سياسة

ترامب “المؤدّب” .. الدفع مقابل الحماية والصمت مقابل المساعدات

أخبار

“التعامل مع الآخر على أساس مواقفه في الأمم المتحدة، مقبول من حيث المبدأ. لكن ليس في عملية تصويت له صداه الديني الأوسع في العالم الإسلامي”، لم يكن هذا تعليقا صادرا عن أي شخص بل كان تعليقا لـ”دافيد ماكوفسكي” الباحث في “مؤسسة واشنطن لسياسات الشرق الأدنى” والمقرب من الكيان المحتل على تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للدول التي إعترضت على قراره الأخير بشأن القدس قبل سويعات من تصويت الجمعية العامة للأمم المتّحدة على قرار بسحب القرار الأمريكي.

ليّ الذراع ولغة الوعيد ليست أمرا جديدا في الديبلوماسيّة ،ولكنّها ليست حدثا عابرا أينما تمّ اللجوء إليها باعتبارها تعبيرا عن درجة قصوى من التناقض الذي يلامس حدود الصدام، أمّا أن تكون بالأسلوب الذي إعتمده ترامب في تعليقه على تصويت عدد من الدول على قرار أممي ضدّ قراره بشأن القدس فيبدو مثيرا للإهتمام من عدّة زوايا.

ترامب قال بوضوح “يأخذون الملايين بل المليارات منا ويصوتون ضدنا. سيوفرون علينا إذا فعلوا ذلك” محذّرا من أن “زمن إستغلال أمريكا قد إنتهى”، قبل أن يغمز بأن بلاده تقدّم المليارات لبعض الدول في شكل مساعدات وهي غمزة موجّهة أساسا إلى مصر والأردن في العالم العربي الذي إجتاحته المظاهرات العارمة الرافضة للقرار باستثناء “محور الإعتدال” الذي خرج عن السرب كعادته متقاطعا مع المصالح الأمريكيّة وإستراتيجيات الكيان الإستعمارية ضدّ الحقّ الفلسطيني الثابت.

من الأمثلة العربيّة الشهيرة “العصا لمن عصى” الذي يبدو أنّه المثل الذي يعجب كثيرا دونالد ترامب ويمثّل وسيلته الحاليّة لإظهار “صلابته وصلابة إدارته”، قد يبدو هذا الأمر واضحا من خلال وعيد ترامب ولكنّه أكثر وضوحا في ثنايا الرسالة التي توجهت بها سفيرة دولته إلى سفراء الدول الأعضاء في الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة التي حذّرتهم فيها من أنّها سترفع قائمة بأسماء دولهم إلى ترامب الذي برز من خلال رسالتها وكأنّه “القدّيس” أو “المؤدّب” الذي يملك سلطة تحديد خيارات الآخرين.

بعيدا عن كلّ التوصيفات التي يمكن إطلاقها على “المؤدّب ترامب”، فإنّ إنصياع أنظمة كثيرة وتقديمها القرابين للإدارة الأمريكيّة إلى جانب شراء ذممها بمساعدات أمريكيّة لا تساوي شيئا أمام سيادة شعوب هذه الدول، كانت السبب الرئيس وراء “التوحّش” الملحوظ في سياسات الرئيس الأمريكي الجديد التي لا يبدو أنّها ستقف عند هذا الحدّ.

عربيّا تحضر صورة ترامب في المؤتمر الإسلامي بالرياض الذي جمع خلاله الأخير حاجيات خزينة بلاده وعاد إلى البيت الأبيض منتشيا برقصات زعماء من وصفهم سابقا في حملته الإنتخابيّة بـ”البقرة” التي قال أنه “سيذبحها بعد الإنتهاء من حلبها”، وهي نفس الصورة التي تعامل بها ترامب مع آخرين وقد لا يتوقّف الأمر على من يقبضون دعما ومساعدات من إدارته، بل قد يطال غضبه الجميع وقد سبق له التهجّم على بعض الزعماء الغربيين.

“ترامب المؤدّب” يظهر في صورة “وحش العالم” من خلال الترويع والتجويع، قال خلال حملته الإنتخابيّة “لن نحمي من لا يدفع”، ويبدو أنّه يضيف إلى ذلك اليوم قاعدة تعامل جديدة مفادها “لن ندفع لمن لا ينصاع” من خلال وفرة المساعدات الخارجيّة التي تقدّمها بلاده هذه المرّة، التي يبدو أنّها ورقة لم تعد ضمن إستراتيجيّة المدى البعيد كما كانت سابقا، بل تحوّلت إلى ما يشبه “إستراتيجيّة التسديد فورا” سواء كان الأمر بالمال كما حدث مع دول عربيّة سابقا أو بالمواقف والأصوات كما يحدث الآن في علاقة بتصويت الجمعية العامة للأمم المتّحدة والحالتان متلازمتان.

“صغار” ترامب الذين هدّدهم هو بنفسه وهددتهم بعصاه الغليظة سفيرة بلاده في الأمم المتّحدة لا يبدون قادرين على التمرّد عليه، بل بدأت علامات الإنصياع تظهر عليهم بدءا بتغريدة وزير خارجية البحرين الذي دعا إلى تفادي أي صدام مصالح مع الولايات المتّحدة، ممهّدا الطريق نحو تصويت بلاده لصالح “المؤدّب” أو الإكتفاء بمقعد ضمن مدارج قاعة الجمعية الأممية العامة للفرجة فقط، لينشد مغرّدا “من غير المفيد اختيار معركة مع الولايات المتحدة حول قضايا جانبية (يقصد قضية القدس) بينما نكافح معا الخطر الواضح من إيران”.

 

يختزل ترامب كلّ مصالح العالم في مصالح دولته ورؤيته التي لا يرى غيرها، بل يلزم غيره على التماهي معها بشكل مستفزّ وتعسّفي من خلال المساومة بالمساعدات وبالأمن وبأشياء أخرى كثيرة، مستغلاّ قابليّة كثيرين لخطواته المتوحّشة وعدم قدرة آخرين على ليّ ذراعه فعلا حتّى و إن أظهروا غير ذلك.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد