مدونات

المجنون وذات الأجنحة المنكسرة

بقلم: نوران الراضي

هكذا يا صديقي بدأت شرارة الشعلة الزرقاء، احكم من فضلك أكان حبأً زائفاً صالحاً للنشر أم أسطورة عشق فاقت جغرافيا القارات والمحيطات الخمس:

مي زيادة كاتبة شابة تبدي إعجاباً بديوان الأجنحة المتكسرة. جبران يرد عليها بفرحة عارمة إبان نشر مقالاتها و يشعر في كل سطر أنها تحدثه هو بالذات. مي تأخذ رأي جبران في أعمالها.. جبران ينتظر مي ليشكو لها غربته ووحشته  ووحدته وسط الأحبة و الأصدقاء.

بين مي وجبران، تفاهم تام وشفافية، ثم صراحة واختلاف عجيب في رؤيتهما لبعضهما فآلام.. قطيعة.. ثم عودة بلا وعي إلى

نوران الراضي

الصديق.

شقاوة مي 

الكل يعرف عن مي زيادة الجدية والوقار، لكن لها وجه آخر يظهر فقط لجبران، فكانت تتهكم عليه كثيرًا وتناوشه بالسخرية

الرقيقة، عن كثرة الحسناوات الشقر والبيض ذوات العيون الزرقاء حوله!

وينزعج جبران منها إذ تنعته بكاتب المقاطع الغنائية، فيبوبخها ويقاطعها أسابيع بلا رسالة واحدة!

علاقتهما ثيوصوفية روحانية وهي أجمل من العشق المادي بمراحل!

 

الحب في ثناياه فكرة في قالب عاطفة .. والفكرة نقاش حليم طويل 

تناقشا في الحب والزواج ورؤية جبران المتحررة للمرأة ورؤية مي المتحفظة الشرقية، و إيمانها التام أن زوج المرأة هو صديقها

الوحيد. و لا ينبغي لها أن تتخذ خليلاً غريباً، فلا يوافقها جبران.  يزعم أنها تخاف أكثر مما يجب وأنها مقيدة وحبيسة نفسها، ويحاول تحرير روحها الجميلة التي يراها في مقالاتها وكتاباتها! لكنها تصده وتوجعه لأنها آنست الوحدة الفكرية وكبت عواطفها داخلها فلا تظهرها لكائن من كان حتى جبران.

وهو كما قالت عنه: “لها جبران واحد، حلو بعيد هو القريب القريب. تكتب إليه الآن والشفق يملأ الفضاء، وتعلم أن الظلام يخلف الشفق، وأن النور يتبع الظلام”.

 

 

و يقول جبران:

“إن نفسك التي تسمع همس الأزهار وأغاني السكينة تستطيع أن تسمع صراخ روحي وضجيج قلبي”.

وجودها في حياته قلبها رأساً على عقب! وجد تلك الفتاة الأديبة الراقية الحساسة التي تفهمه وتشعر به دون أن تراه. فلا حاجة لرؤية العينين لتفسيرهما إذا ازودجت النبضات والتحمت الأنفاس بأختها على المسافات الشاسعة! سهل أن تعرف ما يدور في عقل أحدهم إذا كان بينكما من التشابه ما يعجزك عن حصره أو استيعاب حدوثه فيخيفك!

 

تقديس الحب ليس بمقصود وإنما تجريده من آفات ضالة هو المطلوب. يقيني أن المرء أكثر حاجة للأمان عن الحب.

 

محل شك 

ظهرت بعض الأصوات مشككة في غرام الثنائي جبران ومي، لكن كيف ذاك وقد اعترفت المرأة الحديدية الفيلوفوبية بحبها وهيامها بعد اثني عشر عامًا من المراسلات! كانت في الخامسة والثلاثين وقد بدأ الشيب يخيط شعرها القصير الصبياني!

حين يكشف الكتاب أقنعتهم لن يجدوا في حوذتهم إلا رسائل غرامية فلسفية أدبية.. تتداولها الأجيال أبًا عن جد.

أغلبها ليس بصادق، لأن المحب يشتهي قرب الحبيب وليس في البعد رجاء ولا شفاء، وإن تخطت علاقاتهم حدود الجسد واتصلت الأرواح في الخفاء!

لا عقل في الحب، لكن الوعي مطلوب. إذا أحب المرء أحدهم رغب وصاله ولا يطيق الاغتراب عنه. وإن كانت المسافات هي ما تزيد لهيب الحب دائمًا وأبدًا فيرضخ العنيد ويهتدي الحائر الخائف لما في النفس من الخلجات ويسلم لسلطان ليس في سطوته شيء بعد مقاومة وترفع أن يصير عبداً للحب وكينونته.

نحن في زمان مراهق شهواني يستنكر ويستعجب على الحب فضيلته وطهارته، فينزع عنه أوراق الحياء و يكذب القصص الرومانتيكية الرائجة ككثير عزة وعنترة وعبلة، قيس وليلى وجميل بثينة وأخيراً مي وجبران.

لكم حبكم الهوليوودي الجريء و للأدباء رسائلهم الفاضلة. و بأية حال يكفي ما تركه أجدادنا الموهوبون من عذابات وابتهالات عذبة فاشلها يسود ناجحها، على أن هذا القليل الصادق العفيف هو ما نجا بمركبه في محيطات الغرام العاتية.

و ختاماً، تقديس الحب ليس بمقصود وإنما تجريده من آفات ضالة هو المطلوب. يقيني أن المرء أكثر حاجة للأمان عن الحب.

يحتاج لمن يتفهم أحزانه ووحشة روحه، لمن يشاركه أدغاله المظلمة في صمت أو بصدى صوت له نغمة محببة بلبلية شادية!

نوران الراضي 

كاتبة وطالبة بكلية الطب بالقاهرة

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق