أفرادا منتجين في المجتمع، لذلك أعتقد أن مشروعي يركز على تحقيق هذا الهدف، ولكن المسألة تحتاج عقولا متفتحة بعيدا عن الروتين الذي اصطدمت به عند التطبيق.

 

ما أهم الأدوات التي تعولين عليها لتحقيق الهدف في توصيل الصورة وتفاصيلها للمكفوفين؟ 

رؤية اللوحة باللمس

هي نفس الأدوات التي يستخدمها الفنانون الآخرون، فأنا أستخدم خامة الاكريليك، ولكني أقوم بتوظيفها بطريقة مختلفة، فأرسم على الهواء، وهو تكنيك ابتكرته قبل مناقشة الماجستير. وأحيانا قد تكون هناك إضافات من ابتكاري ليكون اللون سميكا ويعطيني الملمس المطلوب، وهي مسألة ليست سهلة لأني اضطر لعمل طبقات من الدهانات والألوان فوق بعضها لأصل للمستوى اللمسي الذي أريده. ويمكن تحويل أي لوحة الى رسم بارز للمكفوفين، لكن الأمر يتوقف على عدة أسس وقواعد ترتبط باحتياج المكفوفين لاختصار الخطوط وتبسيطها لتعبر فقط عن المضمون المراد توصيله لهم.

 

إذا كان ذلك ممكنا في الخطوط فكيف يمكن تحويل الألوان إلى شيء ملموس؟

كل خط له بروز وسمك، وبالنسبة للألوان لها أيضا ملمسها الخاص بكل لون على حدة وكذلك رائحة، ولكن لا نشعر بها نحن المبصرون، لأن حواسنا الأخرى موجودة وتشغلنا، ولكن يدركها الكفيف لأنه يكون أكثر تركيزا بحواسهم الأخرى في تلك اللحظة. وهناك مكفوفون يرسمون بهذه الطريقة ومعروفون على مستوى العالم.

 

ملمس الألوان

 

هل هناك أماكن معينة تمارسين فيها هذا النشاط وتطبقين فيها العلاج بالفن؟

قمت بتنفيذ هذا النمط العلاجي في العديد من الجمعيات والمؤسسات المعنية، وأشهرها مدارس النور والأمل بأنحاء مصر وجمعية رسالة الخيرية. وأتمنى أن ينتشر المشروع على نطاق أوسع داخلي وخارجي بغرض تنمية عقلهم ومواهبهم، وزيادة وعيهم ودرايتهم وثقافتهم بالعالم المحيط ودمجهم فيه، وخلق حب التعلم لديهم، وعندما نعلمهم، فإنهم لن يكونوا عبئا على مجتمعاتهم بل منتجين، لذلك أحرص على التحرك في دوائر واسعة للتعامل مع أكبر عدد من المكفوفين واختبار تمكنهم من الاحساس بهذه اللوحات.

 

ذكرت أنك تخصصت في مجال ال art therapy أو العلاج بالفن، فهل يمكن أن توضحي لنا كيف تعالجين بالفن؟ وهل يقتصر ذلك على المكفوفين فقط ؟

أبحث دائما عن الجديد الذي يفيد المجتمع، لذلك تخصصت في الأرت ثيرابي وقمت بتطبيقه على  المكفوفين، وهو يفيدهم في تفريغ طاقاتهم السلبية ومساعدتهم على فهم أنفسهم بشكل أفضل. وفي نفس الوقت قمت بتطبيقه على المبصرين أيضا من المرضى النفسيين في حالات الفصام والاكتئاب والقلق والتوترومارست  عمليا في مستشفى الأمراض النفسية بالقاهرة التابعة للدولة، وكذلك في بعض المراكز الطبية النفسية المتخصصة، وذلك بعد أن تدربت بكلية طب جامعة الازهر.

 

هل هناك مجالات أخرى إلى جانب عملك في العلاج بالفن؟

أهتم بكل ما يخص تنمية المرأة وما يجعلها قوية وقادرة على إثبات ذاتها لذلك تتنوع مجالات عملي، فإلى جانب مجال الفنون الجميلة، أعمل أيضا في تدريب البنات على اليوجا للحصول على التوازن وتحقيق الاستقرار في حياتهن كوسيلة من وسائل سيطرة المرأة على حياتها سواء الأسرية أو الذاتية.

 

ما أهم المعارض التي شاركت فيها داخليا وخارجيا؟ 

أشارك في الحركة الفنية ومجال الآرت ثيرابي من عام 2008، وساهمت في العديد من المعارض الجماعية وورش العمل الخاصة بالتعامل مع المكفوفين في مصر وخارجها، ومنها المانيا وإيطاليا والنمسا والدانمارك وكان آخرها معرضي ببيروت قبل أيام، ولديّ مقتنيات خاصة بالسفارة الدانماركية بمصر، ولديّ معرض خاص اسمه “رؤية جديدة” خصصته لعرض لوحات لغير المبصرين. وشاركت في فعاليات مهرجان الفنانين من أجل السلام والحرية.

 

مي أمام معرضها رؤية جديدة

ماذا عن المستقبل؟

أجهز حاليا لكتاب عن مشروعي لتعليم الفن للمكفوفين، وسيكون معروضا بمعرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام، وأتمنى عرضه على الجمعيات المعنية في مصر وخارجها لتعميم تطبيقه وتنفيذه على أرض الواقع.

 

وأحلامك؟

أحلم بالنجاح في تمكين جميع المكفوفين أن يلمسوا عالمنا بأيديهم وأن أستطيع وضع رسوماتي في كتبهم، وسأكون سعيدة جدا عندما أجد كل مكفوف يستطيع الدخول في المجال الذي يريده دون أن تعيقه إعاقته. وأحلم أن أخرج بمشروعي من النطاق الجغرافي  لتوصيل رسالتي للعالم كله.

مقالات ذات صلة

اترك رد