ثقافة

المدوّنون: مثقفون جدد يشكلون الرأي العام

#الثورة_التونسية

 

يرى الدكتور الصادق الحمامي، المختص في الميديا الاجتماعية، أن الانترنت أتاحت ظهور “فئة جديدة منخرطة في الشأن العام تصارع السّلطة السياسيّة، وتقوم بالأدوار التي تخلّى عنها المثقف” وهي “المدوّنون” الذين جمعوا بين خاصية “الصحفي” و”المثقف” ليضطلعوا بمهمة سرد الحياة الاجتماعية من جهة وتوجيه الرأي العام باتجاهها من جهة أخرى.

إلا أن بعض المدونين يرون أن الإشكال يتعلق ّأساسا في غياب “المثقف”، خاصة بعد ثورات الربيع العربي، وإهماله للميديا الاجتماعية التي تعد اليوم وسيلة أساسية لدعم حضوره وسلطته في المجال العام.

كما أنهم يفضلون الفضاءات المغلقة التي لن تساهم، في ظل التطور التكنولوجي، في إبلاغ الرسالة بسبب نرجسيتهم أو عجزهم عن خلق شبكة من المتابعين وتوسيعها.

وقد بين الكاتب الصحفي “كمال الشارني” في تصريح لـ”ميم” أن المدون أصبح في الحركات الاجتماعية الحديثة قائد رأي مرموق بعد أن استولى على القيادة من السياسيين والجامعيين والمدرسين ورجال الدين وحتى الشعراء والمبدعين”.

وأضاف ” كثيرا ما قيل إن المدونين ساهموا بدرجة عالية في الإطاحة بأنظمة الطغيان الحديث، وأن بعض المدونات التي لا يتجاوز حجمها بضعة أسطر قد أحدثت تغييرات اجتماعية عميقة عبر العالم، إن “قائد الرأي” الحديث الذي صنعته المدونات ثم مواقع التواصل الاجتماعي لا يخضع بالضرورة إلى صورة قائد الرأي التقليدي، كثيرا ما يكون شابا أو حتى مراهقا بلا شهائد علمية، وهو لا يملك أدوات القيادة التقليدية مثل تقديم أجوبة على أسئلة الناس أو قوة مقترح لمشروع وطني أو صياغة أحلامهم في شكل إبداعي وتوجيههم.

 

وأوضح أن “قائد الرأي الذي تصنعه الميديا الجديدة اليوم ليس بالضرورة جامعيا ولا مدرسا ولا حتى رجل دين، لكن سر قيادته للرأي العام يكمن في أنه يملك التقنية التي تمكنه من الوصول إلى جمهور الناس العريض وفضح السلطة والظلم وصنع قضايا الشأن العام، محتميا بالتقنية الحديثة التي تمكنه من امتلاك مسافة سبق على السلطة التي يواجهها، هذه التقنية التي تصنع له شبكة علاقات مع منظمات وقيادات رأي عبر العالم تتضامن معه وتوفر له الضغط والحماية (تشبيك)، وهنا، يطرح سؤال مهم: أين ذهبت الزعامات وقادة الرأي التقليدية؟”.

وفي ذات السياق يقول الشارني “بعض الجواب يوجد في تأخر هذه الزعامات عن تطويع التقنية وتطوير الخطاب المناسب لها، وإضاعة وقت ثمين في التفاعل الإيجابي معها، لقد تفطن مستشارو الرئيس الأمريكي السابق إلى أهمية الميديا الجديدة، مما يجعل الدارسين يشيرون إلى أهميتها في انتخابه مرتين متتاليتين، الآن، هناك زعامات سياسية وفكرية تشتري قادة الرأي في الميديا الجديدة أو توظفها لصالحها، أصبحت الحكومات والأحزاب ومراكز القرار تتودد أو تتحالف مع قادة الرأي الجدد أو تصنعهم، في محاولة للحاق بسحر هذه الوسائط وقدرتها العجيبة على إحداث التغيير.”

 

لا يمكن الحديث عن “مثقف” دون انخراطه في الميديا الاجتماعية

أحمد جبريل مدون مصري شاب، يعمل في المجال السينمائي وسيصدر قريبا كتابا، يقول لمجلة “ميم” انطلقت منذ أكثر من 5 سنوات في التدوين وتحديدا بعد أن أشعل البوعزيزي فتيل الثورة في تونس لتنتقل إلى مصر، ويصبح لدي 800 ألف متابع على “فايسبوك” بين 2011 و2012، لقد كانوا يشكلون قوة”.

كان يقدم من خلال حسابه النصائح الاجتماعية والمواقف السياسية بشكل محايد، “إذ لا أستطيع الكتابة في اتجاه معين لأن المشهد كان مشوشا، وفي كل الحالات لا أستطيع إرضاء جميع الأطراف لأن المواقف مختلفة وليس لدينا ثقافة تقبل اختلاف الرأي”. حسب قوله

ولكن تم اغلاق حسابه نهائيا بعد حملة قادها النظام ضد حسابات للمدونين الأكثر تأثيرا والذين يسببون احراجا له، بسبب احتجاجهم على الوضع وما آلت إليه الثورة.

إلا أنه عاد مرة أخرى “أنشأت حسابا آخر في رمضان 2014 وبنفس الاسم، وفي فترة قصيرة بلغ عدد المتابعين أكثر من 200 ألف، لأني نجحت في وضع يديّ على النقاط المؤثرة التي تصل إلى قلوب المتابعين”. وفق تعبيره

يقول “أعتقد أن كلمة المثقف، دون متابعين ودون أن يستند إلى منصة تجمعه بهم، ستكون ضعيفة وبلا تأثير “ما فائدته في مكان خال من الرواد، كأن يلقي الدكتور محاضرة دون حضور الطلاب؟

وأكد أن النجاح لا يتمثل فقط في صياغة المعلومة بل أيضا من خلال متابعة الناس لها، فالجميع اليوم يلجئ لهذه المواقع حتى أكبر الشركات في العالم تضع ثقلها الإعلاني فيها، خاصة أن نسبة 95 في المائة من الشباب موجود على هذه المواقع لأنها الأكثر قدرة على التواصل.

وبين أن المثقف يعتمد الوسائط التقليدية ويتواصل من خلالها، كالجرائد والكتاب أو عن طريق المنصات المغلقة كالمحاضرات ودورات التدريب وهذا المكان المغلق سيحد من عدد المتابعين وعلى المثقف أن يطور من أساليبه.

وأوضح جبريل “اذا كتبت مقالا على صفحتي التي تضم 230 ألف متابع سيصل إليهم جميعا وإلى أصدقائهم، فمؤخرا قمت بتنزيل مقال عن فيلم سينمائي، وصل عدد الإعجابات إلى 30 ألفا منهم 15 ألفا قاموا بمشاركته، واذا كان لكل فرد فيهم 10 أصدقاء فقط ستصل متابعته إلى 150 ألفا على الأقل”.

وبين أن ليس كل المدونين المشاهير مثقفون، بل هناك أشخاص سطحيون وتافهون.

وعن المصادر التي يعتمدها في كتاباته قال “المفلس هو من يعتمد على مصدر واحد، اذ لا يجب على المثقف أن يكون كذلك بل يجب أن تتنوع، من كتب وأفلام وأعمال فنية هادفة تكون فيها قصص مفيدة.

 

المدون قائد رأي ينافس المثقف ولا ينتج الأفكار

حسام الدين الهمامي، مدون تونسي شاب، أضحى ظهوره شائعا في وسائل الإعلام علاوة عن عمله في الإذاعة التونسية، يقول إن سبب نجاح المدون وفشل المثقف هو “المشاركة” على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأكد في حديث خص به مجلة “ميم” أن تدوينة تضم جملا قصيرة وبسيطة في تركيبتها تؤدي المعنى أكثر من دراسة لمثقف لا تخرج عن النطاق الأكاديمي.

وبين أن منصات التواصل الاجتماعي تلعب دورا هاما في ابلاغ المعلومة للمتقبل، معتبرا أن غياب المثقف عنها وعن هذه المنافسة توسع الهوة أكثر بينه وبين الجمهور.

وقال إن الاشكال بالأساس في “المثقفين النخبويين الذين يترفّعون عن هذه المواقع بتعلّة أن مستواهم أرفع من التدوين في إطارها”.

وأبرز الهمامي مثال المدون التونسي “ياسين العياري” الذي انتخب مؤخرا كنائب في البرلمان التونسي بعد إجراء الانتخابات الجزئية في ألمانيا، قائلا، “قامت جل حملته على الفايسبوك، ويعد أول سياسي وصل إلى المجلس عن طريق الميديا الاجتماعية في تونس”.

وأكد أن التفاعلات المباشرة والسريعة و”رجع الصدى” له دور فعال في الوصول إلى الناس.

وعن التوجهات التي تدفع بعض المدونين للتأثير في الرأي العام يقول “لأي مدون أو صحفي توجهاته، من اليمين إلى اليسار، ولكن يحاول أن يكون موضوعيا في قراءته للأحداث.

وبيّن أن بعض المدونين تدفعهم قوى سياسية لذلك في حين أن غيرهم لا يملكون هذا السند القوي، مبرزا مثال حمادي الخليفي وهو مدون وكاتب تم توقيفه ولكن نشاطه في إطار المجتمع المدني كان له دور في إطلاق سراحه”.

وتحدت حسام عن “ديك الجن” الإسم المستعار لمدون أردني كان ناشطا على “فايسبوك وتويتر” إلى أن قرر التوقف عن ذلك لإنتاج كتاب “مأمون القانوني” الذي حقق إيرادات كبيرة وصنف كأكثر كتاب مبيعا في الوطن العربي، وبعود ذلك إلى انتشاره عن طريق هذه الوسائط في البداية”.

كما بين أن للمدونين دور كبير في تغذية الصراع الخليجي الحالي، فإذا تمت مشاركة خبر من قبل قيادي رأي، ستنعكس قراءته على متابعيه، وبالتالي يكون بمثابة المرآة التي تعكس لهم الصورة التي يرونها حقيقية وقد لا تكون كذلك.

وأشار إلى أن “المدون هو قائد رأي وقادر على توجيه الرأي العام ولكنه ليس منتجا للفكر وهذا الفرق بينه وبين المثقف، ولكن المرحلة المقبلة كفيلة بجعله كذلك، حسب رأيه، وعلى المثقف أن يعي بهذه التغيرات و”ينزل من برجه العاجي ليخاطب الناس على غرار الكاتب المصري “أحمد خالد توفيق”.

 

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد