سياسة

المناضل الفلسطيني حلمي الأعرج وثلاثية الدراسة والاعتقال والمقاومة

حوار مجلة ميم مع المناضل الفلسطيني حلمي الأعرج

 

تزخر فلسطين بقصص عديدة نسجها أطفال ورجال ونساء بكفاحهم وثباتهم طوال سنوات عديدة في سجون الاحتلال، ومن بينهم الأسير حلمي محمد عبد أعرج الذي قضى 11 سنة من عمره بعيدا عن أهله ومحروما من استكمال دراسته، دون أن ينحني.

كانت للمناضل حلمي الأعرج قصة طويلة مع المقاومة والنضال الذي استمر حتى داخل السجون، فهو الشاب الذي عجز أمامه المحققون والجلادون لقوة عزيمته وصلابة إرادته رغم صغر سنه آنذاك. يقول حلمي في تصريح لمجلة “ميم”: “التحقت بالحركة الوطنية الفلسطينية في مرحلة مبكرة من عمري، كنت طالباً في مدرسة ذكور عنبتا الثانوية، وكان عمري ستة عشر عاماً حين بدأت مشاركاتي في المظاهرات الطلابية والجماهيرية ومختلف الفعاليات المقاومة للمحتل الإسرائيلي”.

في بلدة عنبتا في قضاء طولكرم، غرب فلسطين، ترعرع حلمي الأعرج وهو من مواليد 24 نوفمبر 1958، والمتحصل على الماجستير في العلوم السياسية. وهو متزوج ووالد ثلاث بنات. يقيم حاليا في مدينة رام الله.

يتابع الأعرج بشغف سرد حكايته مع المقاومة: “كانت سنة 1976 سنة مفصلية في حياتي بعد التحاقي بالجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، في شهر ماي/أيار من نفس السنة تم اعتقالي لأول مرة في حياتي، لمدة خمسة أيام أمضيتها في غرف التحقيق في معتقل طولكرم، وجهت لي تهمة المشاركة في المظاهرات الطلابية والجماهيرية، واستخدم معي الشبح والضرب خلال التحقيق”.

سنة 1977، تحصل السيد حلمي على الشهادة الثانوية العامة، ثم التحق بكلية الحقوق في جامعة دمشق، حيث درس ثلاث سنوات متواصلة ليقرر قبل نهاية السنة الثالثة أي سنة 1981 العودة إلى فلسطين وعائلته.

هيأت نفسي للاعتقال

ورغم إدراكه أنه سيتم اعتقاله مباشرة بعد عودته إلى الأراضي الفلسطينية، إلا أن السيد حلمي الأعرج صمم على العودة إلى مسقط رأسه: “هيأت نفسي لهذا الاعتقال وذلك لأن المخابرات الإسرائيلية كانت تقدم على اعتقال غالبية شباب الأرض المحتلة الذين يعودون من دمشق وبيروت إلى الداخل الفلسطيني، بالإضافة لمعرفتي بوجود اعترافات عليّ من قبل آخرين تم اعتقالهم، ومع هذا صممت على العودة كي لا أخسر إقامتي في الوطن بسبب الغياب المتواصل، وما شجعني أيضا التجربة التي اكتسبتها في التحقيق عند الاعتقال الأول والثاني”.

وفي طريقه للعودة تم اعتقاله في جسر الملك حسين بينما كان قادما من دمشق، ليتم اقتياده إلى مقر مخابرات جنين، وبدأت رحلته الجديدة مع الاعتقالات والتحقيق بعد أن وجهت له تهمة: “الانتماء إلى الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين”.

يواصل السيد حلمي الأعرج حديثه مع مجلة “ميم”: “بعد سلسلة من التحقيقات دامت ثلاثة أشهر، أصدرت المحكمة العسكرية الإسرائيلية في نابلس حكما بالسجن الفعلي لمدة عام ونصف أمضيتها في نفس السجن”.

مدرسة السجن 

من الأساليب التي يهزم بها الأسير سجانه، بصمت وثبات، تعلقه بالكتاب، فحياة الفلسطيني ليست كحياة أي عربي، باعتبارها تقتصر على مهمتين، المقاومة خارج السجون والتعلم وتطوير القدرات داخل الزنازن.

يقول الأيسر حلمي الأعرج: “كنت أنهض من نومي باكراً لكسب أطول وقت ممكن بصحبة الكتب والكراسات التنظيمية والاعتقالية، وقد برزت لدي اهتمامات خاصة بالأدب والسياسة والفلسفة والاقتصاد”.

ويتابع: “كتبت العديد من المقالات السياسية والثقافية التي كنت أنشرها في مجلة (الحرية) وهي مجلة خاصة بالجبهة الديمقراطية، وكذلك في المجلة الثقافية الاعتقالية، وقد كنت عضواً في اللجنة الثقافية العامة التي كانت تقوم بإصدار مجلة اعتقالية عامة يكتب فيها الأسرى مقالاتهم وتحليلاتهم السياسية، وكانت توزع بعد نسخها على جميع الغرف لتقرأ وتناقش خاصة التحليلات السياسية والمواضيع الثقافية الهامة منها، في جلسات موسعة بمشاركة جميع الأسر”.

وقضى الأسير مدة اعتقاله التي قال عنها إنها: “كانت سهلة وخفيفة الظل على نفسي”، بسبب انشغاله الدائم والمتواصل في قراءة الكتب والانخراط الكامل في الحياة التنظيمية والاعتقالية إلى غاية تحريره من الأسر يوم 29 سبتمبر/أيلول 1982.

لو كان جبلا لاعترف

بعد تحريره، منع من السفر، ولم يستطع العودة إلى جامعة دمشق لمواصلة دراسته في كلية الحقوق. ورفض عرضا بالتوقيع على عدم العودة للوطن قبل مرور ثلاث سنوات، مقابل السماح له بالسفر. واعتبر ذلك مساومة غير مقبولة. وقبل بخسارة سنوات الدراسة في جامعة دمشق والالتحاق بجامعة بيرزيت من جديد .

خلال فترة اعتقاله، تعرض الأعرج لأبشع أنواع التعذيب دون أن يعترف بشيء، حتى أن المحامي “جواد بولص” قال عنه أمام قاضي المحكمة العسكرية: “لو كان جبلا بعد هذا الاعتقال والتعذيب لاعترف”.

وبعد رحلة مع التحقيق والتعذيب والتنقل بين سجون الاحتلال، تم إطلاق سراح الأعرج في اليوم الثالث والسبعين. ويقول الأعرج عن تلك اللحظة: “هي الأجمل والأهم في حياتي حيث الانتصار على الاحتلال وجلاديه بعد معركة طويلة زمنيا وقاسية فعليا تعرضت خلالها للتعذيب المحرم دوليا”.

الاعتقال الخامس

واصل الأعرج دراسته بعد عودته إلى جامعة بيرزيت، وتخصص في علم الاجتماع إلى أن وصل إلى السنة الرابعة، ليتعرض للاعتقال مجددا وللمرة الخامسة في 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 1987، إثر وقوع انفجار قنبلة يدوية في سكني في بلدة بيرزيت حيث كان أحد رفاقه بصدد إعدادها، وقد تسببت له في أضرار كبيرة حيث فقد كلتا يديه وإحدى عينيه، وخرج بعد أن أمضى 12 سنة في الأسر.

وتم اعتقال الأعرج في اليوم التالي للانفجار، ليستمر التحقيق معه في مركز مخابرات طولكوم لمدة 100 يوم. “هناك دافعت عن عدالة قضيتنا وحتمية انتصارها وأن دولتنا هي فلسطين وليس الأردن كما كانوا يدعون. واجهت طواقم التحقيق وأنا مرفوع الرأس”.

تم الإفراج عن الأعرج في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 1995، ليستأنف دراسته مرة أخرى في جامعة بيرزيت، حيث تخرج عام 1996 وحصل على شهادة البكالوريوس في علم الاجتماع بعد عشرين عاماً من محاولات الحصول على الشهادة. والتحق بعد ذلك ببرنامج الماجستير في جامعة بيرزيت وتخرج منه في العام (2003).

ويعمل حلمي الأعرج الآن مديراً لمركز الدفاع عن الحريات، وعضوا في لجنة الحريات الخاصة بالمصالحة، ومقرر الهيئة العليا لمتابعة شؤون الأسرى والمحررين، وممثل الجبهة الديمقراطية في القوى الوطنية والإسلامية في الضفة الغربية.

الوسوم

Thoraya Kassmi

عضو فريق مجلة ميم التحريري تختص في القضايا الإجتماعية والإقتصادية

مقالات ذات صلة

اترك رد