مجتمع

المحامية ليلي حداد: الحكومة تعطّل نشر قائمة شهداء الثورة وجرحاها

حوار مجلة ميم مع محامية عائلات شهداء وجرحى #لثورة_التونسية

 

تعيش تونس هذه الأيام على وقع الاحتفال بالعيد السابع لثورة الحرية والكرامة، فيما لا تزال عائلات الشهداء والجرحى تنتظر إصدار الحكومة ورئاسة الجمهورية للقائمة الرسمية. ورغم حصول العائلات على التعويضات المادية إلا أن الأحكام الصادرة ضد المتهمين كانت “صادمة” بالنسبة إليهم، حسب تعبير المحامية ليلى حداد.

حول تطور ملف قضايا شهداء الثورة وجرحاها، التقت مجلة “ميم” الأستاذة ليلى حداد، محامية عائلات الشهداء والجرحى وكان لنا معها الحوار التالي:

 

  • مرت 7 سنوات على الثورة لكن إلى حد الآن لم يتم الإعلان عن القائمة النهائية لشهداء الثورة وجرحاها، لماذا؟

قائمة الشهداء جاهزة، وقد قدم توفيق بودربالة رئيس لجنة شهداء الثورة ومصابيها، التابعة للهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية،القائمة إلى رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ورئاسة مجلس نواب الشعب منذ ديسمبر 2015. لكن إلى حد الآن هناك تسويف كبير لإمضاء القائمة وإصدارها بالرائد الرسمي.

 

 

وقد قامت عائلات الشهداء بالعديد من الوقفات الاحتجاجية والحملات تحت عنوان “سيّب القائمة”، لكن رئيس الجمهورية رفض الإمضاء عليها، رغم أن العائلات أوفدت عدل تنفيذ إلى رئاسة الجمهورية للمطالبة بإمضاء القائمة. وفي آخر تحرك، توجهت عائلات الشهداء إلى رئاسة الحكومة بطلب “النفاذ إلى وثيقة” للحصول على نسخة من القائمة منذ نوفمبر الماضي لكن إلى حد الآن لم نتلقّ أي رد.

أرى أن هناك إرادة سياسية لعدم الإعلان عن قائمة الشهداء، لأن التعلّل بالصعوبات الإدارية غير مجد وغير مبرر. فقائمة الشهداء، على خلاف الجرحى، جاهزة وموثقة بالمستندات وتقارير الخبراء، فلماذا هذا التلكؤ في نشرها والاعتراف بحق هؤلاء الشهداء في إسقاط النظام السابق، وفي ما وصلت إليه تونس اليوم من حرية. وأنا شخصيا لا استبعد أن يكون الأمر صفقة سياسية.

 

  • وماذا عن قائمة الجرحى؟ هناك معطيات عن وصول القائمة إلى أكثر من 8 آلاف جريح وهو ما فتح الباب أمام التشكيك فيها؟

منذ سنة 2011 وعند تولي الباجي قائد السبسي رئاسة الحكومة كانت هناك رغبة في إغراق ملف جرحى الثورة، البداية كانت باصدار قرار بأن أي جريح ثورة يمكنه التقدم بشهادة طبية تثبت تعرضه للاصابة في أحداث الثورة ونسخة من بطاقة التعريف الوطنية إلى الولاية الراجع لها بالنظر والحصول على تعويض قدره 3 آلاف دينار وبطاقة جريح ثورة. 

 

بشهادة طبية و نسخة من بطاقة تعريف فقط، أنت جريح ثورة، وهذا ظلم للجرحى الحقيقيين واعتداء على حقهم في العلاج

 

وأمام عدم التثبت من صحة الشهائد الطبية استغل عدد من الانتهازيين ذلك، وزوّرا شهائد طبية وحصلوا على التعويض، رغم أن قائمة الجرحى الحقيقة كانت محددة من قبل لجنة تقصي الحقائق في ذلك الوقت والتي حددتها وفق معايير صحيحة من خلال المعاينة والاعتماد على تقارير خبراء والفحص الطبي وزارات حتى الجرحى في مقر سكناهم للتأكد من أنهم أصيبوا في الثورة وبشهادة الشهود. وتم تحديد القائمة، لكن تم تركها والاعتماد على قرار رئيس الحكومة في تلك الفترة.

نفس الخطأ تكرر عند إحداث لجنة “شهداء الثورة ومصابيها” في 2013. فقد ترك الآجال مفتوحة من 2013 إلى الآن لتقديم الملفات. وكالعادة يقتصر الأمر على إيداع شهادة طبية ونسخة من بطاقة التعريف الوطنية. وهو ما جعل الملفات تتراكم لتتجاوز 8 آلاف. كما أن السلطة تتعلل بأنه لم يتم إلى حد الآن تحديد قائمة الجرحى في 4 ولايات بينها القصرين. رغم أن المحامين طالبوا بتحديد القائمة وفق القضايا المنشورة لدى المحاكم التي تقدم بها الجرحى والمصابون لأنها تخضع للفحص الطبي الدقيق الذي يحدد تاريخ الإصابة سواء كان في أحداث الثورة أو قبلها وبعدها. لكن هناك رغبة، عن قصد، في إغراق هذا الملف.

 

 

  • كيف أثّر تأخير الاعلان عن القائمة النهائية للجرحى في الجرحى الحقيقيين للثورة؟

التأخير في إصدار القائمة النهائية للجرحى، أدى إلى حرمان الجرحى الحقيقيين، أمثال خالد بن نجمة ومحمد الجندوبي ومسلم قصد الله وطارق الدزيري ووليد الكسراوي ورشاد بالعربي وغيرهم، من العلاج الحقيقي. ولا يزال بعضهم يعاني تبعات الإصابة وبحاجة إلى التنقل للخارج لتلقي العلاج. لكن ما دامت الدولة لم تعترف بالقائمة النهائية للجرحى فإنها تظل غير ملزمة أمام القانون بتوفير العلاج لهم في تونس أو في الخارج.

وما حصل على مدى سبع سنوات ليس سوى ذر رماد عن العيون. كما أن الأحزاب السياسية، دون استثناء، تناست هذا  الملف ولم يعد ضمن حساباتها الانتخابية. كما أن جانبا كبيرا من الإعلام تعمد إقصاء الملف باستثناء بعض الإعلاميين الذين لازالوا يتابعون تطورات القضايا والجلسات المتعلقة بشهداء الثورة وجرحاها. وهذا ظلم كبير للعائلات التي فقدت أبناءها وللشبان الذين تحولوا إلى مقعدين على كراس متحركة لأنه رفعوا أصواتهم عاليا لإسقاط الاستبداد والديكتاتورية.

 

جريح الثورة مسلم قصد الله

 

  • حسب متابعتكم للملف ماهو عدد الشهداء والجرحى للثورة التونسية؟

خلال الفترة ما بين 17 ديسمبر 2010 و28 فيفري 2012استشهد في تونس 368 شخصا بينهم 49 من أعوان الأمن وأعوان السجون والإصلاح. وسقط قرابة 3750 جريحا. ومن بين الشهداء هناك 278 شهيدا بين مدنيين وأمنيين سقطوا برصاص الجيش.

 

  • من أهم المطالب التي رفعتها عائلات الشهداء هي سحب القضايا من المحاكم العسكرية لماذا؟

إبان الثورة نشرت القضايا لدى المحاكم العدلية. لكن في ماي 2011 تم سحبها إلى القضاء العسكري، أولا لأن المتهمين ينتمون إلى الجهازين العسكري والأمني. ثانيا لأنه كانت هناك إرادة من المؤسسة العسكرية لتولي الملف لأن عناصر من الجيش متورطة في قتل المتظاهرين وفي قتل الأمنيين كذلك.

 

الأحكام الصادرة في قضايا الشهداء والجرحى هي فقط ترجمة للخيارات السياسية

 

ومطالبة عائلات الشهداء بسحب الملفات من القضاء العسكري كان بسبب الأحكام التي صدرت في قرابة 99 في المائة من القضايا كانت بإخلاء سبيل المتهمين أو بصدور أحكام مخففة تراوحت بين 3 و 8 سنوات.كما تم إطلاق القيادات الأمنية المتورطة من أهمهم وزير الداخلية السابق رفيق الحاج قاسم وآمر الحرس الرئاسي علي السرياطي، وكذلك أن المتهم بقتل الشهيد الأستاذ الجامعي حاتم بالطاهر، حوكم بـ8 سنوات سجنا ولم ينفّذ الحكم.

كذلك الأمر بالنسبة إلى المتهمين بقتل شهداء الرقاب وتونس الكبرى وتالة والقصرين والحامة. وقد تمت محاكمة المتهمين وهم في حالة سراح ولم تنفذ الأحكام ضد أي منهم بل إن بعضهم حصل على ترقيات مهنية. والأمر لا يتعلق بالشهداء المدنيين فقط بل أيضا بالأمنيين الذين قتلوا في الأيام الموالية لـ 14 جانفي 2011، واتهم عناصر من الجيش بذلك، ورغم أن التهم ثابتة على الكثير منهم، إلا أن الأحكام تراوحت بين خطية مالية بـ200 دينار وشهرين سجنا مع تأجيل التنفيذ.

وقد اعتبرت عائلات الشهداء أن هذه الأحكام غير عادلة. كما أن التهم لم تكن “إطلاق نار على مدنيين وقتلهم”، وإنما “الاعتداء بالعنف الشديد الناجم عنه الموت أو الامتناع عن محظور و عدم إبلاغ وكيل الجمهورية بمقتل مدنيين أثناء المظاهرات”. وقد كرست هذه التهم الإفلات من العقاب وهي إهانة وإذلال للثورة ولرموزها. وكانت هذه الأحكام، الرصاصة الثانية في جسد الشهداء. 

 

 

  • بتاريخ 20 ديسمبر الحالي صدر الحكم بالسجن 6 سنوات على عون الأمن المتهم بقتل الشهيد مجدي المنصري، كيف تقيمين هذا الحكم؟

قضية الشهيد مجدي المنصري الذي قتل بتاريخ 12 جانفي 2011 بحي التضامن بالعاصمة، حكم فيها ابتدائيا بتاريخ 20 جويلية 2012 بالسجن 20 عاما على عون الأمن، بتهمة القتل العمد مع الإضمار. كما أن الاختبارات البا ليستية أثبتت أن الرصاصة التي قتل بها الشهيد أطلقت من سلاح عون الأمن، وهو من نوع “غلوك”. لكن الحكم الذي صدر من دائرة الاستئناف العسكرية هذا الأسبوع كان صادما لعائلة الشهيد إذ تم الحط من العقوبة من 20 إلى 6 سنوات. كما أن المتهم في حالة سراح ولم يحضر الجلسة.

 

كيف يتم الإفراج عن متهم صدر في شأنه حكما بـ20 سنة سجنا قبل صدور قرار محكمة الاستئناف؟

 

وكان القضاء العسكري تعمد تفكيك ملف القضية من خلال التخلي عنها وإرجاعها إلى المحكمة الابتدائية بأريانة التي رفضت الملف لأنه من اختصاص القضاء العسكري، وهو نفس القرار الذي اتخذته محكمة التعقيب، ليتم إعادة الملف إلى المحكمة العسكرية بعد أن تم تفكيكه وإطلاق سراح باقي المتهمين في قضايا الشهداء. ولم يبق سوى ملف الشهيد مجدي المنصري. وحتى عندما أعيد الملف إلى المحكمة العسكرية تم منع عائلة الشهيد والمحامين من حضور الجلسة الأولى.

وكان قد تم الإفراج عن المتهم بتاريخ 26 ماي 2017، في ساعة متأخرة من الليل من سجن المرناقية بحضور عدد من ممثلي النقابات الأمنية،  وهو محاكم بعشرين سنة سجنا لم يقض منها سوى 3 سنوات.

ورغم أن المحكمة تعمدت إعادة الاختبارات الطبية والتحرير على الخبراء بغاية البحث عن الشك فيها وإيجاد خلل ليتمكن المتهم من الحصول على الإفراج، ورغم أن التقرير الثاني للخبراء أكد ما جاء في التقرير الأول، لكن المحكمة العسكرية أفرجت على المتهم حتى قبل صدور حكم الاستئناف. وكنا طلبنا من المحكمة تبرير الإفراج لكنها رفضت. وتدذر الإشارة إلى أنّ محامية المتهم هي زوجة أحد القضاة بالمحكمة العسكرية.

 

  • لماذا تراجع عدد المحامين النائبين في قضية بحجم ملف شهداء الثورة وجرحاها؟

في بداية تقديم القضايا أمام المحاكم، وفي أول جلسة حضرت فيها، كان هناك العشرات من المحامين، وكنت تقدمت كمحامية لعائلة الشهيد أنيس الفرحاني أحد شهداء تونس الكبرى ومعتصمي القصبة 1، من أبناء القصرين والرقاب الذين تم الاعتداء عليهم. كنت من بين قرابة 100 محام لكن شيئا فشيئا تقلص العدد خاصة بعد نقل الملفات إلى المحاكم العسكرية.

 

 


أنا لا ألوم أي محام تخلى عن الملفات بسبب الإرهاق أو لأسباب خاصة بهم، لكن من أسباب ضعف الملف هو تقلص المحامين الذين ينوبون فيه.

رافعت في عدة قضايا وكان خصمي أكثر من 30 محاميا، بينهم حتى أساتذتي، رغم أن الدفاع عن الضحايا تطوعي. قدمت أكثر من 182 مرافعة وسجلت رقما قياسيا في ساعات المرافعة التي امتدت في إحدى الجلسات من التاسعة صباحا إلى الثامنة مساء.

وقع تكريمي من المنظمات الدولية على غرار المفوضية السامية لحقوق الإنسان. وأنا حاليا بصدد طرح ملف شهداء الثورة التونسية ومصابيها أمام المنظمات الحقوقية التونسية بسبب الإجحاف والظلم القضائي في حق للضحايا.

الوسوم

دواجة العوادني

عضو فريق مجلة ميم التحريري، تختص في المواضيع السياسية والحقوقية

مقالات ذات صلة

اترك رد